في خضم الكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي يعيشها قطاع غزة منذ أشهر، لم يعد الموت محصورًا في صواريخ القصف أو تحت أنقاض البيوت المدمرة، بل أخذ يتجسد أيضًا في أزمات صحية متصاعدة تحاصر السكان من كل اتجاه.
ومع انهيار المنظومة الصحية بشكل كامل نتيجة الحصار المستمر منذ نحو سنتين ونقص الأدوية والمعدات الطبية وانقطاع الكهرباء، برزت متلازمة “غيلان باريه” كتهديد خطير يفاقم معاناة الغزيين، خصوصًا الأطفال. فبدأ هذا المرض العصبي النادر، الذي يهاجم الجهاز العصبي مسببًا ضعفًا تدريجيًا في العضلات قد يصل إلى الشلل الكامل، بالانتشار بصورة لافتة في ظل غياب القدرة على التشخيص المبكر أو توفير العلاج المناسب.
ولا تكمن خطورة هذا المرض في طبيعته فقط، بل في توقيته الحرج، إذ يتزامن مع سياسة ممنهجة للتجويع وتفاقم الأزمة الصحية، ما يضع المصابين أمام الموت البطيء، بينما تتحول المستشفيات التي بالكاد تعمل إلى ساحات عجز عاجزة عن تقديم الإنقاذ.
هذا التقرير يسلط الضوء على طبيعة المرض وأعراضه ومخاطره، وكيف أصبح انتشاره في غزة انعكاسًا مباشرًا للسياسات الممنهجة التي تستهدف حياة المدنيين.
موت يتجاوز القصف والدمار
متلازمة “غيلان باريه” هي حالة عصبية نادرة وخطيرة يهاجم فيها جهاز المناعة الأعصاب الطرفية بدلًا من حمايتها، ما يؤدي إلى ضعف متدرج في العضلات وفقدان الإحساس في الساقين أو الذراعين، وقد يتطور الأمر في بعض الحالات إلى صعوبة في الكلام والبلع أو حتى فشل في التنفس.
ورغم أن المرض يمكن أن يصيب مختلف الأعمار، إلا أنه أكثر شيوعًا بين البالغين والرجال. تبدأ الأعراض عادة بوخز أو تنميل في الأطراف السفلية قبل أن تنتشر تدريجيًا نحو الذراعين والوجه، وفي نحو ثلث الحالات تصاب عضلات الصدر، الأمر الذي يهدد حياة المريض ويستدعي إدخاله العناية المركزة.
الأطباء يصفون المتلازمة بأنها مهددة للحياة لأنها قد تسبب شللًا شبه كامل في أسوأ الحالات، ورغم ذلك فإن معظم المصابين يتعافون بشكل كامل بعد أسابيع أو أشهر من العلاج، مع بقاء نسبة قليلة تعاني ضعفًا مستمرًا أو مضاعفات خطيرة مثل التهابات الدم أو الجلطات الرئوية أو توقف القلب.
الأسباب الدقيقة للمرض ما زالت غير مفهومة، لكن غالبًا ما يظهر بعد الإصابة بعدوى فيروسية أو بكتيرية مثل الإنفلونزا أو بكتيريا “العطيفة الصائمية” المسببة لالتهاب المعدة والأمعاء، وأحيانًا بعد فيروسات مثل إبشتاين-بار وزيكا. وفي حالات نادرة جدًا، قد تحدث الإصابة بعد التطعيم أو العمليات الجراحية، لكن الاحتمال ضعيف للغاية مقارنة بخطر العدوى نفسها.
تشخيص المتلازمة يعتمد على الفحص السريري العصبي، مثل ضعف أو فقدان المنعكسات العميقة، وقد تُستخدم فحوص إضافية مثل البزل القطني أو تخطيط الأعصاب، لكن الأطباء يشددون على أن التشخيص والعلاج يجب أن يكونا فوريين دون انتظار نتائج مطولة، نظرًا لخطر المضاعفات التنفسية السريعة.
أما العلاج، فلا يوجد دواء شافٍ نهائي، لكن الرعاية الطبية والدعم الحيوي يمكن أن ينقذا حياة المريض. يشمل ذلك مراقبة وظائف التنفس والقلب وضغط الدم، واستخدام أجهزة التنفس الصناعي عند الحاجة، إضافةً إلى العلاجات المناعية مثل تبادل البلازما أو الحقن بالغلوبيولين المناعي الوريدي، وهي أكثر فاعلية عند إعطائها خلال الأسبوعين الأولين من ظهور الأعراض. كما يحتاج بعض المرضى إلى جلسات تأهيل طبيعي بعد المرحلة الحادة لاستعادة قوتهم الحركية.
بعد عودته من #غزة ممرض أمريكي يتحدث عن كمية التحديات والصعوبات بالتعامل مع المعدات الطبية في ظل الحرب والحصار pic.twitter.com/mNlc3r8TZp
— نون بوست (@NoonPost) April 8, 2025
أعراض خطيرة قد تنتهي بالشلل أو فشل التنفس
انتشار متلازمة “غيلان باريه” في قطاع غزة شكل ضربة جديدة للقطاع الصحي المتهالك أصلاً، والذي يكافح بالفعل للتعامل مع أعداد ضخمة من المصابين نتيجة القصف المستمر، خاصة وأن المصابين بهذه المتلازمة يحتاجون إلى متابعة دقيقة وتدخلات عاجلة عند ظهور مضاعفات مفاجئة، وهو ما يجعل كل لحظة حاسمة في الحفاظ على حياتهم.
أعلن لأول مرة عن تسجيل حالات الإصابة بالمتلازمة في القطاع في أوائل أغسطس الجاري، حين أعلنت وزارة الصحة عن 95 إصابة، بينهم 45 طفلاً، بعد يوم واحد من تسجيل 3 وفيات. وأوضحت الوزارة أن هؤلاء الأطفال توفوا بعد فشل محاولات إنقاذهم بسبب نقص الأدوية والعلاجات اللازمة، محذرة من أن استمرار هذه الظروف الصعبة قد يؤدي إلى انتشار أوسع للمرض وسط الأطفال.
وبحلول نهاية الشهر، تفاقمت الأزمة بشكل كبير، حيث اضطر العشرات من المصابين إلى أجهزة التنفس الصناعي للبقاء على قيد الحياة، وسط ندرة شديدة لهذه الأجهزة، ما ساهم في ارتفاع عدد الوفيات إلى 8 حالات، أي نحو 10.6% من مجموع المصابين، الذين يعيشون خطر الموت بصمت وببطء، بينما تنتظر أسرهم أي بارقة أمل.
رصدت وزارة الصحة في #غزة 95 إصابة بين الأطفال منذ بداية العام، مقارنة بحالتين فقط سنويًا قبل الحرب.. ماذا تعرف عن متلازمة #غيلان_باريه التي تضرب أطفال غزة؟ pic.twitter.com/iezg9RtFAV
— نون بوست (@NoonPost) August 8, 2025
مدير مستشفى الأطفال والولادة، أحمد الفرا، علّق على انتشار المرض: “قبل الحرب، كنا نسجل حالة أو حالتين سنويًا من هذا المرض، أما الآن فالأعداد تتزايد بسرعة، وجميع الحالات المسجلة لأطفال دون سن 15 عامًا.”
وتباينت الحالات بين أطفال ظهرت عليهم أعراض أولية مثل ضعف الأطراف وصعوبة المشي، وبين من تدهورت حالتهم سريعًا، واضطروا لاستخدام أجهزة التنفس الصناعي داخل وحدات العناية المركزة وسط تحديات هائلة تواجه القطاع الطبي، ليس فقط بسبب نقص الأدوية والأجهزة التشخيصية، بل أيضًا بسبب انهيار البنية التحتية الطبية جراء الحرب المستمرة منذ عامين، ما يجعل إنقاذ حياة الأطفال معركة يومية في مواجهة المرض والظروف البيئية القاسية.
الحصار الإسرائيلي.. مصنع للأوبئة والأمراض النادرة
لم يكن ظهور متلازمة “غيلان باريه” في قطاع غزة مفاجئًا، فقد حذرت المنظمات الأممية والدولية مرارًا من تفشي الأوبئة والأمراض المعدية في ظل اكتظاظ المخيمات بالنازحين، وغياب أدنى مقومات الحياة الأساسية، وانتشار مياه الصرف الصحي بين السكان. وتُعد هذه المتلازمة إحدى النتائج المباشرة للظروف الكارثية التي يفرضها الحصار الإسرائيلي على الغزيين.
ويمكن تلخيص أربعة عوامل رئيسية مرتبطة بالحصار وتؤثر بشكل مباشر على انتشار المرض:
- تلوث المياه والصرف الصحي: أدى اختلاط مياه الصرف الصحي بمياه الشرب، نتيجة تدمير محطات المعالجة والبنية التحتية جراء القصف المتكرر، إلى انتشار واسع للفيروسات والبكتيريا المعوية، ما يجعل الأطفال الأكثر عرضة للإصابة. وأوضح مدير مستشفى الأطفال أحمد الفرا أن سبب تفشي المرض يعود إلى هذه الفيروسات، محذرًا من أن “غزة مقبلة على كارثة صحية كبرى لا سيما في أوساط النازحين”.
- سوء التغذية والمجاعة: يؤدي نقص الغذاء الحاد إلى ضعف جهاز المناعة لدى الأطفال، ما يجعل أجسامهم أقل قدرة على مقاومة العدوى، ويزيد من احتمالية تطور المضاعفات بعد الإصابة بالفيروسات أو البكتيريا، ويرفع خطر الإصابة بمتلازمة غيلان-باريه وأمراض نادرة أخرى.<
منسق الطوارئ في الأمم المتحدة، توم فليتشر: إعلان المجاعة في غزة يفرض قراءة التقرير بحزن وغضب. pic.twitter.com/gozZYozeoO
— نون بوست (@NoonPost) August 22, 2025
- اكتظاظ النازحين: يعيش نحو 40 ألف شخص في كل كم² في غزة، إضافة إلى موجات النزوح المستمرة، ما يخلق اكتظاظًا شديدًا في المنازل والملاجئ والمستشفيات. هذه الظروف تسهّل انتشار الأمراض المعدية بين الأطفال والنازحين، وتعرقل تطبيق أي إجراءات وقائية، ما يسهم في تفشي أمراض مثل متلازمة “غيلان باريه”.
- انهيار المنظومة الصحية: يعاني القطاع الصحي انهيارًا شبه كامل بسبب الضربات المستمرة التي استهدفت المنشآت الطبية، ومنع إدخال الأدوية والمعدات الحيوية. هذا الانهيار يجعل تشخيص الأمراض مبكرًا وعلاجها في الوقت المناسب شبه مستحيل، حتى بالنسبة للحالات التي يمكن إنقاذها. كما أن نقص أجهزة التشخيص والعلاج، مثل الغلوبيولين المناعي أو أجهزة فصل البلازما، إضافة إلى الضغط الهائل على الطواقم الطبية بسبب كثرة الحالات، يزيد من معدلات الوفيات والمضاعفات، ويحول كل إصابة إلى معركة للبقاء على قيد الحياة.
في نهاية المطاف، لا يمكن اعتبار متلازمة “غيلان باريه” مجرد حالة طبية نادرة، بل انعكاس مباشر للمعاناة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون بغزة نتيجة سياسة الإبادة الجماعية وما يجعل الوضع أكثر مأساوية هو أن كل تأخير في التشخيص أو نقص في العلاج قد يعني الموت البطيء للمصاب، بينما تنتظر أسرهم فرصة ضئيلة للنجاة.