ترجمة وتحرير: نون بوست
منذ البداية، كان الانشغال المحموم إحدى الحقائق التي لا مفر منها في فترة ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الثانية، وبالنسبة لداعميه كان الإيقاع السريع لأجندته علامة مميزة على نجاحه. لكن بالنسبة للآخرين، فإن إعلانات ترامب وأوامره ومبادراته السريعة في سعيه لتحقيق أجندة اقتصادية وسياسية متزايدة التطرف تمثل تحديًا جوهريًا وغير مألوف: فبمجرد تصدره للأخبار في موضوع ما، يُشعل موضوعًا آخر، مما يترك منتقديه في حالة من الذهول بشكل روتيني.
فعلى سبيل المثال، فكروا في قمة ترامب المرتجلة وغير المثمرة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا، وهجومه على مؤسسة سميثسونيان بسبب تركيزها المزعوم على العبودية، والسيطرة الفيدرالية المتواصلة على الشرطة في واشنطن، وإقالة البنتاغون مؤخرًا لرئيس وكالة الاستخبارات الدفاعية بعد أن أثارت شكوكًا حول تأثير الهجوم الأمريكي على المواقع النووية الإيرانية في حزيران/يونيو.
فكروا في ضغط ترامب على ولاية تكساس والولايات الأخرى التي يقودها الجمهوريون لتعديل خرائطهم الانتخابية، واستخدامه لمكتب المدعي العام كسلاح (كما يتضح من نشر محاضر المقابلة بين نائب المدعي العام تود بلانش، محاميه الشخصي السابق، وغيسلين ماكسويل حول قضية جيفري إبستين)، وتفتيش مكتب التحقيقات الفيدرالي لمنزل ومكتب مستشار الأمن القومي السابق لترامب جون بولتون. كل هذه التطورات حدثت خلال ما يزيد قليلًا عن الأسبوع، وكل واحدة منها تستحق نقاشًا وطنيًا عميقًا إذا نظرنا إليها بشكل منفصل، لكن نهج نجم تلفزيون الواقع السابق في التعامل مع السلطة يبدو مصممًا بشكل استراتيجي لمنع ذلك، مما يسمح له بالمضي قدمًا باستمرار.
مع ذلك، لست متفاجئًا من فشلهم في إثارة النقاش بقدر تفاجئي بمسألة أخرى تمامًا ألا وهي هجوم ترامب على أسس النظام الاقتصادي الأمريكي، الذي ظل دون أن يعبث به احد كبير لمدة تقارب 80 عامًا. كان من المتوقع أن يواجه هذا الأمر معارضة قوية، أو على الأقل دعوات صاخبة لتوضيح الأسباب الكامنة وراء هذه التحركات – ليس فقط من المنتقدين المعتادين لترامب من الوسطيين واليساريين، وإنما أيضًا من المحافظين التقليديين وقطاع الشركات الكبرى والطبقة الثرية بشكل عام.
يبدو أن كل أسبوع يجلب أخبارًا عن رفض كبير، وإن لم يتم التعبير عنه بوضوح، لالتزام الحكومة الأمريكية بما يسميه الأمريكيون عمومًا رأسمالية السوق الحرة. لطالما كان هذا الوصف مبالغًا فيه إلى حد ما، ولكنه يجسّد سمة بارزة من سمات الاقتصاد السياسي للبلاد في حقبة ما بعد الحرب: فقد روّجت الحكومة خلال هذه الفترة، خاصة في ظل الإدارات الجمهورية، لفكرة أن الشركات الخاصة هي المسؤولة عن إنتاج الثروة في الولايات المتحدة بينما يتمثل دور الدولة في تهيئة بيئة سياسية مستقرة — بيئة تعززها مؤسسات شفافة ومستقلة وليست مبنية على الأهواء السياسية للسلطة التنفيذية.
بدأ ترامب الهجوم على هذا النظام بحملته ضد رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، وبالتالي ضد المؤسسة التي لطالما حظيت بالاستقلالية، وقد رشّح الرئيس مؤخرًا أحد أعضاء حزبه لعضوية مجلس إدارة البنك وحاول إقالة عضو آخر، ليزا كوك، لأسباب سياسية واضحة مدعيًا أنها توّرطت في احتيال عقاري.
في الأسبوع الماضي، وبعد أسابيع من الهجمات الشخصية المتواصلة من قبل ترامب والضغط لخفض أسعار الفائدة، أشار باول إلى أنه من المرجّح أن يلبّي رغبة الرئيس في أيلول/ سبتمبر، وقفزت أسواق الأسهم استجابةً لذلك، لكن العديد من المحللين حذروا من أن تدخل ترامب في عملية تحديد أسعار الفائدة يعد مؤشرًا سيئًا للاقتصاد الأمريكي.
شكلت الإجراءات الأخيرة التي اتخذها ترامب هجومًا على أكثر المبادئ الأساسية للرأسمالية الحرة في الولايات المتحدة، وأول هذه الإجراءات كان فرضه لتعريفات جمركية عالية بشكل فوضوي على مجموعة من الدول إلى مستويات غير معهودة منذ حقبة ما قبل الحرب. وقد نفذت إدارته ذلك بينما تواصل التظاهر بأن الدول الأخرى – وليس الشركات الأمريكية والمستهلكين المحليين – هي من ستتحمل تكلفة هذه التعريفات، وفي الوقت نفسه، لم تُظهر واشنطن شفافية بشأن كيفية استخدام عائدات هذه الرسوم.
ثم أعلن ترامب الأسبوع الماضي أن الحكومة الأمريكية ستستحوذ على ما يقارب 10 بالمائة من ملكية شركة إنتل، التي كانت رائدة في مجال الرقائق الإلكترونية والتي كافحت بشدة لمواكبة المنافسة. جاء هذا بعد فترة وجيزة مما بدا لوهلة كترتيب استثنائي، وإن كان غير معتاد، عندما طلب ترامب من اثنين من كبار مصنعي الرقائق الإلكترونية في البلاد – إنفيديا وإيه إم دي – التنازل عن 15 بالمائة من إيراداتهم من مبيعات معالجاتهم الحساسة استراتيجيًا إلى الصين. وفي وقت سابق من هذا الشهر، منح ترامب شركة آبل إعفاءً من الرسوم الجمركية بنسبة 100 بالمائة على الرقائق بعد أن وعدت الشركة باستثمار 100 مليار دولار في التصنيع في الولايات المتحدة.
لم يمض وقت طويل منذ أن كان السياسيون الجمهوريون وقادة الأعمال ووسائل الإعلام المحافظة مثل “فوكس نيوز” في حالة من الاضطراب بشأن احتمال انتخاب زهران ممداني، الذي يصف نفسه بـ “الاشتراكي الديمقراطي”، عمدةً لمدينة نيويورك، العاصمة الاقتصادية للبلاد. لكن الآثار الهيكلية لمقترحات ممداني الاشتراكية الغامضة، مثل النقل المجاني بالحافلات، تتضاءل مقارنة بنطاق مبادرة ترامب لتغيير الاقتصاد السياسي للبلاد.
ومثلما أشار مراسل صحيفة “واشنطن بوست” “جيريت دي فينك” مؤخرًا: “اشتكى بعض الجمهوريين والليبراليين من أن التحركات التجارية لترامب تعد خيانة لالتزام الحزب الجمهوري التقليدي بسياسات السوق الحرة… لكن المشرعين الجمهوريين وأعضاء مجالس إدارة الشركات أو كبار المديرين التنفيذيين ظلوا صامتين إلى حد كبير”. لم يرد المتحدثون باسم “بلاك روك” و”فانغارد” و”ستييت ستريت كوربوريشن”، وهم أكبر ثلاثة مساهمين في إنتل، على طلبات التعليق من الصحيفة.
إن تردد بعض المحافظين الأمريكيين في انتقاد ترامب بشأن هذه التغييرات الاقتصادية الجذرية يعود بالتأكيد إلى خوفهم من إثارة غضب قائد يسارع إلى الانتقام من منتقديه ومعارضيه، وقد يرجع ترددهم أيضًا إلى حماسهم العام لقانون التخفيضات الضريبية للأثرياء الذي وقعه ترامب. وهناك مشكلة أخرى تعيق النقد من هذا الجانب، وهي مدى غرابة الوضع الذي خلقه ترامب – ومدى صعوبة تسمية نظام يتم تجميعه بشكل عشوائي، دون أي رؤية سياسية واضحة أو متماسكة.
حتى مع إنكار ترامب لوصف الاشتراكي، فقد أطلق بعض المحللين تسمية “رأسمالية الدولة” على إعادة الهيكلة الجارية. هناك ما يبرر ذلك؛ فمن الناحية التاريخية، تم تطبيق هذا الوصف على مجموعة واسعة من الأنظمة، من ألمانيا النازية إلى الصين المعاصرة وحتى الدول الأوروبية الحديثة مثل فرنسا. وعلى أقل تقدير، تشير رأسمالية الدولة إلى المشاركة الاستراتيجية القوية للحكومة في الاقتصاد وفي الصناعات الكبرى، بالإضافة إلى تحديد الدولة لأولويات ثابتة للنمو الاقتصادي المستقبلي من خلال السياسات والتنظيم والاستثمار.
لكن بعيدًا عن شعارات مثل “أمريكا أولاً”، يصعب رؤية المنطق طويل الأمد لتدخلات ترامب الاقتصادية، فالصين تدفع علنًا بنموذجها لرأسمالية الدولة مع رغبة في السيطرة على ما تعتبره صناعات المستقبل، بما في ذلك السيارات الكهربائية والطاقة الخضراء والذكاء الاصطناعي والروبوتات. وحده الوقت سيكشف ما إذا كانت بكين قد اتبعت استراتيجية ناجحة، خاصة بالنظر إلى ما يراه الاقتصاديون سوء توزيع مزمن لرأس المال وفائضًا في القدرة الإنتاجية في العديد من الصناعات التي تفضلها الدولة الصينية. لكن ما يبدو أكثر وضوحًا، على الأقل في بداية الولاية الثانية لترامب، هو أن سياساته تفضل الصناعات التقليدية على حساب الصناعات الجديدة. ففي مفاوضة تجارية تلو الأخرى، أصر ترامب على أن تشتري الدول الأخرى المزيد من النفط والغاز الأمريكيين، والمنتجات الزراعية، والأسلحة، كما لو أن هذه المنتجات ستستمر في دفع اقتصاد البلاد إلى الأمام في المستقبل.
في الواقع، قد توفّر مقاربة ترامب لقضايا الطاقة المفتاح الأفضل لفهم سياسته الاقتصادية. فقد أنهى يوم الجمعة الماضي أسبوعًا محيرًا آخر بإصدار أمر بوقف العمل في مزرعة رياح بحرية كبيرة شبه مكتملة كانت ستزود ولايتي “كونيتيكت” و”رود آيلاند” بالكهرباء. وعندما سئل عن السبب، كانت أفضل إجابة يمكن أن يقدمها لي زيلدين، رئيس وكالة حماية البيئة، خلال مقابلة مع “فوكس نيوز” هي: “الرئيس ليس من محبي الرياح”. ويبدو أن هذا يؤكد أن الكثير من قرارات إدارة ترامب لا تستند إلى تحليل اقتصادي سليم أو نقاش مدروس بين خبراء مؤهلين، بل إلى أهوائه. وهناك اسم لهذا النوع من الأنظمة السياسية التي تحكم بهذه الطريقة، وهو ما يُسمى بالحكم الشخصي.
المصدر: فورين بوليسي