ترجمة وتحرير: نون بوست
يتردّد صدى إنكار الإبادة التي تحدث في غزّة عبر وسائل الإعلام الرئيسية وصولًا إلى البيت الأبيض. تذكّر هذه المواقف بإنكار الهولوكوست، إلا أن إنكار ما يحدث اليوم في غزة له عواقب قاتلة ذلك أنها تُستَخدم لتبرير الإبادة نفسها التي يدّعي منكروها أنه لا وجود لها.
كانت الطريقة التي وثّق بها النازيون جرائمهم من بين أكثر الجوانب صدمةً وفظاعةً في الهولوكوست النازي. بالطبع، روى الناجون قصصهم عن الفظائع التي عانوها، لكن بسبب حجم الجريمة واتساع نطاقها، تمكن العالم – ومحاكم نورمبرغ – من الاعتماد على الأدلة التي جمعها الجناة أنفسهم. ورغم هذا التوثيق، استمر إنكار الهولوكوست على مر السنوات، ويُعتبر أحد أكثر أشكال الكراهية المعادية لليهود فظاعةً.
نشأت بين العديد من الناجين من الهولوكوست، ومع أن بعضهم تمكن من إعادة بناء حياة ما، إلا أن الرقم الموشوم على أذرعهم وذاكرة ما حدث لهم ولأحبائهم بقيت حيّة. لذلك، أشعر بغضب مضاعف حيال إنكار الإبادة في غزة، وهو إنكار – على عكس إنكار الهولوكوست – له تأثير عميق على السياسات ويُستخدم لتسريع عملية الإبادة نفسها التي ينكرها.
يوم الجمعة، شهدنا مثالًا صادمًا على ذلك من أبرز مروّجيه رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو. بعد أن أكد التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي “آي بي سي” أن المجاعة قد اجتاحت قطاع غزة، وصف نتنياهو الأمر بأنه “كذبة لا أساس لها” واتهم “آي بي سي” بما أسماه “فرية دم حديثة”، مستغلاً خرافة قديمة معادية للسامية تسببت في وفاة أعداد لا تُحصى من اليهود، لتبرير استخدامه المتعمد للمجاعة كأداة، ليس للحرب، بل للإبادة الجماعية.
كان هذا أحدث مثال فيما أصبح اتجاهًا غريبًا في إسرائيل وبين مؤيديها، الذي يقوم حرفيًا بإقناع الناس بعدم تصديق أعينهم حين يرون أطفالًا هزيلين أو حتى قتلى، ناهيك عن سماع تأكيدات المسؤولين الإسرائيليين بأنهم لم يملكوا أي دليل على أن حماس “سرقت المساعدات” لجعل إسرائيل تبدو في صورة سيئة.
يستمر الإنكار بعد مرور نحو سنتين
لقد شهدنا الإنكار المخزي للمجاعة في غزة، وهو إنكار انتشر في جميع وسائل الإعلام الرئيسية. فقد جادلت كل من نيويورك تايمز وما يُسمى بـ “الصحافة الحرة” (وهي وسيلة بدأت على يد العنصرية الشهيرة باري فايس) بأن حالات الأطفال الجائعين التي شاهدها العالم بأسره كانت في الواقع أطفالًا يعانون من “أمراض موجودة مسبقًا“، وكأن هؤلاء الأطفال لن يكونوا أول الضحايا الذين تقتلهم أو تدمرهم حملة المجاعة الإسرائيلية. ويُعد هذا الجدل الهمجي مجرد أحد أشكال إنكار الإبادة الجارية في غزة.
Facts matter >>@TheFP pic.twitter.com/LmucqheyiD
— Benjamin Netanyahu – בנימין נתניהו (@netanyahu) August 26, 2025
-على وسائل التواصل الاجتماعي، يروّج بنيامين نتنياهو لمقالة من “الصحافة الحرة” تدعي تفنيد المجاعة التي تسببت بها إسرائيل في غزة-
يتمثل شكل آخر للإنكار في مزاعم بأن إسرائيل تحاول تقليل أعداد الضحايا المدنيين في غزة، وهو ادعاء كاذب بشكل صارخ غالبًا ما تكرره إسرائيل ومؤيدوها. تحاول إسرائيل دعم هذا الادعاء بحجة أن نسبة عالية من الفلسطينيين الذين قُتلوا بالعنف المباشر كانوا “مقاتلين”. وكان هذا دائمًا كذبًا واضحًا، لكنه انكشف بشكل غير مسبوق يوم الخميس، عندما أظهر تقرير مشترك من مجلة +972 وصحيفة الغارديان أن قاعدة بيانات الجيش الإسرائيلي أظهرت أن 83 بالمئة من الوفيات التي سجّلتها إسرائيل لم تكن بين من صنفتهم أعضاءً في حماس أو الجهاد الإسلامي، وهذه القائمة شملت 47653 اسمًا.
وبالنظر إلى أن مكتب مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكي صرّح في فبراير/ شباط 2025 بأن “حماس كان لديها 20 ألف إلى 30 ألف مقاتل قبل تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وتقدّر الصحافة الإسرائيلية أنه لا يزال هناك من 16 ألف إلى 18 ألف مقاتل”، وأن قوة الجهاد الإسلامي أقل بكثير من قوة حماس، يتضح أن القائمة الإسرائيلية التي نشرتها الغارديان تقترب على الأقل من الشمولية.
بعيدًا عن النسبة التي تدّعيها إسرائيل من 1:1 أو أحيانًا 2:1 بين المدنيين والمقاتلين، فإن هذا الرقم الذي يقارب 5:1 مرتفع جدًا وفق معايير الحرب الحديثة. وذلك قبل أن نأخذ بعين الاعتبار تعريف إسرائيل الواسع جدًا لما يسمى بـ “المقاتل”، الذي غالبًا ما يشمل موظفين مدنيين أو رجالًا في سن القتال، بالإضافة إلى إدراج أشخاص في قوائمهم تحت ذرائع كاذبة أو فضفاضة جدًا.
مؤخرًا، أصبح نوع آخر أكثر شيوعًا من إنكار الإبادة في صدارة نقاط الحديث المفضلة لنتنياهو. فقد قال لمذيع يميني متطرف في وقت سابق هذا الأسبوع: “لو أردنا ارتكاب إبادة جماعية، لكنا فعلناها في يوم واحد”. ويعتمد هذا الجدال المقيت على فكرة أن إسرائيل كان بإمكانها إطلاق المزيد من القوة على السكان المدنيين في غزة.
تأملوا هذا الجدل بعناية. هل يمكنكم تخيل أدولف أيخمان، أثناء محاكمته، يجادل بأن النازيين لو أرادوا قتل جميع اليهود، فلماذا وضعوا أيًا منهم في معسكرات الاعتقال والعمل بدلاً من القضاء عليهم فورًا؟ ولماذا استغرقوا أكثر من ثلاث سنوات بعد اتخاذ قرار تنفيذ الحل النهائي لقتل جميع اليهود الذين كانوا قد حُوصروا بالفعل؟ هذا بالضبط، وبدون مبالغة، الجدل الذي يطرحه نتنياهو. وهو ليس الوحيد على الإطلاق. أي شخص يمتلك حسابًا على تويتر أو ريديت أو غيرها من وسائل التواصل الكبرى قد شاهد أنصار إسرائيل يكررون نفس الحجة.
حقيقة الإنكار المستمر لإبادة غزة
الحجة القائلة بعدم وقوع إبادة جماعية تُكذّب بسهولة بحقيقة أن لا إبادة جماعية في التاريخ تم الإعلان عنها صراحةً من قبل الجاني كما هو الحال مع إبادة إسرائيل في غزة. فمنذ بداية عمليات إسرائيل في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، عندما أعلن يوآف غالانت بلا خجل: “لقد أمرت بفرض حصار كامل على قطاع غزة. لن يكون هناك كهرباء، ولا طعام، ولا وقود، كل شيء مغلق. نحن نقاتل حيوانات بشرية ونتصرف وفقًا لذلك”، صدرت العديد من التصريحات المتكررة من قادة إسرائيليين تعلن نيتهم الإبادية، وهو غالبًا أصعب عنصر في إثبات جريمة الإبادة الجماعية.
قال يسرائيل كاتس، وزير الخارجية الإسرائيلي الحالي: “أمرت بقطع إمدادات المياه من إسرائيل إلى غزة فورًا. تم قطع الكهرباء والوقود أمس. ما كان لن يكون”. وهناك العديد من الأمثلة الأخرى. مع ذلك، يستمر الإنكار. في وسائل الإعلام وبكلمات سياسيين مؤيدين لإسرائيل من اليسار المزعوم أو من اليمين المتطرف، يظل إنكار الإبادة الجماعية منتشرًا وله آثار فعلية على أرض الواقع.
من الواضح أن استمرار إنكار الإبادة التي تحدث في غزة يُسهِم في استمرار رفض معظم الدول التي لها أي تأثير على إسرائيل بالتصرف بأي شكل يتجاوز الخطابات الجوفاء والمواقف الاستعراضية التي لا تغيّر سلوك إسرائيل، مثل إعلان النية للاعتراف بالدولة الفلسطينية.
كما أن إنكار الإبادة يُرهق أولئك الذين يحاولون إيقافها، ويحوّل بعض طاقاتهم إلى الجدل حول حقيقة الإبادة. وفوق ذلك، فإن إنكار العديد من قادة العالم وبعض القوى الشعبية يُعد قبحًا أخلاقيًا، وهو أسوأ حتى من سياسة “لا أرى شرًّا، لا أسمع شرًّا” التي اتبعها كثير من الألمان في الحرب العالمية الثانية، خاصة مع الكم الهائل من التوثيق الفوري للإبادة.
خدمة الحقيقة
إن السياسة، من الحي المحلي إلى المسرح العالمي، ليست منتدى للصدق. حتى أرقى الفاعلين يستخدمون أدوات الاتصال لتطهير مواقفهم وتقديم خصومهم في أسوأ صورة ممكنة. هذا جزء لا مفر منه من التواصل السياسي. لكن إنكار شيء مباشر وفظيع مثل الإبادة الجماعية يتجاوز أساليب المراوغة السياسية العادية ويدخل في نطاق الانحراف الأخلاقي.
بالنسبة لليهود، وخصوصًا أولئك الذين نشأوا بين ناجين من الهولوكوست، يثير إنكار الهولوكوست الغضب والاشمئزاز واليأس من الحالة الإنسانية. ولا شك أن الأمر نفسه ينطبق على أحفاد ضحايا تجارة العبيد، وإبادة الشعوب الأصلية حول العالم، والأرمن، وغيرهم من ضحايا الفظائع التاريخية. بالنسبة للكثير من الناس من جميع الأعراق الذين لديهم ضمير ويمكنهم الاعتراف بالواقع في غزة، فإن إنكار هذه الإبادة التي تحدث الآن أمام أعيننا هو قبح من الدرجة الأعلى.
لقد كشف شعار “لن يتكرر أبداً” عن كونه مجرد شعار زائف يُستخدم للبعض دون غيرهم بل ويُستغل لتبرير واستمرار هولوكوست العصر الحديث في غزة. إذا كان للشعار أي معنى حقيقي، وإذا كان سيُطبَّق عالميًا وبالمساواة، يجب أن نتمكّن من قول الحقيقة. والاختبار النهائي لقدرتنا على ذلك هو التحدث عند رؤية جرائم يرتكبها شعبنا أو دولتنا أو حتى عائلتنا. كما يجب علينا وضع كل حدث في سياقه التاريخي، خصوصًا إذا أردنا منعه في المستقبل. هناك سبب يدفعنا للسعي وراء هدف مستحيل مثل العدالة العمياء الحقيقية. كلما نجحنا أكثر في هذا السعي، زادت احتمالية أن تصبح فظائع مثل غزة والدعم المستمر للإبادة هناك مجرد أثر مظلم في التاريخ.
المصدر: موندويس