ترجمة وتحرير: نون بوست
في محاولة للتشكيك في اعتراف الأمم المتحدة بتفشي المجاعة داخل قطاع غزة المحاصر، نظمت القوات الإسرائيلية جولات ميدانية مقيّدة لمجموعة من المؤثرين ووسائل الإعلام الدولية داخل منصة لوجستية مخصّصة للمساعدات الإنسانية قرب معبر كرم أبو سالم.
ظهرت ملكة جمال إسرائيل نوا كوشفا البالغة من العمر 26 عامًا أمام شاحنات محمّلة بكراتين الزيت الغذائي مرتدية خوذة وسترة واقية من الرصاص، وهي تصوّر نفسها بهاتفها المحمول. ثم التقطت مشاهد أخرى أمام أكياس الطحين وأمام أكياس السكر وبجانب شاحنات تضم كراسي متحركة، في لقطات متعدّدة بحثًا عن أفضل زاوية وأوضح صياغة بإشراف مباشر من متحدث باسم الجيش الإسرائيلي.
قالت نوا كوشفا، المتوَّجة بلقب ملكة جمال إسرائيل لسنة 2021، في رسالتها الموجهة إلى أكثر من 91 ألف متابع عبر “إنستغرام”: “منذ أيار/ مايو الماضي، سلّمت إسرائيل أكثر من 10 آلاف شاحنة محمّلة بالمساعدات الإنسانية بينها 5 آلاف طن من حليب الأطفال، لكن الأمم المتحدة لم تستلمها مطلقًا. ما الذي يحدث هنا؟ لماذا لا تستلم الأمم المتحدة هذه المساعدات؟ ألا تريد وصولها إلى المدنيين؟ أم أنها تغذي فقط آلة الدعاية التابعة لحركة حماس؟”.
يوم الثلاثاء 26 آب/أغسطس، على بُعد مئات الأمتار من قطاع غزة قرب معبر كرم أبو سالم، أحد المنافذ الرئيسية إلى القطاع، نظّمت القوات الإسرائيلية جولة ميدانية جديدة تحت إشراف جنودها. وكما دأبت خلال الأسابيع الأخيرة، اصطحبت خلالها مجموعة من المؤثرين ووسائل الإعلام الدولية من بينها صحيفة لوموند الفرنسية إلى ساحة لوجستية مخصّصة للمساعدات، حيث تفرغ الشاحنات حمولتها من البضائع على ناقلات قبل أن تُنقل إلى داخل الأراضي الفلسطينية.
تفرض السلطات الإسرائيلية، منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 حظراً على دخول الصحفيين الدوليين إلى قطاع غزة بشكل مستقل، مكتفية بتنظيم جولات مقيّدة تحت إشرافها المباشر. وقد سمحت السلطات الإسرائيلية للصحفيين بالدخول إلى ساحة الانتظار لمدة تسعين دقيقة فقط، وتحت إشراف كامل من الجيش، ما أتاح لهم الاطلاع على المكان دون أن يتمكنوا من توثيق حجم المساعدات أو طبيعتها، أو إبراز حجم المعاناة اليومية التي تنقلها المنظمات غير الحكومية والأمم المتحدة. وتؤكد هذه الجهات أن أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة يواجهون صعوبة بالغة في الحصول على الموارد الأساسية، خصوصًا بعد الخضوع لحصار كامل بين آذار/مارس وأيار/مايو، قبل أن تسمح إسرائيل مجددًا ـ تحت ضغط دولي ـ بمرور المساعدات الإنسانية بدايةً بشكل محدود للغاية ثم بكميات أكبر منذ مطلع آب/أغسطس.
وفق بيانات الأمم المتحدة، قُتل أكثر من ألفي فلسطيني منذ أيار/مايو الماضي أثناء محاولتهم الوصول إلى المساعدات عبر “مؤسسة غزة الإنسانية”، وهي الجهة التي اعتمدتها إسرائيل لتوزيع المساعدات في عدد محدود من المراكز داخل القطاع.
حرب المعلومات هي “الجبهة الثامنة” لإسرائيل
قدّم ممثل عن الجيش الإسرائيلي، رفض الكشف عن هويته، رواية الحكومة بشأن حجم المساعدات الإنسانية التي تدخل إلى قطاع غزة في الأسابيع الأخيرة، قائلاً: “300 شاحنة تدخل يوميًا. نحن نبذل كل ما في وسعنا لمساعدة المنظمات غير الحكومية والأمم المتحدة”، في إشارة إلى رفضه الانتقادات الموجّهة حول العرقلة المتكررة التي تبطئ وصول المساعدات.
في تقاريره اليومية، يؤكّد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية تسجيل زيادة في حجم المساعدات الغذائية، لكنه يشير في المقابل إلى أن المستوى الحالي لا يزال بعيدًا عن تلبية الاحتياجات الفعلية، وأن جزءًا كبيرًا من العمليات مُعرقل بفعل القيود التي تفرضها السلطات الإسرائيلية.
على مدى ما يقارب سنتين من الحرب، استعانت إسرائيل بمؤثّرين على شبكات التواصل الاجتماعي، من بينهم نوا كوشفا، لنشر رسائلها ضمن ما يُعرف بـ”الحرب المعلوماتية” التي وصفها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بـ”الجبهة الثامنة” لإسرائيل. وتزايدت أهمية هذا المسار الإعلامي بعد أن أكد خبراء التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي ـ وهو ائتلاف يضم منظمات غير حكومية وهيئات دولية تحت إشراف الأمم المتحدة ـ يوم الجمعة 22 آب/أغسطس، حالة المجاعة التي تهدد 500 ألف شخص من أصل أكثر من مليوني نسمة داخل القطاع، وهي دراسة رفضت الحكومة الإسرائيلية منهجيتها ونتائجها.
في اليوم التالي لزيارتها، نشرت عارضة الأزياء على حسابها في “إنستغرام” منشورا ورد فيه: “دخلت إلى غزة لأتأكد مما كنت أعلمه مسبقًا: لا وجود لمجاعة في غزة”. وأضافت: “لقد رأيت الحقيقة بأم عيني”، رغم أنها لم تشاهد أي مدينة أو أيًا من سكان القطاع خلال جولتها. وختمت رسالتها بعبارة: “من فضلكم، شاركوا الحقيقة”، محمِّلة المنظمات غير الحكومية والأمم المتحدة مسؤولية نقص الغذاء في غزة.
المجاعة “خطأ الأمم المتحدة، وليس إسرائيل”
بالقرب منها في ساحة الانتظار، ظهرت الناشطة اللبنانية السورية روان عثمان، الموالية لإسرائيل، وهي تستند إلى حاجز لالتقاط صور مع الشاحنات أثناء عمليات التحميل. وجهت عثمان، أمام 119 ألف متابع لها على “إنستغرام”، نفس الرسالة التي حملتها زيارات أخرى، قائلة: “هناك ما يكفي من المساعدات الإنسانية في غزة بانتظار التوزيع، والجهات التي لا تستطيع إيصالها هي المنظمات الدولية التي ترفض التعاون مع الجيش أو الحكومة، أو التي لا تمتلك نظامًا فعالًا لتوزيع هذه المساعدات وإيصالها إلى من هم بأمس الحاجة إليها في غزة. لذا من العبث الادعاء بأن إسرائيل تتعمد تجويع الأطفال هنا”.
في 22 آب/أغسطس، زار نحو عشرة مؤثرين نفس الموقع وظهرت رسائلهم متشابهة في مقاطع الفيديو التي وصلت إلى ملايين المتابعين. قال المؤثر الأمريكي المحافظ كزافييه دو روسو، البالغ من العمر 23 عامًا، الذي يتابعه أكثر من مليون شخص على شبكات التواصل الاجتماعي بأسلوبه الاستفزازي المعتاد: “تأتي الأمم المتحدة بالطعام هنا لتوحي بأنها تقوم بشيء مجدي، لكنها لا تنجز مهامها مطلقا”.
أما المؤثر الإسرائيلي الدرزي مروان جابر، البالغ من العمر 16 عامًا ويملك 243 ألف متابع على “إنستغرام”، فقد نشر مقطع فيديو قصير شتم فيه موظفي الأمم المتحدة، قائلًا: “هذا خطأ الأمم المتحدة وليس إسرائيل”.
هذه الحملات الإعلامية معهودة. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2023، نظمّت وزارة الشتات ومكافحة معاداة السامية الإسرائيلية جولة لمؤثرين يمثلون “ثلاثين مليون متابع حول العالم” بهدف “تعزيز الخطاب الإسرائيلي”. وصرح إيدو دانيال، مدير الاستراتيجية الرقمية في الوزارة، آنذاك: “هذه معركة لا تقل أهمية بالنسبة للرأي العام، ولا شيء يمكن أن يحل محل متابعي المؤثر المخلصين”. وعند تواصل صحيفة لوموند، رفضت الوزارة التعليق على هذه العملية الأخيرة. ووفق إحصاءات وزارة الصحة في قطاع غزة، منذ هجوم السابع من تشرين الاول/ اكتوبر، استشهد أكثر من 62 ألف فلسطيني على يد إسرائيل، وهي تقديرات تعتبرها المنظمات الدولية موثوقة.
الصحيفة: لوموند