هاجر الكثير من اليمنيين إلى مختلف المدن المصرية هربًا من جحيم الحرب التي اندلعت في بلادهم قبل اثني عشر عامًا، لكنهم وجدوا أنفسهم في الوقت الراهن محاصرين بعراقيل وتعقيدات القرارات التي أصدرتها الحكومة المصرية بخصوص إقامتهم في أرض الكنانة، والتي ضاقت باليمنيين ذرعًا، خاصةً مع اشتداد الضربات التي تشنها جماعة “أنصار الله” على “إسرائيل”، وقبلها على مصالح مرتبطة بالكيان الصهيوني وحلفائه من الغرب في البحر الأحمر.
يقول يمنيون مقيمون في مصر خلال أحاديثهم مع “نون بوست” إن آخر من دفع ثمن تلك القرارات كانوا الطلاب اليمنيين المقيمين هناك، ويبلغ عددهم أكثر من ستة آلاف طالب كانوا يتلقون تعليمهم في المراحل ما قبل الجامعية دون عوائق تُذكر، لكن منذ يونيو/حزيران الماضي، أصدرت السلطات المصرية قرارًا يقضي بإغلاق مدارس الجالية اليمنية بشكل نهائي، بعد أن كانت قد اتخذت القرار ذاته للمرة الأولى في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، مبررة ذلك بعدم استكمال تلك المدارس لإجراءات الترخيص وغياب المناهج المصرية عن خططها الدراسية، مؤكدة أن الإغلاق يستند إلى أسباب قانونية.
عراقيل
في يوليو/ تموز الماضي، أعلنت السلطات المصرية موافقتها على قبول التحاق الطلاب اليمنيين في المدارس الحكومية والخاصة، في جميع المراحل التعليمية، ابتداءً من العام الدراسي 2025–2026، لكن هذا القرار لقي معارضة واسعة من طيف كبير من أبناء الجالية اليمنية في مصر لأسباب عديدة، إذ يرى الكثير من أولياء أمور الطلاب أنه قرار غير صائب.
من بين أولئك الأربعيني محمد عبدالرحمن الروني، والذي يرى أن قبول الطلاب اليمنيين في المدارس الحكومية معناه مضاعفة رسوم الإقامة على العائلة اليمنية، إذ إنه يتوجب عليه دفع رسوم إقامة لخمسة من أبنائه الذين تقل أعمارهم عن ستة عشر عامًا، كشرط أساسي لقبولهم في المدارس الحكومية المصرية، حيث تبلغ قيمة ما يتوجب عليه دفعه للطالب الواحد مائة وخمسون دولارًا أمريكيًا كرسوم إقامة.
المشكلة لم تتوقف عند هذا الحد، يقول الروني لـ”نون بوست”: “إن معظم المدارس الحكومية في القاهرة لا تقبل بتسجيل طلاب مستجدين مصريين بسبب ازدحامها، فما بالكم باليمنيين؟ إضافةً إلى فرض بعض المدارس الحكومية امتحان تحديد مستوى بعيدًا عن المنهج اليمني الذي كان الطلاب اليمنيون معتادين على دراسته، ختامًا بفرض بعض المدارس الحكومية المصرية عمل عقود إجبارية لتدريس الطلاب اليمنيين دروسًا خصوصية”.
انتهاك لحق التعليم
في حديثه مع “نون بوست”، يلفت علي العيسائي، الرئيس السابق للجالية اليمنية، إلى أن الدراسة في المدارس اليمنية بالقاهرة متوقفة حتى الآن، وأيضًا الإدارات التعليمية لم تفتح التسجيل في المدارس الخاصة. ويرى العيسائي أن الكثير من الطلاب اليمنيين، خاصة طلاب الثانوية العامة، يفضلون شهادة المدارس اليمنية على المصرية، بسبب أن وزارة التعليم العالي اليمنية لا تقبل الطالب اليمني خريج الثانوية المصرية في المنح المجانية لأغلب الجامعات المصرية.
وفي السياق، تشكو الثلاثينية سارة محمد، وهي ولية أمر لثلاثة طلاب في المرحلة الأساسية في مصر، من المعاملة الطويلة والروتين الممل حينما قررت أن يلتحق أبناؤها بإحدى المدارس الحكومية في القاهرة.
وتقول سارة لـ”نون بوست”: “تجعجعت من مكتب لمكتب، من العاصمة الإدارية للسيدة زينب، وفي كل يوم يُطلب مني شيء جديد، وأمور تعجيزية، رغم أنني أبديت استعدادي لدفع رسوم باهظة لتسجيل أبنائي، لكن مع مرور الوقت بدأت أدرك أن المسألة تطفيش، وليست معاملة لنقل أبنائنا للدراسة من مدرسة تابعة للجالية اليمنية إلى مدرسة خاصة مصرية”.
لا تستطيع سارة العودة إلى منزلها في العاصمة صنعاء، بسبب مضايقات جماعة الحوثي لها ولعائلتها نتيجة مواقفهم السياسية المعارضة للجماعة، كما أنها لا تستطيع العودة إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة اليمنية، لارتباطها بمشروعها الخاص في القاهرة. وتؤكد سارة أنه قد تم بيع كل مدخرات عائلتها من أجل شراء منزل تمليك في القاهرة، ومن أجل ذلك أصبحت مجبرة على أن تستمر في العيش في القاهرة، وإلحاق أبنائها الثلاثة في مدرسة مصرية، رغم الرسوم الباهظة، كما تقول.
في ديسمبر/ كانون الأول الفائت، أصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريرًا قالت فيه: “يجد العديد من الأطفال اللاجئين وطالبي اللجوء في مصر أبواب المدارس مغلقة في وجوههم، ما يحرم عشرات الآلاف من حقهم الأساسي في التعليم”.
وطالب التقرير الحكومة المصرية بتعديل القانون الوزاري رقم 284 لعام 2014، والذي يسمح لغير المصريين بالالتحاق بالمدارس الخاصة، ويقيّد التحاقهم بالمدارس الحكومية.
في الثالث والعشرين من أغسطس/ آب الجاري، أعلن خالد داود المصباحي، نائب رئيس لجنة التعليم بالجالية اليمنية في مصر، استقالته من منصبه احتجاجًا على إغلاق المدارس اليمنية من قبل السلطات المصرية. وجاء في نص الاستقالة أن إغلاق المدارس اليمنية في مصر يهدد مستقبل أكثر من (7000) طالب بالتسرب من التعليم، لافتًا إلى وجود صراع بين السفارة اليمنية في القاهرة ومُلّاك المدارس اليمنية، لكنه لم يحدد طبيعة هذا الصراع.
موقف السفارة
فريق من الجالية اليمنية يرى أن المعترضين على إغلاق المدارس التابعة للجالية اليمنية في مصر هم مُلّاك المدارس اليمنية، الذين يرون في الموضوع زاوية ربحية بحتة، حيث كانوا يجنون الكثير من الأموال نظير تسجيل الطلاب اليمنيين في تلك المدارس.
يشير الأربعيني عبدالعزيز شداد إلى أن “مُلّاك المدارس اليمنية في مصر يعتبرون التعليم للأطفال والمراهقين تجارة رابحة، وآخر همّهم التحصيل العلمي للطلاب، لذا هم من يقودون الحملة المنظمة التي تطالب السلطات المصرية بإعادة افتتاح تلك المدارس”.
يؤيده وزير الثقافة اليمني الأسبق خالد الرويشان، إذ وجّه رسالة للمعترضين على قرار إغلاق المدارس اليمنية في مصر، قائلًا: “لماذا تخشون عليهم من التعليم المصري؟ يمكن أن نتفهم أن تنشئ مدارس يمنية في أوروبا إذا أردت.. أمّا في مصر، فهذا منك ترفٌ وطمعٌ أيها التاجر الحاذق!”.
عدد من المنتمين للجالية اليمنية في مصر طالبوا السفارة اليمنية بالتدخل لحل إشكالية توقف أبنائهم عن الدراسة في المدارس خلال العام الجاري. هبة الله ضحوي (50 عامًا)، وهو ولي أمر طلاب مقيمين في القاهرة، يقول إن “السفارة اليمنية تقف كالمتفرج على حال رعاياها من الطلاب وأولياء الأمور”.
ينفي بليغ المخلافي، المستشار في السفارة اليمنية في مصر، وجود عراقيل أمام الطلاب اليمنيين في المدارس المصرية، أو استهداف لوجود الجالية اليمنية في مصر من قبل الحكومة المصرية، وأي تقصير من قبل السفارة اليمنية في القاهرة بخصوص قضية الطلاب اليمنيين في المدارس.
ويؤكد أن سفير اليمن في القاهرة، خالد بحاح، قد أجرى عدة محادثات مع وزير التربية والتعليم المصري، محمد عبداللطيف، ومسؤولين كبار في وزارة الخارجية المصرية لمناقشة ملف المدارس.
ويقول المخلافي لـ”نون بوست”: “القرارات الأخيرة لم تستهدف اليمنيين فقط، بل كافة أبناء الجاليات العربية، إذ تُشدد وزارة التربية والتعليم المصرية على ضرورة تدريس المنهج المصري على الطلاب القاطنين في البلاد”.
ويطالب المخلافي المعارضين لقرار إغلاق المدارس اليمنية بالانصياع للتوجيهات الصادرة عن بلد الاعتماد، وعدم تصديق الإشاعات التي لا فائدة منها سوى ضياع الوقت عن إلحاق أبنائهم في المدارس المصرية، سواءً الحكومية أو الخاصة، والتي تفتح أبوابها لليمنيين بصدر رحب.