في إحدى ليالي صيف 2021، وفي قرية صغيرة قرب مدينة المنصورة شرق مصر، وقبيل صلاة الفجر بدقائق، استيقظ أحمد، الطالب في جامعة الأزهر والبالغ من العمر 19 عامًا، على مشهد مروّع؛ قوة أمنية مقنّعة ومدججة بالسلاح تقف فوق رأسه، تقيد يديه بأغلال حديدية وتضع عصابة سوداء على عينيه في ثوانٍ معدودة. لم يُمنح فرصة للسؤال أو الاعتراض، ليُساق بسرعة إلى ميكروباص أبيض ينتظر خارج المنزل، وسط صرخات أهله وجيرانه المذهولين.
منذ تلك اللحظة، بدأ الكابوس. طرق أشقاء أحمد كل الأبواب؛ قسم الشرطة، النيابة، أمن الدولة، وزارة الداخلية، لكن الإجابة الدائمة كانت: “لا نعرف”، في إنكار تام لاختفائه. وبعد ستة أشهر كاملة، جاءهم اتصال غير متوقع من محامٍ قال إنه صادفه مصادفة أثناء عرضه على نيابة أمن الدولة، ليكشف لهم عن مكانه.
لم يترك أشقاء أحمد -الذي كان مٌفعمًا بحماسة الشباب مؤملا نفسه بمستقبل أكثر إشراقًا- بابًا إلا وطرقوه بحثًا عنه، قسم شرطة، سراي نيابة، مقر أمن دولة، وزارة الداخلية، إلا أن الإجابة المعتادة كانت “لا نعرف”، وسط إنكار غريب للواقعة برمتها، وبعد فقدان الأمل في العثور عليه، فوجئوا باتصال هاتفي يأتيهم بعد 6 أشهر كاملة، من شخص قال إنه محامي تعرف عليه مصادفة خلال عرضه على نيابة أمن الدولة، يخبرهم بمكانه.
أكثر من عام ونصف قضاه أحمد في غياهب المعتقلات ومراكز الاحتجاز، ليخرج بعدها شابًا آخر غير الذي دخل؛ فاقدًا لاتزانه، ناقمًا على الحياة، مصابًا باضطرابات نفسية قاسية دفعت به إلى ترك دراسته، وألقت بظلالها الثقيلة على أسرته التي لم تفارقها غصّة الفقد والخذلان حتى اليوم، من دون أن تعرف حتى الآن ما هي تهمته ولماذا تعرّض لكل ذلك.
في مثل هذا اليوم من كل عام، الثلاثين من أغسطس/آب، يتذكر العالم “اليوم الدولي لمساندة ضحايا الاختفاء القسري”، لتعود معه مأساة آلاف الأسر في مصر، جريمة تحولت من انحرافات أمنية متفرقة في عهد مبارك، إلى سياسة ممنهجة وبنية أصيلة في نظام السيسي، وأداة رئيسية لترسيخ سلطته، إرهاب معارضيه، وملاحقة كل من يجرؤ على التفكير خارج السرب. إنها جريمة لا تزال تنخر في عظم المجتمع، جرحًا مفتوحًا في الضمير الإنساني، ينتظر العدالة والمحاسبة.
منهجية أصيلة في بنيوية النظام
لم تكن جرائم الإخفاء القسري وليدة النظام الحالي، بل تضرب جذورها في تاريخ طويل من الانتهاكات التي شهدتها مصر، لكنها، في العقود السابقة، بقيت في نطاق محدود، أقرب إلى إجراءات استثنائية مؤقتة، تُستخدم لانتزاع معلومات محددة من أشخاص بعينهم، ولمدد قصيرة لا تتجاوز بضعة أيام. ورغم تجاوزات طالت بعض العهود، فإنها ظلت محكومة إلى حد ما بخطوط حمراء، حتى اتسعت في سنوات مبارك الأخيرة.
لكن مع وصول السيسي إلى الحكم، تغيّر المشهد جذريًا؛ إذ تحوّل الإخفاء القسري إلى سياسة ممنهجة قائمة على “الضربات الاستباقية”، حيث مُنحت الأجهزة الأمنية، وعلى رأسها الأمن الوطني، تفويضًا مفتوحًا لارتكاب ما تشاء من انتهاكات، تحت ذريعة مواجهة المؤامرات وحماية الأمن القومي.
وما يزيد من خطورة هذا الواقع أن مصر لم تصادق على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري (2006)، رغم كونها طرفًا في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والأدهى أن دستور 2014 نصّ بوضوح في مادته (45) على أنه “لا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه إلا بأمر قضائي مسبب”، غير أن السلطات تمضي في الاتجاه المعاكس، متجاهلة نص الدستور، ومكرّسة واقعًا تُدار فيه البلاد بعقلية أمنية محضة، حيث يصبح الدستور والقانون مجرد شعارات بلا أثر.
تسير جريمة الإخفاء القسري في مصر وفق مسار منظم ومحكم يبدأ بلحظة الاعتقال غير الرسمي، والذي غالبًا ما يتم في ساعات الليل المتأخرة، إما بمداهمة المنازل أو باختطاف الضحية من الشارع عبر عناصر أمن بملابس مدنية، يستقلون سيارات بلا لوحات شرطة رسمية.
يُقتاد الضحية إلى أماكن غير معلومة، عادة ما تكون مقار تابعة للأمن الوطني أو معسكرات الأمن المركزي، حيث يتعرض لسلسلة طويلة من صنوف التعذيب تشمل الصعق الكهربائي والحبس انفرادي المطوّل وانتهاكات جسدية وجنسية، وضروب من التنكيل النفسي والجسدي. كل ذلك يمهّد للمرحلة التالية، وهي انتزاع الاعترافات تحت وطأة الألم، إذ يُجبر الضحية على التوقيع على محاضر اتهام معدّة سلفًا، دون أن يُسمح له حتى بقراءتها.
وبعد أسابيع أو شهور، وربما سنوات، من هذا الجحيم، يُنقل المعتقل أخيرًا إلى نيابة أمن الدولة، محاطًا بملفات أُعدّت بعناية، ومذيلة باعترافات واضحة و”مباشرة” منسوبة إليه. وهنا يُغلق الباب نهائيًا أمام أي محاولة لإثبات البراءة أو فتح مسار نحو العدالة، فيتحول القانون إلى غطاء شكلي، يعيد إنتاج المأساة بدلًا من إنهائها.
تأكيد حقوقي وإنكار رسمي
ليس في مصر إحصاء رسمي لضحايا الإخفاء القسري، إذ يظل الأمر محصورًا في بلاغات الأهالي، الذين كثيرًا ما يواجهون تهديدات مباشرة إذا تحدثوا عن معاناة ذويهم، ومع ذلك حاولت منظمات حقوقية مستقلة، محلية ودولية، رسم صورة تقريبية لحجم الجريمة.
بحسب حملة “أوقفوا الاختفاء القسري” سُجلت 4677 حالة بين عامي 2015 و2024، أما “المفوضية المصرية للحقوق والحريات” فرصدت 2723 حالة خلال خمس سنوات فقط (2019-2024)، فيما قدرت “المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب” مجموع الحالات بـ4235 حتى أغسطس/آب 2023. وذهبت بعض التقديرات الأخرى إلى أرقام أضخم، أشارت إلى أن العدد ربما يتجاوز 19 ألف حالة.
هذه الأرقام على تفاوتها تكشف عن واقع مفزع حيث جرائم الإخفاء القسري في مصر لم تعد مجرد تجاوزات فردية أو حالات استثنائية كما تدّعي الأجهزة الرسمية، بل غدت نهجًا راسخًا وسياسة ممنهجة تخدم أهداف النظام في السيطرة والإخضاع.
ورغم ذلك، تواصل الدولة الإنكار، نافية وجود أي من هذه الحالات رغم التوثيق الحقوقي لعشرات منها، ومتمسكة بذريعة قديمة جاهزة، تلقي فيها بالاتهامات على جماعة الإخوان، وتعتبر كل انتقاد “دعاية مغرضة” تستهدف تشويه صورة الدولة و”تلويث ثوبها الحقوقي”.
تتبنى السلطة في مصر، عبر أذرعها الإعلامية المختلفة، سردية ثابتة مفادها أنه “لا وجود لمختفين قسريًا”، وحين يُعرض الضحايا لاحقًا أمام نيابة أمن الدولة، تسوق مبررًا جاهزًا بأن احتجازهم تم بقرارات قضائية، في تجاهل تام لما وثقته تقارير دولية وحكومية عديدة من أدلة دامغة على شيوع هذه الممارسة.
في تقريرها لعام 2023، أكدت وزارة الخارجية الأميركية أن الإخفاء القسري يُعد من أبرز الانتهاكات الحقوقية في مصر. كما كشفت كل من “العفو الدولية” و”هيومن رايتس ووتش” عن استخدام منهجي لهذه الجريمة، مقترنًا بالتعذيب والمحاكمات غير العادلة. وفي يوليو/تموز 2025، أبقى فريق الأمم المتحدة المعني بالاختفاء القسري مصر على قائمة الدول المثيرة للقلق.
إنكار هذه الحقائق، رغم اعترافات وشهادات ضحايا عُرفوا للرأي العام، ورغم تقارير المنظمات الدولية، يكشف إصرارًا مقلقًا من النظام على المضي في ذات المسار، مع تجاهل صارخ لكل النداءات الحقوقية. إنه إنكار يرسخ صورة واضحة، بأن حقوق المواطن المصري تقع في ذيل الأولويات، بينما تتصدر الهيمنة والسيطرة وفرض السطوة المشهد، حتى ولو كان الثمن خرق القوانين الدولية والدوس على المبادئ الإنسانية.
أداة قمع وإسكات وترهيب
مع بداية عهد السيسي كان الإسلاميون الضحية الأبرز لسياسة الإخفاء القسري التي اتبعها النظام آنذاك، وكانت المبررات حينها – رغم الإنكار الرسمي – أنهم يشكلون خطرًا على الأمن الداخلي المصري ويخططون، بدعم من قوى خارجية، لـ “سرقة واختطاف” الدولة المصرية بحسب تعبير الإعلام الموالي.
لكن مع مرور الوقت تجاوزت رقعة تلك الجريمة الإسلاميين، لتشمل كل من يعلو صوته من المعارضة المدنية من صحفيين ونشطاء وحقوقيين ونخبًا سياسية، فكل من يجرؤ على الخروج عن النص لا ضمان له ولا أمان من الاختطاف بأي وسيلة كانت، حتى وصلت مدة اختفاء بعضهم قسريًا إلى أكثر من عشر سنوات كاملة، دون تهمة أو قضية أو إدانة رسمية.
ويتمحور الهدف الأبرز وراء تلك الاستراتيجية في خلق مناخ عام من الخوف، يُرهب به النظام المعارضة بكل أطيافها، ويحول دون أي حراك سياسي، فردي كان أو منظم، ليضمن بها استمرارًا أبديًا متوهمًا، وترسيخًا كاملًا لأركانه. هذا إلى جانب البعد النفسي، حيث يُدمَّر معنويات النشطاء والمعارضين والحقوقيين عبر توظيف التعذيب النفسي والجسدي لكسرهم وعزلهم عن المجتمع.
كما يتخذ النظام من مشهدية الإخفاء القسري مسوغًا لتبرير خطاب الحرب على الإرهاب، من خلال تصدير الاعترافات المنتزعة تحت التعذيب لتمرير سرديته السلطوية العقابية، وكأنه في مهمة مقدسة للدفاع عن أمن الوطن من الأعداء والأشرار. وفي أحيان أخرى، قد يكون الإخفاء وسيلة لتصفية حسابات مع بعض المعارضين بعيدًا عن ساحات القضاء التي قد تمثل صداعًا للسلطة.
ورغم أن جريمة الإخفاء القسري في حد ذاتها كارثة إنسانية بكل المقاييس ووصمة عار في جبين الإنسانية، فإن آثارها لا تقف عند حدود الضحية المباشرة، أي المختطف، بل تمتد لتفتك بأسرته وأهله، فمعاناة البحث المستميت، وطرق الأبواب المغلقة، والتعرض للتنكيل والتهديد بين الحين والآخر، قد تفوق أحيانًا ما يواجهه ذووهم خلف جدران مقار الاحتجاز.
هذه المعاناة المتواصلة تُحدث تفككًا اجتماعيًا، وتترك جروحًا نفسية غائرة تتحول مع مرور الوقت إلى قنابل موقوتة تهدد أمن المجتمع وسلامته، إذ يجد المجتمع نفسه في حالة شلل تام، حيث فقدان الثقة بالنظام من جهة، وتغذية روح الانتقام من جهة أخرى، في ظل احتقان اجتماعي متصاعد إلى مستويات غير مسبوقة، ما يضع الدولة بأسرها فوق بركان مرشح للانفجار في أي لحظة.
ومع حلول اليوم الدولي لمساندة ضحايا الإخفاء القسري، يظل السؤال المؤلم حاضرًا في وجدان المصريين: أين مصطفى النجار، عضو البرلمان الذي اختفى في ظروف غامضة منذ سبتمبر/أيلول 2018 ولا يُعرف مصيره حتى اليوم؟ أين عبد الله محمد صادق، الطالب الذي اختطفته قوات الأمن من أمام باب جامعته قبل أكثر من سبع سنوات، دون أن يظهر له أثر؟ أين عمرو إبراهيم متولي، المختفي منذ 12 عامًا، والذي اعتُقل والده فقط لأنه طالب بالكشف عن مصير نجله؟ وأين آلاف غيرهم، غيبتهم مراكز الاحتجاز عن الحياة، وتركت عائلاتهم في قلق دائم وعذاب لا ينتهي؟