لم تحمل لحظة سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 نهايةً لمعاناة عشرات الآلاف من العائلات السورية، التي وجدت نفسها أمام غياب أيّ معلومات موثوقة عن مصير أبنائها الذين اختفوا في قبضة أجهزة الأمن والسجون.
ومع فتح أبواب المعتقلات، خرج ناجون بأجسادٍ منهكة وذاكرةٍ مثقلة، بينما بقيت الغالبية غائبة مجهولةَ المصير، وتكدّست صور الخارجين على شاشات الهواتف، فيما تهافت ذوُو المفقودين إلى برادات المشافي والسجون والمقابر الجماعية بحثًا عن معلومةٍ أو أثرٍ أو رفات.
تُعَدّ قضية المختفين قسرًا في سوريا من أكثر الملفات الإنسانية تعقيدًا وحساسية، فمنذ انطلاق الثورة السورية على نظام بشار الأسد في مارس/آذار 2011، لا تزال آلاف الأسر تواصل البحث عن أبنائها.
ومع تشكيل “الهيئة الوطنية للمفقودين”، واكتشاف عشرات المقابر الجماعية، وتوفّر وثائق من فروع الأمن والسجون، تأملُ عائلاتُ المفقودين بالحصول على معلوماتٍ حول مصير ذويهم، وتحقيقِ العدالة من خلال محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، إلى جانب إرساء ضماناتٍ قانونيةٍ ومؤسسيةٍ تمنع تكرار مثل هذه الجرائم مستقبلًا.
يأتي اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، الذي يوافق 30 أغسطس/آب، لتجديد المطالبة الدولية بكشف مصير المختفين قسرًا، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة، باعتبارها انتهاكًا لا يسقط بالتقادم، كما يمثّل، في السياق السوري، تذكيرًا بضرورة وضع ملف المفقودين في صلب مسار العدالة الانتقالية، وضمان كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا.
تعرِّف الأمم المتحدة الاختفاء القسري بأنه يحدث عند القبض على الأشخاص، واحتجازهم أو اختطافهم رغمًا عنهم، أو حرمانهم من حريتهم على أيّ نحوٍ آخر، على أيدي موظفين من مختلف فروع الحكومة أو مستوياتها، أو على أيدي مجموعةٍ منظمة، أو أفرادٍ عاديين يعملون باسم الحكومة أو بدعمٍ منها، بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة، أو برضاها أو بقبولها، ثمّ رفض الكشف عن مصير الأشخاص المعنيين أو عن أماكن وجودهم، أو رفض الاعتراف بحرمانهم من حريتهم، ممّا يجرد هؤلاء الأشخاص من حماية القانون.
بين 120 ألفًا و300 ألف مفقود
واجه نظام بشار الأسد الثورة السورية بوحشيةٍ وقوةٍ مفرطة، حيث تعرّض عشرات الآلاف للاختفاء القسري منذ عام 2011، غالبيتهم على يد قواته وحلفائه والميليشيات الرديفة، التي اقتادتهم إلى متاهةٍ من السجون ومراكز الاحتجاز في مختلف أنحاء البلاد، فيما اختفى آلاف آخرون على يد جماعاتٍ مسلحةٍ تقاسمت السيطرة على مناطقَ سوريةٍ عدّة.
وثقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” ما لا يقل عن 181 ألفًا و312 شخصًا لا يزالون قيد الاعتقال التعسفي أو الاختفاء القسري في مراكز احتجازٍ تتبع لجهاتٍ مختلفة داخل سوريا، وذلك منذ مارس/آذار 2011 وحتى أغسطس/آب 2025.
من بين الحصيلة، يُصنّف ما لا يقل عن 177 ألفًا و57 شخصًا كمختفين قسرًا، وتؤكد إحصائيات “الشبكة السورية” أن نظام بشار الأسد كان المسؤول الرئيس عن الغالبية العظمى من حالات الاختفاء القسري، حيث تتحمّل مراكزُ الاحتجاز التابعة له نحو 90% من إجمالي الحالات الموثقة.
وتقدّر “اللجنة الدولية لشؤون المفقودين” عدد المفقودين من سوريا بحوالي 200 ألف شخص منذ عام 2011، وتشمل مَن فُقدوا بسبب الإعدام بإجراءاتٍ موجزة، أو الاحتجاز التعسفي، أو الاختطاف، أو الهجمات الكيماوية، أو التهجير القسري والهجرة، إضافةً إلى انتهاكاتٍ أخرى لحقوق الإنسان.
يأتي ذلك امتدادًا لإرثٍ طويلٍ من القمع، إذ تابع بشار الأسد سياسة والده، حافظ الأسد، الذي ارتبط اسمه بحالاتِ اختفاءٍ واسعة، وقضى أو اختفى في سجونه عشرات آلاف الأشخاص، حيث تتراوح تقديرات أعداد المفقودين منذ عام 1970 بين 120 ألفًا و300 ألف شخص، وفق “الهيئة الوطنية للمفقودين“، التي تأسست بمرسومٍ رئاسيّ صادرٍ عن الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، في 17 من مايو/أيار الماضي.

ولطالما شكّلت سجونُ الأسد، التي وُصفت بالمسالخ البشرية، أحد أبرز أماكنِ موت المعتقلين ودفنِهم في مقابر جماعيةٍ دون إخطار عائلاتهم، كما عمد النظام السوري، خلال الـ14 عامًا الماضية، إلى إخلاء مسؤولية الأجهزة الأمنية من ناحية توثيق الطبابة الشرعية للجثث في أماكن مختلفةٍ عن مواقع القتل والتعذيب، عبر تزوير شهاداتِ الموت لآلاف المفقودين.
وبحسب تحقيقاتٍ استقصائيةٍ، ومعلوماتٍ من منظماتٍ ذاتِ صلةٍ بملف المعتقلين والمفقودين، فإن الأماكن المسؤولة عن قتل المعتقلين في سوريا تنقسم إلى ثلاثةِ أقسامٍ رئيسية، هي:
-
فروع الأمن المنتشرة في المحافظات، التي تحوّلت إلى مسالخ بشريةٍ بهدف انتزاع الاعترافات من معارضي حكم بشار الأسد.
-
السجون، حيث توجد في سوريا أربعةُ سجونٍ رئيسية، هي: السجن المركزيُّ في عدرا، والمزة العسكري، وسجن صيدنايا، وسجن تدمر، بالإضافة إلى السجون المركزية في المحافظات، وسجونٍ سرّيةٍ في القطع العسكرية والمطارات.
-
المستشفياتُ العسكرية، ومنها مستشفى “حرستا العسكري”، ومستشفى “حلب العسكري”، ومستشفى “حمص العسكري”، ومستشفى “الصنمين”، ومستشفى “تشرين العسكري”، وهو المصدر الأول لشهاداتِ الوفاة الصادرة لمعتقلين من مختلف فروع الأمن، وأُطلق عليه “الثقبُ الأسود” الذي تمرُّ عبره معظم جثث المعتقلين في سجن “صيدنايا” والأفرعِ الأمنية والشرطة العسكرية.
“هيئة وطنية للمفقودين”.. ما مهامها وخططها؟
نص المرسوم رقم “19“، الصادر عن الرئيس الشرع، على تشكيل “الهيئة الوطنية للمفقودين” في سوريا، وتتولى مهمة البحث والكشف عن مصير المفقودين والمختفين قسرًا، وتوثيق الحالات، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية، وتقديم الدعم القانوني والإنساني لعائلات المفقودين، وتتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وتمارس مهامها في جميع أنحاء الأراضي السورية.
ولقيت خطوة إنشاء “الهيئة الوطنية” ترحيبًا دوليًا، ومن منظمات حقوقية وإنسانية، مع إقرار بصعوبة وتعقيد المهمة، سواء من “الهيئة” أو من المنظمات، التي دعت بدورها إلى توخي الحذر في التعامل مع هذا الملف، وضمان الشفافية، والتعاون مع المنظمات، وتحقيق مشاركة فعالة لعائلات الضحايا.
رئيس “الهيئة الوطنية للمفقودين” في سوريا، محمد رضا جلخي، قال إن “الهيئة” وثقت 63 مقبرة جماعية حتى تاريخ تصريحاته في 18 من أغسطس/آب الحالي، فيما يُقدّر عدد المفقودين ما بين 120 و300 ألف شخص، لكن العدد الفعلي قد يكون أكبر بكثير، لوجود عوامل متعددة تعقّد عملية الحصر، منها عدم تبليغ بعض العائلات لأسباب أمنية أو سياسية، ووجود مفقودين لدى جهات مرتبطة بالنظام السابق بشكل غير رسمي، ولا تملك سجلات أو وثائق عنهم.
وذكر جلخي أن عمل “الهيئة” يعتبر حجر الأساس في مسار العدالة الانتقالية، وبالتالي في تحقيق السلم الأهلي في سوريا، ما يتطلب التعاون سواء من المؤسسات الرسمية، أو مؤسسات المجتمع المدني، أو العائلات وروابطها، أو المؤسسات والآليات الدولية.
ووضعت “الهيئة” هيكلية مؤقتة تضم مجلسًا استشاريًا ومجلسًا تنفيذيًا وفق خطة عمل من 6 مراحل، ضمن خطة زمنية من 3 أشهر إلى 6 أشهر كبداية للانطلاق العملي، وهي:
1- إطلاق مشاورات وطنية حول ملف المفقودين في سوريا.
2- إعداد الإطار القانوني والأخلاقي لعمل الهيئة.
3- اختيار الكوادر.
4- اعتماد الهيكلية النهائية والنظام الداخلي النهائي.
5- تحديد الاستراتيجيات النهائية.
6- إعداد التقرير الأول عن عمل “الهيئة” وعرضه على الجمهور.
جرت المرحلة الأولى على مدار ثلاثة أيام في يوليو/تموز الماضي، عبر تخصيص يومين للعائلات كمساحة آمنة لطرح احتياجاتهم ومقترحاتهم، ويوم لمؤسسات المجتمع المدني، للوصول إلى ورقة عمل تحدد كيفية مساهمتهم في “الهيئة”.
وعقدت “الهيئة” مشاورات دولية في جنيف مع جهات عدة، وخرجت بمبادئ أساسية تحكم العلاقة معها، مع التأكيد على أن مسار المفقودين يجب أن يُحدد ويُقاد من قبل السوريين أنفسهم، مع استعداد الهيئة للتعاون وفق ما يحدده السوريون، بحسب ما قاله جلخي.
وتعمل “الهيئة الوطنية” ضمن المرحلة الثانية والثالثة، حيث يجري العمل على إطلاق ورشات عمل بالتعاون مع نقابة المحامين، والمؤسسات الحقوقية السورية، وخبراء دوليين، لوضع الإطار القانوني لعمل “الهيئة”، كما يتم توقيع بروتوكولات تعاون مع المؤسسات والآليات الدولية بهدف دعم القدرات، وخاصة في مجالات التوثيق القانوني، والطب الشرعي، إضافة إلى دعم البنية التحتية.
ويشير جلخي إلى أن كل هذه الاتفاقيات جرت تحت سقف سيادة الدولة السورية، ووفق الأعراف الدولية، وفي إطار مسار تحدده وتقوده “الهيئة الوطنية للمفقودين”.
كشف مصير المفقودين ركيزة العدالة الانتقالية
تمر سوريا بمرحلة انتقالية حساسة وهشة بعد سقوط الأسد، فالبلد منهك وممزق ومدمر، يحمل إرثًا وعبئًا ثقيلًا تمتد جذوره لـ53 عامًا من سيطرة آل الأسد، في وقت تتزايد فيه المطالب بتحقيق العدالة وكشف الحقيقة في ملف المختفين، رغم خطوات الحكومة في تشكيل لجان وهيئات مرتبطة بمسارات العدالة والسلم الأهلي.
وفي مقابلات أجرتها منظمة العفو الدولية، طالبت عائلات المفقودين والناجين من الاعتقال بالحقيقة، والعدالة القائمة على ضرورة محاسبة الجناة من جميع الأطراف، والتعويضات، سواء أكان دعمًا ماليًا أو على شكل برامج تعليم ورعاية صحية، وضمانات عدم تكرار حوادث الاختفاء في سوريا مطلقًا، سواء على أيدي الحكومة الجديدة أو أي جهة أخرى.
الباحث الحقوقي في مركز “الحوار السوري”، نورس العبد الله، يرى أن قضية المفقودين والمختفين قسرًا والكشف عن مصيرهم في سوريا ترتبط ارتباطًا عضويًا بالعدالة الانتقالية، ويمكن اعتبارها في السياق السوري من أبرز متطلبات تحقيق العدالة الانتقالية، ومعالجة إرث الانتهاكات، والسماح بإغلاق جرح نازف يهز ضمير المجتمع السوري، ويترك مأساة مستمرة في ذاكرة مئات الآلاف من الأسر.
ويقول الباحث لـ”نون بوست” إن الكشف عن مصير المفقودين يوازي أو يفوق أهمية، حتى على قضية المحاسبة والمساءلة الجنائية، لأنه يرتبط بالأساس الجوهري للعدالة الانتقالية في أي مجتمع، وهو كشف الحقيقة كاملة، والحقيقة أساس للعدالة إن كانت العدالة أساس السلام الحقيقي، معتبرًا أن كشف مصير المختفين قسرًا يعني منظومة متكاملة من المعرفة، وليس فقط التحقق من الوفاة وتاريخها.
ويضيف أن كشف مصير المفقودين مرتبط بشكل أساسي بحصول مصالحة حقيقية في سوريا، ذلك أن كشف المصير، وحق إعادة الدفن والتكريم، وتعويض ذوي الضحايا، يشعر المجتمع السوري عمومًا بوجود شفاء للذاكرة وراحة من معاناة ضغط ذاكرة الألم، وبالتالي يؤسس لإمكانية فتح صفحة جديدة وتفاعل أفراد المجتمع ومكوناته على أساس بناء دولة جديدة تسودها قيم إيجابية تضمن عدم تكرار ما حصل.
وتعرّف الأمم المتحدة العدالة الانتقالية بأنها نظام وإجراءات تهدف لبذل كل ما يلزم في المجتمعات التي تحاول إعادة بناء نفسها من جديد، والانتقال من تاريخ عنيف يتسم بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ارتكبت في سياق ممارسة القمع أو في سياق نزاع مسلح أو غير ذلك، والاعتراف بالانتهاكات ومنع تكرارها، وتلبية مطالب العدالة، واستعادة نسيج المجتمعات المحلية الاجتماعي، وبناء سلام مستدام.
وتهدف العدالة الانتقالية إلى الاعتراف بضحايا تجاوزات الماضي على أنهم أصحاب حقوق، وتعزيز الثقة بين الأفراد في المجتمع الواحد، وثقة الأفراد في مؤسسات الدولة، وتدعيم احترام حقوق الإنسان، وتعزيز سيادة القانون. وبالتالي، تسعى العدالة الانتقالية إلى المساهمة في المصالحة ومنع الانتهاكات الجديدة، وتضع على عاتق الدول الالتزام بتوفير سبل انتصاف فعالة لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، وتلبية حقوقهم في الحقيقة والعدالة والجبر.
تعقيدات ملف الاختفاء القسري في سوريا
يمثل الوصول إلى مئات آلاف الوثائق، واكتشاف عشرات المقابر الجماعية في سوريا، بداية مسار طويل وشاق ومعقد لكشف مصير المختفين قسرًا، إذ إن تحديد أماكن الضحايا وهوياتهم يواجه تحديات كبيرة، خصوصًا في بلد اعتمد فيه نظام بشار الأسد، منذ عام 2011، سياسة ممنهجة للاختفاء القسري كأداة لترهيب المجتمع ومعاقبته جماعيًا.
وفي مرحلة ما بعد الصراع، تواجه سوريا تحديات مركبة، من بينها الارتفاع الكبير في عدد المختفين، وقواعد البيانات المحدودة، إلى جانب النقص في الموارد والخبرات، خاصة في مجالات الطب الشرعي والتقنيات اللازمة للتعرف على الرفات. كما تُقدّر منظمات وجود نحو 130 مقبرة جماعية مشتبه بها داخل البلاد، ما يجعل مهمة الكشف عن المصير أكثر تعقيدًا.
وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر في سوريا أن البحث عن المفقودين ليس مهمة تقع على عاتق جهة واحدة فحسب، بل يتطلب تعاونًا مستمرًا بين عائلات المفقودين وجمعياتهم، والسلطات، والمنظمات الدولية، والجهات المانحة، والمجتمع المدني.
وفي يناير/كانون الثاني الماضي، أكد رئيس محققي الأمم المتحدة بشأن سوريا، روبيرت بيتي، أنه بعد تحقيقات أُجريت عن بُعد منذ 2016 حتى الآن، “تم توثيق مئات مراكز الاعتقال (…) كل مركز أمن، كل قاعدة عسكرية، كل سجن كان له مكان احتجاز أو مقبرة جماعية خاصة به”، قائلًا إن الأمر سيستغرق وقتًا طويلًا “قبل أن نعرف الحجم الكامل للجرائم المرتكبة”.
وضمن سياق الصعوبات، تواجه “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” تحديات جوهرية في عملية التوثيق، بسبب الطبيعة السرية لجريمة الاختفاء القسري، التي تتعمد الجهات المرتكبة لها إخفاء الأدلة وإنكار الاحتجاز، مما يصعّب الوصول إلى معلومات دقيقة أو التحقق منها.
ويؤكد تقرير حديث عن “الشبكة السورية”، حصل “نون بوست” على نسخة منه، أن سقوط نظام الأسد، وما تبعه من فتح السجون، أتاح الكشف عن أعداد كبيرة من الحالات الجديدة لضحايا الاختفاء القسري، سواء من خلال شهادات ناجين خرجوا مؤخرًا، أو عبر الوصول إلى مواقع ومراكز احتجاز كانت مغلقة أمام المنظمات الحقوقية طوال السنوات الماضية. ونتيجة لهذا التحول، ارتفع الضغط على فرق التوثيق، وتضاعف حجم العمل الميداني والتحليلي، حيث تواصل الشبكة حتى الآن معالجة آلاف الحالات التي كُشف عنها مؤخرًا.
ويقول الباحث الحقوقي في مركز “الحوار السوري”، نورس العبد الله، إن العقبات التي تواجه كشف مصير المفقودين في سوريا توازي بطبيعتها حجم ارتكاب هذه الجريمة التي ارتكبت بشكل ممنهج، وهذا يشكل التحدي الرئيسي، مضيفًا أن الأرقام الحقيقية للمختفين قسرًا ما تزال غير معروفة، ولن تصبح كذلك إلا بعد انطلاق عمليات التوثيق الرسمية في سوريا بشكل شامل، مع ضرورة كسب ثقة ذوي الضحايا بالعملية وتنفيذها بطريقة منهجية صحيحة.
ويرى العبد الله في حديثه لـ”نون بوست” أنه رغم وجود المقابر الجماعية المكتشفة، وانتشال بعض الوثائق الرسمية، ووجود الكثير من الجناة في الأفرع الأمنية ممن يمتلكون معلومات حاسمة في الملف حال التحقيق معهم، فإن عمليات تحديد هوية المفقودين عبر الحمض النووي عملية طويلة ومكلفة ومرهقة، وتمتد لسنوات طويلة، وتحتاج موارد فنية وتقنية ومادية كبيرة، وهو ما يشكل تحديًا كبيرًا أيضًا.
نماذج في كشف مصير المختفين قسرًا
في تجارب عدة حول العالم، شكلت قضية المفقودين والاختفاء القسري جزءًا محوريًا من مسارات العدالة الانتقالية، لا سيما في الدول التي شهدت أنظمة استبدادية أو نزاعات داخلية انتهت بتحولات سياسية. ولعل أبرز هذه النماذج تجارب الأرجنتين والمغرب وتشيلي، التي سعت بدرجات متفاوتة إلى كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وجبر ضرر الضحايا.
في الأرجنتين، وبعد ما يُعرف بسقوط الديكتاتورية عام 1983، أي انتهاء الحكم العسكري الذي استمر لسبع سنوات (بين 1976 و1983)، وارتكبت خلاله انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، بدأت مرحلة جديدة من الحكم المدني، وشكل حينها الرئيس المنتخب راؤول ألفونسين “اللجنة الوطنية لاختفاء الأشخاص” (CONADEP)، للتحقيق في حالات الاختفاء القسري التي استهدفت معارضي النظام. اختطفت قوات الأمن حوالي 30 ألف شخص، وكثير منهم لا يزالون مجهولي المصير.
وأصدرت اللجنة تقريرها الشهير بعنوان “Nunca Más” (لن يتكرر أبدًا) عام 1984، ووثقت أكثر من 8000 حالة اختفاء، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أن العدد الحقيقي قد يصل إلى 30 ألفًا. في حين شكّل هذا التقرير نقطة انطلاق لمحاكمات تاريخية ضد قادة النظام السابق، وأصبح أحد أسس المحاكمات على الجرائم ضد الإنسانية. كما دعمت الدولة لاحقًا جهودًا لتحديد هوية الرفات عبر البصمة الوراثية، وأُنشئت قواعد بيانات خاصة لهذا الغرض.
وفي المغرب، أُنشئت “هيئة الإنصاف والمصالحة” (IER) عام 2004، لمعالجة إرث عقود من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي عرفها المغرب من 1956 إلى 1999، خلال ما يُعرف بـ”سنوات الرصاص”. واستطاعت الكشف عن حقيقة حالات الإخفاء القسري والاعتقال السياسي، وتعويض الضحايا، وإصدار توصيات لتفادي تكرار الانتهاكات.
ومع ذلك، واجهت “هيئة الإنصاف” عدة انتقادات، منها اقتصار عملها على عملية تعويض الضحايا وإجراءات موازية، دون تحريك الدعاوى القضائية ضد الجلادين ومرتكبي الانتهاكات، والعجز عن كشف مصير شخصيات بارزة تتصدر قائمة المختفين.