يواصل قطاع غزة النزيف تحت وطأة حرب الإبادة التي تدخل عامها الثاني دون توقف، حرب مارس فيها الاحتلال كل أشكال القتل والتدمير، وارتكب خلالها انتهاكات جسيمة للقانون الدولي وأبسط الحقوق الإنسانية.
في غزة، لا ينفك الألم يلاحق السكان في كل زاوية وكل لحظة؛ حيث أصبح الفقدان هو العنوان الأبرز، من فقدان الأحبة، وفقدان المأوى، والأمن الشخصي، بل وفقدان مقومات الحياة الطبيعية بأكملها.
في هذا السياق المأساوي، يحل “اليوم العالمي للاختفاء القسري” في 30 أغسطس/آب للعام الثاني على التوالي ثقيلًا على غزة، إذ يظل ملف المفقودين قسريًا أحد أكثر الملفات إيلامًا وإهمالًا في آن واحد، حيث تعيش آلاف العائلات الغزية بين نارين: مرارة الفقد المجهول، وانتظار بارقة أمل قد لا تأتي، في ظل غياب أي جهد دولي جاد لمعالجة هذا الجرح المفتوح.
فالاختفاء القسري يُشكّل انتهاكًا مزدوجًا، إذ يسلب الضحية حقها في الحرية والأمان على شخصها، ويزرع في قلب عائلتها عذابًا مستمرًا لا يقل وحشية، وهو ما يرقى إلى معاملة لا إنسانية محرمة بموجب القانون الدولي. كما أن حالات الفقدان والإخفاء القسري خلال النزاعات المسلحة، مثل الحرب الجارية على غزة، تمثل خرقًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، الذي أولى عناية خاصة لحماية المدنيين وضمان حق العائلات في معرفة مصير أحبائها.
ينظر القانون الدولي إلى الاختفاء القسري باعتباره جريمة ضد الإنسانية، وانتهاكًا خطيرًا لحقوق الإنسان. وتنص الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري (2006) على واجب الدول في منع هذه الجريمة، وتجريمها، والتحقيق فيها، فضلًا عن توفير العدالة والتعويض للضحايا وذويهم، مؤكدة أنه لا يجوز التذرع بأي ظرف استثنائي لتبريرها. ومع ذلك، لم تُترجم هذه النصوص إلى إجراءات ملموسة لمحاسبة الاحتلال على جرائمه في غزة.
عدّاد لا يتوقف
رغم أن جريمة الاختفاء القسري في قطاع غزة موثقة وواضحة، فإن مهمة حصر هذه الحالات تبقى شاقة بقدر مشقة الكشف عن مصير أصحابها. فالتقارير المختلفة تكشف عن فجوات كبيرة في تقدير أعداد المفقودين والمختفين قسرًا، في ظل تعقيدات الحرب المستمرة.
تشير أحدث تقديرات الأمم المتحدة إلى أن عدد المفقودين يتراوح بين 8 آلاف و11 ألف حالة، معظمهم من النساء والأطفال، وهو رقم يؤكده المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، بينما يحسم الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني العدد عند 11,200 شخص موثق.
أما المرصد الأوروبي لحقوق الإنسان، فتشير تقديراته إلى أكثر من 13 ألفًا تحت أنقاض المنازل أو في مقابر جماعية، في حين أشارت منظمة “أنقذوا الأطفال” إلى أن ما بين 17 و21 ألف طفل ما زالوا في عداد المفقودين.
ويكشف غازي المجدلاوي، الباحث الرئيسي في المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا، لـ”نون بوست”، أن المركز تلقى منذ بداية الحرب ما يقارب 5000 بلاغ، مع تقديرات بأن العدد الفعلي قد يتجاوز 10 آلاف حالة.
ويرجع هذا التباين إلى ضعف آليات التبليغ وصعوبة وصول العائلات إليها، إلى جانب استمرار العدوان الإسرائيلي واتساع الفصل الجغرافي، ما يجعل كثيرًا من الأسر عاجزة عن تتبع مصير أبنائها، سواء كانوا شهداء تحت الأنقاض أو معتقلين لدى الاحتلال.
في هذا السياق، يؤكد نادي الأسير أن سلطات الاحتلال تواصل استخدام جريمة الاختفاء القسري بحق معتقلي غزة، وهي جريمة ضد الإنسانية بموجب الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري. كما يشير النادي إلى التحديات الهائلة التي تواجه المؤسسات المختصة في الحصول على بيانات دقيقة وواضحة عن المعتقلين والشهداء بعد مرور قرابة عامين من الحرب.
عرض هذا المنشور على Instagram
وتسعى المراكز المختصة بتوثيق المفقودين إلى تجنب إدراج الحالات المؤكد وجودها تحت الأنقاض ضمن قوائم المفقودين، باعتبار مصيرهم محسومًا، بينما لا تُدرجهم وزارة الصحة ضمن قوائم الشهداء لعدم وجود جثمان يمكن توثيقه رسميًا.
وينتج هذا التباين في التصنيف فجوة جديدة في الأرقام وآليات التوثيق، يعمقها توقف عمليات الانتشال بفعل استهداف الاحتلال المتعمد لمركبات الإنقاذ الثقيلة، وفق ما وثقه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.
كما يوضح تقرير صادر عن الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان أن النزوح القسري الجماعي، ودفن أعداد كبيرة في مقابر جماعية دون توثيق، إضافة إلى وجود آلاف الضحايا تحت الأنقاض، ساهمت جميعها في تفاقم ظاهرة المفقودين.
وغالبًا ما يُعاد التعرف على بعض الجثامين المنتشلة لاحقًا من المناطق التي انسحب منها الاحتلال عبر المقتنيات الشخصية أو الملابس، في ظل منع الاحتلال إدخال الفحوصات اللازمة لإجراء اختبارات الحمض النووي (DNA) التي تتيح تحديد الهوية بشكل دقيق.
في هذا الإطار، يلفت الأستاذ علاء السكافي، مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان، في حواره مع “نون بوست”، إلى ضرورة التمييز بين مصطلحي “المفقود” و”المختفي قسرًا”. فبحسب الإعلان الأممي لعام 1992، يُعرّف “المختفي قسرًا” بأنه كل شخص يتم القبض عليه أو احتجازه أو اختطافه قسرًا على أيدي السلطات أو من يعمل باسمها، بينما يُطلق مصطلح “المفقود” على كل من يظل مجهول المصير، دون معرفة ما إذا كان معتقلًا أو متوفى أو مختفيًا قسرًا.
جريمة مع سبق الإصرار
يفرض القانون الدولي على الأطراف في النزاعات المسلحة وسلطات الدول واجب البحث عن الأشخاص المفقودين وتحديد مصيرهم وأماكن وجودهم، وإبلاغ ذويهم بأي معلومات متاحة عنهم. وهو التزام راسخ في القانون الدولي الإنساني لحماية المدنيين والمقاتلين، كما هو منصوص عليه بوضوح في الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.
غير أن الاحتلال الإسرائيلي يتعمد الالتفاف على هذه الالتزامات، منتهجًا سياسة “التجهيل والمماطلة” كجزء من جريمته الممنهجة في الإخفاء القسري لآلاف الفلسطينيين في غزة، إذ يماطل بشكل متعمد في التعامل مع الطلبات القانونية التي ترفعها المؤسسات الحقوقية أمام المحاكم الإسرائيلية للكشف عن مصير المفقودين، لتتحول هذه المحاكم إلى أداة تكميلية للجريمة بدلًا من أن تكون وسيلة لإنصاف الضحايا.
ويؤكد علاء السكافي، مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان في غزة، لـ”نون بوست”، أن الاحتلال يمارس الإخفاء القسري بشكل مباشر، إذ يمنع أي معلومات عن أماكن اعتقال الفلسطينيين، أو السماح بزيارتهم أو التواصل مع محاميهم، مستندًا إلى تعديلات أجراها على قانون “المقاتل غير الشرعي”. وقد منحت هذه التعديلات قادة الجيش والرتب العسكرية صلاحيات واسعة لاحتجاز المعتقلين دون الإفصاح عن أماكن وجودهم أو الاعتراف بهم رسميًا، خاصة بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
ويضيف السكافي أن الاحتلال يرفض الكشف عن مصير العديد من المعتقلين والأسرى مجهولي الهوية، لا سيما من اعتُقلوا في الأيام الأولى للحرب أو خلال أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول، من المدنيين والمقاومين الذين تواجدوا قرب السياج الفاصل. بعضهم، وفق شهادات متقاطعة، تعرض للتصفية الميدانية والإعدام، بينما نُقلت جثامين آخرين إلى أماكن مجهولة، حيث وُضعت داخل “كرفانات” و”كونتينرات”، ثم دُفنت في مناطق قريبة من مدينة بئر السبع.
ويشير نادي الأسير إلى أن التعديلات الأخيرة على قانون “المقاتل غير الشرعي” أسست فعليًا لتقنين جريمة الإخفاء القسري، ورسخت سياسة التعتيم على أعداد معتقلي غزة ومصائرهم. وعلى الرغم من الالتماسات المتكررة التي تقدمت بها مؤسسات حقوقية إلى المحكمة العليا الإسرائيلية، فإن الأخيرة أثبتت دورها كذراع قضائية للاحتلال في تثبيت الجرائم بدلًا من مساءلتها.
وبحسب تقرير الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، اعتمد الاحتلال سياسة ممنهجة للإخفاء القسري من خلال الاعتقالات الجماعية، واحتجاز الفلسطينيين في مواقع سرية غير معلن عنها، غالبًا دون تهم أو إجراءات قضائية، ومع حرمانهم من زيارة المحامين أو المؤسسات الحقوقية. وقد وفّر الاحتلال تكييفات قانونية ظاهرية لتبرير هذه السياسة، ما أدى عمليًا إلى حرمان آلاف المعتقلين من أي شكل من أشكال الحماية القانونية.
مصائد المساعدات أيضًا!
منذ بداية الحرب، وثقت المؤسسات الحقوقية سياقات متعددة أدت إلى تسجيل أعداد كبيرة من حالات الفقدان والاختفاء القسري في قطاع غزة، ويوضح المركز الفلسطيني للمفقودين والمختفيين قسرًا، لـ”نون بوست”، أن معظم هذه الحالات سُجلت في المناطق التي شهدت اجتياحات برية، أو على ما يسمى “الممرات الآمنة” أثناء نزوح المواطنين أو خلال محاولتهم العودة إلى منازلهم.
ومن جانبه، يضيف مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان أن النسبة الأكبر من حالات الاختفاء جرى تسجيلها خلال الاقتحامات العسكرية للمدن المكتظة بالسكان ومراكز الإيواء والمستشفيات، مثل مستشفى الشفاء، ومستشفى كمال عدوان، ومستشفى ناصر، إضافة إلى مناطق رفح وخان يونس.
ويكمل في حديثه لـ”نون بوست”، أنه قد برزت حالات كثيرة عند ما يسمى بـ”حاجز نتساريم” على شارعي صلاح الدين والرشيد، بعد تقسيم القطاع إلى شمال وجنوب، فضلًا عن حالات فقدان سُجلت عند عودة المواطنين إلى المناطق التي أعلن الاحتلال الانسحاب منها، مثل شرق غزة وخان يونس وشمال القطاع.
عشرات الأسرى والفلسطينيين داخل “خزنة” إسمنتية مغلقة تحت الأرض في سجن #الرملة الإسرائيلي، في عزلة تامة ولا يصلهم ضوء الشمس.. إليك التفاصيل#غزة pic.twitter.com/5iuonyedHG
— نون بوست (@NoonPost) July 22, 2025
لكن الأخطر، كما تكشف المؤسسات الحقوقية مؤخرًا، هو ظهور نمط جديد من حالات الفقدان قرب مراكز توزيع المساعدات الأمريكية. إذ يؤكد المجدلاوي أن عشرات الفلسطينيين فُقدوا عند هذه النقاط، ليتبين لاحقًا أن بعضهم استشهدوا، حيث عُثر على جثامينهم بعد السماح لفرق الإنقاذ بالوصول، بينما اعتُقل آخرون وأُفرج عنهم لاحقًا، في حين لا يزال مصير أعداد كبيرة مجهولًا وسط مخاوف عائلاتهم.
وتوثق مؤسسة الضمير بدورها هذا النمط، مشيرة إلى تسجيل أعداد كبيرة من المفقودين في محاور دخول المساعدات الإنسانية مثل زيكيم ونتساريم وموراج، أو في مناطق توزيع المساعدات التي تديرها ما تسمى “مؤسسة غزة الإنسانية” الأمريكية. وغالبًا ما تقع هذه النقاط في مناطق عسكرية مصنفة “حمراء” من قبل جيش الاحتلال، وهو ما يحولها إلى مصائد موت بدلًا من أن تكون ملاذًا إنسانيًا.
وفي هذا السياق، أعرب خبراء حقوق إنسان تابعون للأمم المتحدة عن قلق بالغ إزاء تقارير عن اختفاء قسري لفلسطينيين جوعى أثناء محاولتهم الحصول على المساعدات. وذكر الخبراء أنهم تلقوا بلاغات حول اختفاء عدد من الأفراد، بينهم طفل، بعد توجههم إلى مواقع توزيع المساعدات في رفح.
وأكد الخبراء، وبينهم أعضاء الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري، والمقررة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي، والمقرر الخاص المعني بالحق في الغذاء مايكل فخري، أن الجيش الإسرائيلي متورط بشكل مباشر في هذه الحالات، وطالبوا بوقف هذه “الجريمة البشعة” فورًا.
استجابة دولية محدودة
يُفترض أن يشكل البحث عن المفقودين وكشف مصيرهم جزءًا جوهريًا من التزامات المؤسسات الدولية، وعلى رأسها اللجنة الدولية للصليب الأحمر ووكالتها المركزية للبحث عن المفقودين، التي أُنشئت لتعمل كوسيط محايد يجمع المعلومات ويوفرها للعائلات، ويساعد في تتبع المفقودين، وتوثيق مساراتهم، وتقديم الدعم النفسي والتقني للأسر، إضافة إلى المساهمة في وضع آليات تمنع تكرار هذه الجريمة، والتعامل مع الجثث بكرامة.
غير أن هذه الالتزامات تتلاشى أمام واقع غزة. فالمؤسسات الدولية، بما فيها الصليب الأحمر، تتقاعس عن تقديم استجابة حقيقية تتناسب مع حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها القطاع، بما في ذلك ملف المفقودين والمختفين قسريًا. ورغم أن القانون الدولي يكفل لذويهم الحق في معرفة مصير أحبائهم، ويُجرّم أي محاولة متعمدة لإخفائهم، إلا أن هذا الحق ظل معلقًا في حالة الفلسطينيين.
ويؤكد المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا، لـ”نون بوست”، أن محاولاته للتواصل مع جهات دولية عديدة، من بينها الصليب الأحمر واللجنة الدولية للمفقودين، لم تلقَ أي استجابة فعلية. بل جاءت بعض التبريرات صادمة؛ حيث صرحت كاثرين بومبرغ أن مؤسستها لا تملك التمويل الكافي للعمل على هذا الملف.
ولا يبدو هذا القصور الدولي عرضيًا، بل يُضاف إلى سجل التواطؤ والمعايير المزدوجة في التعامل مع حرب الإبادة ضد غزة، حيث يُحرَم الفلسطينيون من أبسط الحقوق التي كفلتها المواثيق الدولية للبشرية جمعاء، وفي مقدمتها الحماية من خطر الإبادة الجماعية، وهو خطر موثق بالأدلة ولا يحتاج إلى برهان إضافي.