لا يختلف اثنان على أن فقدان الأحباب أو الأهل دون معرفة مصيرهم، سواء كانوا أحياءً أم أمواتًا، يُعد من أقسى الآلام التي يمكن أن يعيشها إنسان. هذه المعاناة تكبدتها مئات الآلاف من العائلات العراقية، التي عاشت تحت وطأة الألم المستمر لاختفاء أبنائهم القسري.
هذا الألم الذي يسببه الاختفاء القسري يفوق كلَّ ألم، وهو السبب في جعل شعوب العالم تتوافق على اعتبار الاختطاف القسري جريمة بحق الإنسانية، وسنَّت له القوانين الدولية التي تجرّم مرتكبيه، ووضعت له التعريفات التي يمكن من خلالها توجيه الاتهام لمرتكب هذه الجريمة.
“ما بعرف إذا أبي موجود أو لا”.. شهادات ذوي المختفين قسراً تكشف قسوة الغياب وما يسببه من معاناة ويأس. pic.twitter.com/fEbKLeYo3X
— نون بوست (@NoonPost) August 30, 2025
هذا النوع من الاختفاء يتم من خلال احتجاز الأفراد في أماكن سرية أو غير معترف بها، وغالبًا ما يكون الهدف منه هو منع الأفراد من التعبير عن آرائهم السياسية أو المعارضة، أو إرهابهم لتحقيق أهداف معينة، أو تصفيتهم وإخفاء جثثهم حتى لا يعترضوا طريق أولئك المجرمين.
ووفق تعريفات منظمات الأمم المتحدة وباقي المنظمات الحقوقية الدولية، فالاختفاء القسري هو إلقاء عملية قبض أو احتجاز لشخص ضد إرادته، وبشكل غير قانوني، على يد سلطات الدولة التي يعيش فيها، أو على يد جماعات مسلحة خارجة عن القانون تتلقى دعمًا من النظام الذي يحكم الدولة، أو من دول خارجية لها مصلحة باستمرار الوضع المضطرب في ذلك البلد.
ووفق هذا التعريف، فإن كل الأسباب المؤدية لاستفحال ظاهرة الاختطاف القسري قد وجدت طريقها إلى العراق في فترة ما بعد الغزو الأمريكي للبلد عام 2003، فقد توفرت الظروف المناسبة لهذا الجو الإرهابي، فالجو السياسي الذي أُنشئ كان له دور حاسم في استفحال الظاهرة. وهذا بالضبط ما كانت تريده الأحزاب التي استولت على السلطة في العراق بعد عام 2003.
تشير تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية إلى أن العراق يُعد من بين الدول التي تواجه أعلى معدلات اختطاف على مستوى العالم، ويعزو الخبراء أسباب ذلك إلى الصراع السياسي، والنزاعات المسلحة، والتواجد العسكري لمجموعات مسلحة، إضافة إلى ضعف سيطرة الدولة على بعض المناطق.
لقد قامت القوى المسيطرة على العراق بعد الغزو الأمريكي، باستعمال أسلوب الاختفاء القسري لإنشاء حالة من الخوف الجماعي في المجتمع العراقي، تمكنت من خلالها، باستعمال أدواتها مثل الجماعات المسلحة التي انتشرت بشكل مكثف في تلك الفترة، من تمرير أجنداتها وإحكام قبضتها على السلطة. حينها وجد الفرد العراقي نفسه، أنه من الأسلم له عدم التدخل في الشأن العام. وشيئًا فشيئًا، تحول الإنسان العراقي من إنسان يشارك في بناء وطنه، إلى حالة من التغييب الفكري والوجداني، بل وحتى وجوده الفيزيائي، ليس له همٌّ سوى الحفاظ على حياته خشية من الأخطار المحدقة به.
بالرغم من هذا، حاولت الحكومات العراقية أن تُلقي عن كاهلها الاتهامات التي وجهها لها الحقوقيون، واتهامها بالتواطؤ مع منفذي عمليات الاختطاف القسري، وحاولت تشريع قانون لمكافحة الاختفاء القسري، إلا أنها فشلت طوال سنين في تشريع هذا القانون. كان آخرها في السابع من أغسطس/آب 2023، حينما أقرَّت حكومة السوداني مشروعًا لقانون مكافحة الاختفاء القسري وأحالته إلى البرلمان للتصويت.
الاختفاء القسري في فترة ما بين 2003 و2014
لم تُعتبر حالات الاختفاء القسري قبل غزو العراق عام 2003 ظاهرة كبيرة ومنتشرة على مستوى العراق، رغم أن هذا لا يعني أنها كانت غير موجودة. وبالرغم من غياب إحصاءات رسمية توثق أعداد المختفين قسرًا من العراقيين، إلا أنّ هناك العديد من التقارير الصحفية التي تحدثت عن نماذج من حالات الاختفاء القسري التي شهدها العراق.
مثلًا، في محافظة نينوى وحدها، اختفى ما يزيد على 8 آلاف مواطن منذ عام 2014، وفي قضاء الدور بمحافظة صلاح الدين، بلغ عدد المختفين قسرًا أكثر من 15 ألفًا، وفي محافظة الأنبار، هناك أكثر من 3 آلاف مغيّب من منطقتي الصقلاوية والرزازة، أما في محافظة ديالى، فيُقدَّر عددهم بما يزيد عن 2000 مواطن.
اليوم هو اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري
في العراق لدينا عشرات آلاف العراقيين السنة اختطفتهم المليشيات بين عامي 2014 و2017، ولا يُعلم مصيرهم حتى الآن.
الضحايا تم اختطافهم من داخل نقاط تفتيش وحواجز للمليشيات خلال فرار المدنيين من المعارك وهناك عشرات مقاطع الفيديو المصورة… pic.twitter.com/bCUTEJH8oO
— عثمان المختار (@othmanmhmmadr) August 30, 2025
ومن هذه الأرقام والأماكن التي تمت فيها عمليات الاختفاء القسري، يتبيّن لنا حجم الكارثة التي عانى منها المجتمع العراقي في فترة ما بعد الاحتلال، مع ملاحظة أن جميع حالات الاختفاء القسري كانت تتم في مناطق ذات أغلبية سنية، مما يعزز القناعة بأن إحدى أهم دوافع هذه العمليات، هي دوافع طائفية، ولها ارتباط بإيران، التي غالبًا ما تستخدم هذا النمط من العمليات لفرض نفوذها على الدول التي تنوي ضمها إلى محورها.
بيوت خلت من رجالها منذ أكثر من 7 أعوام ولا يُعرف مصيرهم حتى اليوم.. الناطق الإعلامي
@hudly76
لمرصد @Afada_iraq
يكشف لـ #نون_بوست تورط #الحشد_الشعبي وفصائل موالية لإيران بإخفاء مئات العراقيين في #الصقلاوية#اليوم_الدولي_لضحايا_الاختفاء_القسري pic.twitter.com/LR3iMaZrVb
— نون بوست (@NoonPost) August 30, 2022
مع سقوط النظام السابق، وإصرار الاحتلال على حل مؤسسات الدولة، لا سيما الأمنية منها، وجد المجتمع العراقي نفسه أمام حالة انفلات أمني منقطع النظير. فانتشرت عمليات السرقة لمؤسسات الدولة والمؤسسات الخاصة، ووقعت أسلحة الجيش العراقي السابق بأيدي الجميع، وتشكلت العصابات التي كانت تعمد إلى خطف المواطنين وطلب الفدية لإطلاق سراحهم. أما المواطن الذي يريد أن يأخذ حقه أو يحمي نفسه، فلا فرصة لديه للاحتماء بسلطات البلد الأمنية، لأنها ببساطة غير موجودة، أو منحازة لمنفذي تلك الاعتداءات.
لكن الأخطر من ذلك كله، هو دخول ميليشيات ومجاميع مسلحة، منظمة ومؤدلجة، تتلقى الدعم من دول الجوار أو غير دول الجوار، لها أهداف بعيدة، تتمكن من خلالها تطويع العراقيين على التغيير الهائل الذي تنشده.
بدأ الأمر في مجاميع “فرق الموت” التي انتشرت في العراق عام 2005 وما تلاها، واستهدفت بالقتل والاختطاف القسري نُخب المجتمع العراقي، من علماء ومهندسين وطيارين سابقين وأساتذة جامعات. كانت هذه العمليات تتم على أيدي ميليشيات بلباس حكومي، كان في مقدمتها ميليشيا منظمة بدر. استفادت تلك الميليشيات من قرار الحاكم المدني الأمريكي بول برايمر، حينما أمر بضم جميع الميليشيات القادمة من إيران إلى القوات المسلحة العراقية الناشئة. كانت دوافع عمليات القتل والاختفاء القسري تلك الفترة تتوافق مع ما تريده إيران و”إسرائيل” في الوقت نفسه، فقد كانتا تخططان لإفراغ العراق من هذه النخب العراقية، حتى لا يعود العراق قويًا ويشكل خطرًا عليهما.
مع انقضاء عام 2005 وبداية الاحتراب الأهلي الذي اندلع بعد تفجير المرقدين الشيعيين في سامراء بأيدي موالين لإيران، وجدت الجماعات المسلحة الشيعية أن الفرصة مناسبة لتوسيع عمليات القتل والاختطاف القسري. وكان لميليشيا جيش المهدي التابعة للتيار الصدري الدور الأساس في تنفيذ تلك العمليات. فقد شهد العراق في تلك الفترة اختطاف الآلاف من العرب السنَّة، وساهمت أيضًا ميليشيا منظمة بدر في تلك العمليات، لكن دورها كان نوعيًا في استهداف رموز العراق العلمية والثقافية، لا سيما وأن الميليشيا الأخيرة كان لها حضور قوي في وزارة الداخلية التي تم تشكيلها بعد الاحتلال.
بالمقابل، حاولت إيران في تلك الفترة دعم جماعات مسلحة تدّعي أنها تدافع عن السنَّة، بغرض إدامة الصراع بين السنَّة والشيعة. فقد قامت تلك الميليشيات السنِّية بنفس أفعال الميليشيات الشيعية، من قتل واختفاء قسري، وظهر تنظيم القاعدة في العراق كأبرز ميليشيا إجرامية من الطرف السنِّي، فلم يكونوا يستهدفون الشيعة فقط بعملياتهم الإجرامية، إنما شملت المواطنين السنَّة أيضًا. وهناك عشرات الأدلة التي تدعم فرضية دعم النظام الإيراني لتنظيم القاعدة في العراق، ومن بعدها تنظيم داعش.
الاختفاء القسري بين عامي 2014 و2017
استكمالًا لمسلسل تهديم العراق وجعله ساحة مواجهات بين مختلف الجماعات المسلحة الخارجة عن القانون، شهد عام 2014 تغييرًا عسكريًا نوعيًا تمثّل بسيطرة تنظيم الدولة على أجزاء واسعة من أراضي العراق، بالذات في المناطق ذات الأغلبية السنِّيَّة، حيث انهزمت القوات الحكومية أمام تلك العصابة الإجرامية، تاركة المواطنين هناك تحت رحمة هذا التنظيم الدموي، دون أن تشعر تلك القوات الحكومية بالمسؤولية عن مواطنيها في تلك المناطق.
الأمر الذي يُلقي بظلال كثيفة من الشك حول أن هذه العملية برمتها ربما تكون متفقًا عليها إيرانيًا وحكوميًا لتحطيم الحواضر السنِّيَّة البارزة والأكثر كثافة بالسكان. هذا التغيير العسكري أطلق يد تنظيم الدولة في استهداف أهالي المناطق التي سيطر عليها بالقتل والاختفاء القسري لتطويع أهلها وتوريطهم بمسألة تأييد هذا التنظيم، والتي تم استغلالها لاحقًا من قبل القوات الحكومية وقوات الحشد الشعبي للانتقام من أهالي تلك المناطق.
تقرير @AJArabic عام 2014
والذي قد يكون حينها أهم حدث في ذلك العام والذي غير وجه المنطقة بأكملها وهو كسر وجرف الحدود المصطنعة بين العراق وسوريا وإعلان مايسمى ( بالخلافة الإسلامية ) على يد المتحدث باسم تنظيم الدولة “العدناني” وسيطرتهم على مساحات شاسعة من العراق وسوريا، بما في ذلك… pic.twitter.com/fxPboo6q5Q
— PIC | صـور من التـاريخ (@inpic0) March 26, 2025
اقترف تنظيم الدولة مجازر هائلة بحق أهالي المنطقة وبحق بعض أفراد القوات الحكومية، الأمر الذي ألصقته الحكومة وميليشياتها بعموم السنَّة، لتهيئة الأجواء لاستمرار الاحتقان الطائفي في البلد. وحينما شنّت القوات الحكومية والحشد الشعبي هجومًا لتحرير تلك المناطق من تنظيم الدولة، وبدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، ارتكبت تلك القوات مجازر كبيرة بحق الناس، ولم تفتح لهم مسارات آمنة للخروج من مناطق الصراع العسكري. بل وقامت قوات الحشد الشعبي، التي هي مُشكّلة بالأساس من ميليشيات طائفية تدين بالولاء لإيران، بعمليات قتل واختفاء قسري على نطاق واسع في مناطق الأنبار والموصل وصلاح الدين وديالى، مستغلة ظروف الفوضى التي حدثت أثناء معارك طرد التنظيم.
فعلى سبيل المثال، كانت هناك أعداد كبيرة من المختفين قسرًا من أهالي ناحية الصقلاوية وسيطرة الرزازة وأحداث الزركة وغيرهم الكثير، والذين تُقدّر أعدادهم بالآلاف ولم يُعرف مصيرهم حتى الآن. وبالرغم من المطالبات التي قدّمتها المنظمات الحقوقية لمعرفة مصيرهم، إلا أن الصمت كان هو سيد الموقف من قبل الجانب الحكومي.
نفس الحال حدث في محافظات الموصل وصلاح الدين وديالى. حتى وصل الأمر إلى أن كثيرًا من الكتل السياسية السنِّيَّة كانت تستخدم ملف الكشف عن المختفين قسرًا كمادة انتخابية دعائية لغرض حصد أصوات السنَّة، لكنها حينما تصل إلى البرلمان تختفي تلك المطالبات وتضيع حقوق أهالي المختفين في معرفة مصير أبنائهم.
والمماطلات في التصويت على قانون مكافحة الاختفاء القسري داخل البرلمان، تعطينا دليلًا قطعيًا على تورط جهات سياسية في هذا الملف، وأن كتلًا سياسية تقف ضد هذا التشريع لأنه يمسها ويمس مصالحها.
ماذا بعد استعادة المناطق من قبضة التنظيم؟
لم تكن مسألة تحرير المناطق السنِّيَّة من تنظيم الدولة هي نهاية لعمليات القتل والاختفاء القسري، إنما بداية جديدة لها، فقد استفردت ميليشيا الحشد الشعبي بالمنطقة وأصبحت لها السلطة المطلقة في التصرف بمصير الناس هناك. فعملت على استهداف العديد من الشباب قتلًا واختطافًا، بحجة الانتماء لتنظيم الدولة، وعملت على الإمعان في تطبيق خطتها في التغيير الديمغرافي في المنطقة، فقد تم تهجير العديد من القرى ومنع سكانها من العودة إليها، ومن يعارض ذلك فإن تهمة الانتماء لتنظيم الدولة جاهزة لكل من يعترض عليهم.
لكن أهم ما كانت تفعله تلك الميليشيات، وبمساندة من القوات الحكومية، هو الإخفاء القسري للناشطين والنخب الواعية من العراقيين في تلك المناطق، خشية من أن يعيدوا تنظيم ذلك المجتمع ورفض أساليب الميليشيات. والحقيقة تُقال، إنهم نجحوا في خطتهم تلك أيَّما نجاح.
من جانبها، دأبت حكومة بغداد ومؤسساتها القضائية على الاهتمام بملف المغيّبين من المعارضين للنظام السابق قبل 2003، بجانب انتهاكات تنظيم الدولة و”القاعدة”، لكنها تجاهلت بشكل متعمد الأعمال الانتقامية التي واكبت العمليات العسكرية ضد تنظيم الدولة على يد قوات حكومية وفصائل من الحشد الشعبي في مناطق جنوب بغداد، وأهمها جرف الصخر، وكذلك في محافظات الأنبار، وصلاح الدين، ونينوى، وديالى، وكركوك.
ولا يزال عشرات الرجال السنة من المقدادية ومحيطها مفقودين، ويخشى أنهم في عداد الموتى. وفي 21 يناير/ كانون الثاني 2016، نقلت وسائل اعلام عن مصدر طبي في المقدادية، أن نحو 70 جثة تركت في مستشفى المدينة لم يجر التعرف على العديد من الجثث بسبب بها من تشويه نتيجة التعذيب أو لإصابتها بحروق، وتخشى عائلات الضحايا تسلم جثث أبنائهم.
ومن الطرائف، أن القانون العراقي لا يعتبر حتى الآن، الاختفاء القسري جريمة ضد الإنسانية، ولا يحدد العقوبات المفروضة على الجناة، وبالتالي لا يمكن المقاضاة عليه كجريمة قائمة بذاتها، ما عدا جرائم الاختفاء القسري المرتكبة بين عامي 1968 و2003.
الاختفاء القسري واحتجاجات تشرين بين أعوام 2019 و2020
لم تكتفِ الميليشيات والمؤثرين في السلطات العراقية، بممارسة جرائم الاختفاء القسري على مخالفيهم مذهبيًا، إنما امتد أيضًا إلى الرافضين لأساليبهم ونظام حكمهم من شباب الشيعة. هذا ما رأيناه بشكل واضح أثناء اندلاع الاحتجاجات الشعبية في تشرين عام 2019، حيث مورست عمليات الاغتيال والاختفاء القسري ضد المئات من الناشطين والمنظمين لتلك الاحتجاجات. فقد شهدت فترة الاحتجاجات عمليات اختطاف واغتيال شبه أسبوعية، طالت إعلاميين وناشطين. ففي الأشهر الأربعة الأولى فقط من اندلاع المظاهرات، تم توثيق أكثر من 350 قضية إصابة، واختطاف، وقتل، واعتداء، وانتهاكات.
يأتي كل ذلك بسبب شعور الطبقة الحاكمة، ومن خلفها عشرات الميليشيات، بالخطورة من تطورات تلك الاحتجاجات الشعبية، لا سيما وأنها انطلقت من شريحة اجتماعية تعتبرها الحاضنة الشعبية لها، بحسب تصورهم. وفي تقرير لمنظمة العفو الدولية “أمنستي”، قالت إن في 27 سبتمبر/أيلول 2023، قامت شرطة مكافحة الشغب، وقوات مكافحة الإرهاب، وأعضاء في فصائل الحشد الشعبي، باستخدام القوة المميتة ضد المتظاهرين، وشنوا حملة مروعة من عمليات القتل خارج نطاق القضاء، والإخفاء القسري خلال الاحتجاجات الجماهيرية.
لقد تفاجأ النظام من حجم الرفض الذي يكنه هؤلاء الشباب لهم، لا سيما وأن هذه الشريحة الشبابية كانوا يعتبرونها حاضنة شعبية لهم. كما ساعدت إيران على إخماد هذه الاحتجاجات خشية من سقوط النظام الحالي في العراق، والذي يمثل بالنسبة لها موطئ نفوذ استراتيجي، ونافذة اقتصادية مهمة في ظل الحصار الذي تعاني منه، بالإضافة إلى أن لديها العشرات من الميليشيات المسلحة التي لديها القدرة على زجّها في معاركها خارج حدودها الجغرافية.
موقف المجتمع الدولي
بالرغم من تقارير المنظمات الحقوقية عن استفحال ظاهرة الاختفاء القسري في العراق، إلا أن واشنطن وباقي دول العالم لم تُعطِ لذلك أهمية تُذكر. فقد وثّق المرصد العراقي لحقوق الإنسان نحو 12 ألف بلاغ، تقدّمت بها عائلات عراقية تطلب معرفة مصير أبنائها المختفين قسرًا منذ عام 2017 وحتى العام الحالي، وكشف عن تصدّر العراق دول العالم بأعداد المفقودين والمُغيّبين.
لكن مع الأسف، لم تغيّر هذه التقارير من مواقف الدول الكبرى الفاعلة بالشأن العراقي، للتعامل بالجدية اللازمة للكشف عن مصير المختفين قسريًا في العراق. بل إن واشنطن قدّمت في فترة تحرير المناطق من احتلال تنظيم الدولة، الدعم للميليشيات التي ارتكبت تلك الجرائم، وللقوات الحكومية التي تواطأت مع اقتراف تلك الجرائم، دعمًا عسكريًا، ولوجستيًا، واستخباراتيًا، بحجة محاربة الإرهاب.
ولم تفعل واشنطن شيئًا في هذا الملف سوى إصدار البيانات التي لا تسمن ولا تغني من جوع. ففي السنة الماضية، أصدرت السفارة الأمريكية منشورًا بمناسبة اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري، قالت فيه إنّ “السفارة الأمريكية في بغداد تُكرِّم المتضررين من هذه الجريمة البشعة”، داعية إلى “إجراء تعديلات تشريعية حتى يشعر الناس بالأمان والكرامة في مجتمعاتهم دون خوف من الاختطاف”.
دعت سفيرة الولايات المتحدة لدى بغداد إلينا رومانسكي الجهات المعنية في العراق إلى إجراء تعديلات تشريعية بما يخص ضحايا الاختفاء القسري.
وذكرت السفيرة عبر حسابها على منصة “اكس”: السفارة الأمريكية في بغداد تُكرِّم المتضررين من هذه الجريمة البشعة, ويجب إجراء تعديلات تشريعية حتى يشعر… pic.twitter.com/aRCZQ0JIfo
— الساعة (@alssaanetwork) August 30, 2024
نفس الحال بالنسبة للمجتمع الدولي الذي غضّ النظر عن كثير من الجرائم التي ارتُكبت في العراق. إن بعض دول العالم تخشى سقوط النظام العراقي الحالي لأن لديها مصالح معه، لكن بعد تصاعد الخلافات بين إيران والمجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة، بدأنا نرى في السنوات الأخيرة بعض التصريحات التي تطالب بالكشف عن مصير المختفين قسريًا، لأن النظام العراقي يعتبر من الدول التي تدور في الفلك الإيراني حاليًا. نأمل أن تثمر هذه المطالبات عن انفراجة حقيقية لمعرفة مصير أولئك الضحايا.