بعد سقوط نظام الأسد، وجدت إيران نفسها أمام واقع مغاير تمامًا، تعاملت معه برد فعل سلبي، الأمر الذي أثار استياء الرئيس السوري، إذ عبر عن خيبة أمله من غياب موقف إيجابي من طهران، رغم حرصه على حماية السفارة الإيرانية في دمشق، وكان يتوقع منها أن تبادر بخطاب يقف إلى جانب الشعب السوري.
ومع تزايد الضغوط الدولية والإقليمية على إيران، وتنامي المساعي العربية لإعادة دمج دمشق في محيطها، فضلًا عن تصاعد الدور التركي، وزيارة الرئيس السوري إلى باكو، والتفاهمات الروسية مع النظام الجديد، وجدت طهران نفسها مضطرة للبحث عن أدوات جديدة لإعادة التموضع في سوريا.
في هذا الإطار، اتسم النهج الإيراني تجاه سوريا بمسار مزدوج، إذ تبنت مؤسسة الرئاسة ووزارة الخارجية لغة أكثر هدوءًا تؤكد احترام إرادة السوريين، محاولةً تهيئة مناخ جديد وإعادة فتح قنوات تواصل مع دمشق.
في المقابل، ما زال جناح داخل النظام الإيراني لا يسير مع هذا الانفتاح، في انعكاس لحالة من التباين الداخلي تكشف أن إيران لم تستقر بعد على صيغة نهائية لإعادة تموضعها في سوريا، وبين هذين المسارين، تنتهج إيران معادلة جديدة تتيح لها التكيف مع الواقع الجديد في سوريا، من دون التفريط بما تبقى لها من أوراق نفوذ.
في ضوء هذه التطورات، يسعى هذا التقرير إلى تحليل ملامح السياسة الإيرانية المستجدة تجاه سوريا بعد سلسلة انتكاساتها الإقليمية والدولية، مع رصد أدوات إعادة التموضع الإيرانية واستشراف آفاق العلاقات المستقبلية بين الجانبين.
ازدواجية الخطاب الإيراني الرسمي تجاه سوريا
منذ تحرير دمشق في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، أظهرت طهران رد فعل سلبي تجاه هذا التحول المفصلي، إذ جاءت تصريحات وزير خارجيتها في غاية التشدد والرفض، وذهبت حد اتهام ما جرى بتخطيط إسرائيلي ـ أميركي.
هذا الموقف لم يكن مفاجئًا بالنظر إلى الخطاب الإيراني التقليدي، لكنه عكس في الوقت نفسه عجزًا عن التكيف مع الواقع الجديد في سوريا، وانكشاف محدودية خطاب إيران أمام المتغيرات الجذرية التي أفرزتها مرحلة ما بعد الأسد.
إلا أن هذا الخطاب الإيراني أخذ يتبدل في الأشهر الأخيرة، حتى وصل أحيانًا إلى النقيض تمامًا، كما برز في تصريحات علي لاريجاني مستشار خامنئي، الذي اعتبر أن الإسرائيليين يشعرون بالتهديد من “سوريا الجديدة”، وفي موازاة ذلك، ظهرت نبرة براغماتية في مواقف عدد من المسؤولين الإيرانيين، حملت تلميحات إلى التهدئة وفتح قنوات حوار مع القيادة السورية الجديدة.
وقد انعكس ذلك في مواقف الرئيس مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي، اللذين ابتعادا عن الاستفزاز المباشر للقيادة السورية الجديدة، مؤكدين احترام إرادة الشعب السوري ووحدة الأراضي السورية. وفي مقابلته مع قناة “آر تي” الروسية، أكد عراقجي أن طهران لا تعارض الحكومة السورية الجديدة، ومستعدة للمساهمة في تحقيق السلام.
يكشف تصريح عراقجي عن تحول واضح في الخطاب الإيراني تجاه سوريا، حيث انتقلت طهران إلى مقاربة براغماتية تُقر بوجود واقع جديد لم تعد قادرة على التأثير فيه كما السابق، فاعتماد عراقجي عبارات مثل “لا نعارض” و“إذا طُلب منا” يعكس تحول إيران من موقع اللاعب المقرر إلى طرف ينتظر الدعوة.
سعادة السيد محمد رضا رؤوف شيباني
السلام عليكم
انطلاقا من كونكم دبلوماسيا بارزا ومن ذوي الخبرة في وزارة الخارجية، فقد تقرر تعيينكم ممثلاً خاصاً لي في الشؤون السورية.
فسورية هي دولة مهمة في منطقة غرب آسيا، وإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وإدراكاً منها لأهمية الاستقرار والهدوء… pic.twitter.com/etBwSliRLD
— Seyed Abbas Araghchi (@araghchi) January 12, 2025
وأيضًا في مقابلة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني مع قناة الميادين التابعة لحزب الله في منتصف أغسطس 2025، وذلك عقب تقارير أشارت إلى أن دمشق منعت طائرته من عبور مجالها الجوي في طريقه إلى بيروت، أكد لاريجاني أن إمكانية إعادة العلاقات مع سوريا ما زالت مطروحة، لافتًا إلى أن المشهد السوري يتسم بالاضطراب، وأن استئناف العلاقات يظل خيارًا منطقيًا، لكنه مرهون بخطوات دمشق.
كذلك دأبت إيران بشكل مستمر على إدانة الهجمات الإسرائيلية على سوريا، وأكد ممثل إيران في الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني دعم طهران لدمشق وتمسكها بسيادة سوريا ووحدة أراضيها، كما دعا لتسهيل إعادة الإعمار وعودة اللاجئين، معتبرًا أن رفع العقوبات خطوة إيجابية متأخرة.
في السياق ذاته، سعت طهران إلى إعادة تقديم نفسها كمدافع عن حقوق الأقليات في سوريا، من خلال تصريحات مسؤولين مثل وزير الخارجية الإيراني الذي يتحدث عن “حكومة شاملة” بما يتوافق مع الطرح الروسي، وبما يعكس محاولة استثمار ورقة الأقليات كما سنوضح لاحقًا، ويأتي ذلك أيضًا من خلال تصريحات محمد رضا رؤوف شيباني الذي عينه عراقجي ممثلًا له في الشؤون السورية، ودائمًا يربط شيباني استقرار سوريا باستيعاب الدروز والأكراد والعلويين.
هذا الخطاب لا يعكس براءة سياسية، بل يقوم على حسابات إيرانية تسعى من خلالها طهران إلى إبقاء ورقة الانقسام الطائفي أداة ضغط، فبينما يقدم الدبلوماسي الإيراني خطابًا مثاليًا عن الحوار الداخلي السوري، تحمل الرسالة الضمنية إشارة واضحة إلى استعداد إيران لتوظيف الانقسامات الداخلية.
إن الخطاب الإيراني تجاه سوريا كما جاء على لسان محمد رضا رؤوف شيباني يقدم نفسه حاميًا لوحدة الشعب السوري وحقوق الأقليات، لكنه في الواقع يعكس سعي طهران لإعادة إنتاج دورها في دمشق.
ومع ذلك، فهذا التحول في الخطاب الإيراني تجاه سوريا لا يمكن فهمه بمعزل عن طبيعة النظام الإيراني المركبة، حيث يتجلى تباين واضح بين المؤسسات الرسمية، ففي الوقت الذي أظهرت فيه الرئاسة ووزارة الخارجية براغماتية وانفتاحًا على دمشق، لا تزال مؤسسات أكثر نفوذًا مثل الحرس الثوري، والمرشد الأعلى متمسكة بسردية المقاومة والممانعة.
للباطل جولة، يبرز فيها أيامًا معدودات، لكنه زاهق لا محالة، سيزول حتمًا، ولا شك في ذلك. والإنجازات التي يحقّقونها في سوريا وأماكن أخرى ليست دليل قوة، بل علامة ضعف، ستؤول إلى مزيدٍ من الوهن.
— الإمام الخامنئي (@ar_khamenei) May 10, 2025
وقد تجلى هذا التباين بوضوح في خطابات المرشد الأعلى علي خامنئي الذي تمسك بلغة تعكس نزعة الهيمنة الإيرانية على سوريا، وخاصة تشديده على أن “الأجانب يحتلون الأراضي السورية”، وحتى مارس 2025 كان الحرس الثوري الإيراني يتبنى خطابات بأن الأوضاع في سوريا ستتغير قريبًا لصالح طهران.
على مستوى خطابها الرسمي تجاه سوريا، ترتكز إيران في حديثها عما يجري في سوريا على ركيزتين أساسيتين، وحدة الأراضي السورية، والتأكيدات المتكررة على ضمان حقوق الأقليات، والركيزة الثانية لا تغيب عن أي بيان دبلوماسي إيراني موجه للخارج، بما يجعلها منسجمة ظاهريًا مع الخطاب الأممي.
غير أن هذا التركيز ليس بريئًا ولا موجهًا للخارج فقط، بل ينطوي أيضًا على رسالة ضمنية تفيد بأن طهران تحاول الحفاظ على أوراق ضغط تمنع إقصائها الكامل، والمفارقة أن الخطاب الإيراني الرسمي لم يعد فحسب يركز بإفراط على ضمان حقوق الأقليات، بل تحاول طهران الانتقال إلى موقع الوسيط، وهذا الخطاب يكشف في جوهره حدود النفوذ الإيراني وتراجع رهاناته السابقة.
في المقابل، أبدت القيادة السورية مواقف واضحة تجاه طهران، سواء من الرئيس أو وزير الخارجية، فقد أكد الشرع أكثر من مرة أن سوريا تحتاج إلى علاقات متوازنة مع قوى كبرى مثل إيران، لكن على أساس الاحترام المتبادل للسيادة، كما لم يعد الرئيس السوري يصور بشكل مباشر إيران كدولة مزعزعة للاستقرار المنطقة كما كان يفعل سابقًا.
وفي السياق ذاته، تبنى وزير الخارجية الشيباني موقفًا مشابهًا، حيث اعترف بوجود إشارات إيجابية من طهران، لكنه شدد على أن هذه الرسائل لم تُترجم بعد إلى سياسة تشعر السوريين بالاطمئنان، ويؤكد الوزير أن أي علاقة مستقبلية مع إيران يجب أن تُبنى على قبول شعبي، مع مراعاة “جراح وألم” السوريين نتيجة التدخلات الإيرانية السابقة.
وحتى الآن لم تُظهر دمشق نفس مستوى الاهتمام الذي تبديه طهران في مسألة استعادة العلاقات، وقد كشف الممثل الخاص لوزير الخارجية الإيراني لشؤون سوريا، محمد رضا رؤوف شيباني، أن الدبلوماسيين الإيرانيين العاملين في دمشق نُقلوا إلى بيروت عقب سقوط نظام الأسد وما زالوا هناك، في حين تواصل السفارة السورية في طهران عملها بشكل طبيعي بقرار من دمشق، ولا يزال سفيرها يباشر مهامه هناك.
يمكن القول إن الرئيس الشرع ووزير خارجيته يسعيان لإعادة تعريف العلاقة مع إيران من منظور الحفاظ على وحدة واستقرار سوريا، لا من منطلق تحالف تقليدي، لذلك لا تُظهر القيادة السورية استعجالًا في ملف العلاقات مع طهران، بل تتعامل معه ببرود محسوب.
وفي السياق ذاته، لم تصدر عن الرئيس أو وزير الخارجية أي تصريحات تُدين الضربات الإسرائيلية على إيران كما أدانت الأخيرة الضربات الإسرائيلية على سوريا، في مؤشر إضافي على أن دمشق تتعامل مع طهران بصمت مقصود.
لكن في المقابل، عبر الشرع عن تضامن بلاده مع قطر، وأدان الضربة الإيرانية على قاعدة العديد الجوية، كما أكدت وزارة الخارجية السورية تضامنها الكامل مع قطر ودول مجلس التعاون الخليجي، معتبرة أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن السوري.
على الجانب الآخر، ومع استمرار الفتور السوري تجاه طهران، صرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في 20 أغسطس/آب 2025 بأن المشهد في سوريا شديد التعقيد، وأن مسألة استعادة العلاقات لم تعد تمثل أولوية ملحة بالنسبة لإيران في المرحلة الراهنة.
لكنه أكد في الوقت نفسه أن نهج إيران يقوم على سلوك الطرف الآخر وأن بلاده منفتحة على التعاون متى رأت الحكومة السورية أن ذلك يخدم مصالحها، وهو ما يؤكد بأن زمام المبادرة بيد دمشق أكثر مما هي بيد إيران.
ملامح الخطاب الإعلامي الإيراني تجاه سوريا
شهد الخطاب الإعلامي الإيراني خلال الأشهر الأخيرة تحولات تعكس مسارًا غير ثابت في التعامل مع ما يجري في سوريا، فقد اتسم بحدةٍ واستفزازية واضحة تجاه سوريا، ومع ذلك، لم يقتصر أيضًا على هذا الخطاب الانفعالي.
لقد أولت طهران الشأن السوري مساحة واسعة في منصاتها السياسية والإعلامية، خاصة عبر قنواتها الناطقة بالعربية مثل العالم والميادين والمنار، ولم يقتصر هذا الحضور على نقل الأخبار أو عرض المواقف، بل تجاوز ذلك إلى الدفاع عن الأقليات السورية، في مواجهة ما تسميه بـ“الخطر التكفيري”.
يمكن القول إن الخطاب الإعلامي الإيراني في تعاطيه مع الملف السوري لعب دورًا بارزًا في ترسيخ الانقسام والبعد الطائفي، حيث حرص على تقديم إيران كحامية للأقليات، وفي الوقت ذاته، لم تتردد المنابر الإيرانية في توجيه انتقادات للسلطات السورية حول قصورها في بسط الأمن، وعدم تسامحها مع التنوع الطائفي، فضلًا عن ضعف استجابتها تجاه التهديدات الإسرائيلية.
ومع ذلك، فقد تبدل الخطاب الإيراني مرات عدة، فتراجعت اللهجة التصادمية لصالح خطاب أكثر حذرًا يسعى إلى الظهور بمظهر الداعي إلى الحوار، مع الحرص على توجيه رسائل طمأنة ضمنية لدمشق من دون التفريط في الهيبة الإقليمية.
وقد انعكس ذلك في وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية، التي التزمت في بعض الأحيان درجة نسبية من الانضباط الإعلامي، وابتعدت عن الانتقادات المباشرة للنظام الجديد، ربما في محاولة لتهيئة الرأي العام الإيراني لقبول نهج سياسي أكثر مرونة وانفتاحًا تجاه دمشق.
مع ذلك، لم يكن هذا التحول شاملًا أو ثابتًا، إذ ظل الإعلام الإيراني الرسمي يلجأ إلى سرديات تصادمية تعكس انعدام الثقة وتؤكد أن مناخ التهدئة لم يترسخ بعد على المستوى المؤسسي، فقد تبنت صحف مثل كيهان وهمشهري وجوان وسياست خطابًا يدعم فلول النظام السابق، ووصفت تحركاتهم بالانتفاضة وطلائع المقاومة.
وفي السياق نفسه، واصلت وسائل إعلام المليشيات المقربة من طهران تبني خطاب تهديدي تجاه سوريا عبر منابرها المختلفة، خاصة خطابات أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم وقناة الميادين، وهو ما أبقى على حالة الازدواجية في الخطاب الإيراني.
في المحصلة، يتبدى الخطاب الإعلامي الإيراني في تناوله لما يجري في سوريا كساحة مليئة بالتناقضات، فمن جانب يحرص على ترويج صورة طهران كحامية للأقليات، بل لم يتردد في الإشادة بمؤتمر الحسكة وبشخصيات مثل الشيخ الهجري رغم مواقفه المثيرة للجدل التي وصلت إلى حد توجيه الشكر لإسرائيل.
ومن جانب آخر، يؤكد الإعلام الإيراني على احترام السيادة السورية ووحدة أراضيها، لكنه في الوقت نفسه يوظف سردية دعائية تعتبر كل ما يجري نتاج “مؤامرة صهيونية ـ أمريكية ـ خليجية”، وفي هذا السياق، يبرز تضخيمًا لدور أحمد الشرع وتصويره كأداة في مشروع إقليمي ترعاه تركيا، مع تغييب شبه كامل لدور القوى المحلية من غير الأقليات.
اللعب على المتناقضات: أدوات إيران في إعادة التموضع
توظيف الدبلوماسية
سارعت إيران منذ أوائل 2025 إلى إعادة تفعيل أدواتها الدبلوماسية وبناء قنوات تواصل جديدة مع دمشق، ولتحقيق ذلك، فتحت قنوات غير مباشرة عبر وساطات إقليمية، أبرزها تركيا وقطر، معتمدة على الدول التي عارضت نظام الأسد كجسور لإعادة التقارب مع دمشق.
وقد أقر مسؤولون إيرانيون بوجود اتصالات غير مباشرة مع الحكومة السورية، وأوضح المبعوث الخاص لوزير الخارجية الإيراني لشؤون سوريا محمد رضا رؤوف شيباني، أن هذه الاتصالات جرت عبر تبادل الرسائل بين الطرفين، كما صرح بأن طهران “تراقب وتنتظر” تطورات عهد الشرع، ولفت إلى أن مساعي بلاده لإعادة التقارب مع دمشق توسطت فيها عدة دول إقليمية، من بينها تركيا وقطر والسعودية والإمارات.
وفي سياق متصل، أجرى شيباني سلسلة جولات إقليمية ودولية مرتبطة بالملف السوري، فزار موسكو للقاء المبعوث الخاص للرئيس الروسي ونائب وزير الخارجية لبحث التطورات السورية، كما توجه إلى الدوحة للقاء وزير الخارجية القطري محمد الخليفي للتباحث حول سوريا.
بوابة الاقتصاد
ترى إيران أن البوابة الأكثر واقعية للنفاذ إلى سوريا الجديدة تكمن في الاقتصاد، وهو ما دفعها للحديث عن إحياء الاستثمارات الإيرانية السابقة في مختلف القطاعات الاقتصادية السورية، فووفق ما ذكرت صحيفة “ذا ناشيونال”، تسعى طهران من خلال هذه الخطوة إلى فتح قنوات تواصل مع الحكومة السورية الحالية، وخلق روابط اقتصادية تجعلها لاعبًا لا يمكن تجاهله في المشهد السوري بعد التغيير السياسي.
غير أن هذا التوجه لا يُنظر إليه في دمشق على أنه مسعى بريء، إذ تعتبر الإدارة السورية الحالية أن استخدام الاقتصاد كوسيلة لإعادة ترسيخ النفوذ الإيراني مرفوض، وتتعامل مع هذه المحاولات بحذر شديد، ملتزمة بمبدأ استعادة السيادة السورية على القرار الاقتصادي بعيدًا عن أي تأثيرات من إيران.
حاليًا تعمد الإدارة السورية إلى إعادة تقييم المشاريع الاقتصادية المدعومة من إيران، حيث تُبطئ بعضها وتُوقف أو تُفكك البعض الآخر بشكل كامل، في إشارة واضحة إلى رغبتها في تقليص النفوذ الاقتصادي لطهران. وفي الوقت نفسه، تشهد الساحة الاقتصادية السورية دخولًا متسارعًا لمبادرات خليجية وغربية تسعى لملء الفراغ، بما يعكس تحولًا في بوصلة دمشق نحو شركاء جدد.
الاستثمار في الأقليات
تعتمد إيران في مساعيها لإعادة التموضع داخل سوريا الجديدة على ورقة الأقليات الدينية والطائفية، مدركةً أن أي نظام سياسي سيحتاج إلى توازنات تراعي التنوع المجتمعي، لذلك تحاول الظهور بمظهر الحامي لحقوق الأقليات، بما يمنحها شرعية معنوية أمام بعض المكونات المحلية.
وقد استثمرت بقوة في بناء علاقات مع بعض الشخصيات العلوية، مستفيدة من نفوذها الثقافي والديني لتعزيز حضورها، غير أن هذا الاهتمام بالأقليات لا ينفصل عن حساباتها الاستراتيجية الأوسع، إذ توظف خطاب “حماية الأقليات والحكومة الشاملة” كأداة ضغط لضمان مكانتها داخل البنية الاجتماعية السورية. وبذلك، تصبح ورقة التنوع الطائفي جزءًا من معركة إعادة النفوذ وليس مجرد ملف حقوقي أو إنساني.
خلال المؤتمر الذي عقدته ميليشيا «قسد» SDF/PKK أمس في الحسڪة والذي لم يحضره أحد من وجهاء وشيوخ القبائل العربية الحقيقين، ظهرَ القيادي السابق في ميليشيات «الحرس الثوري الإيراني» وميليشيا حزب الله المدعو «فايز حسين الجضعان» وقدم نفسه كوجيه عشائري تحت مظلة ميليشيا «قسد»، الجضعان… pic.twitter.com/Y2tzaUud7b
— زين العابدين | Zain al-Abidin (@DeirEzzore) August 9, 2025
ورغم تأكيد خطابها الرسمي المستمر على حماية الأقليات، إلا أن هذا الاهتمام غالبًا ما يظهر حين يكون قابلًا للاستثمار، فالواقع يكشف أن إيران من أسوأ الدول في معاملة الأقليات داخل حدودها، ما يفضح الطابع النفعي والانتهازي لهذا الخطاب.
من اللافت أن الرئيس الشرع، رغم امتناعه مؤخرًا عن توجيه انتقادات مباشرة لإيران، لم يتردد في توجيه رسائل غير مباشرة لسياسات إيران في سوريا، ولا سيما في ما يتعلق بالتحريض الإعلامي والنفسي ومحاولاتها الطائفية لإعادة التموضع.
دعم الفلول وتشكيل مليشيات جديدة موالية لإيران
بعد سقوط نظام الأسد، تبنت طهران سياسة تقوم على الاستثمار في الفوضى لتعزيز نفوذها، ورأى المحلل الاستراتيجي الإيراني مهدي خانعي زاده أن إبقاء سوريا في حالة عدم استقرار يشكل مكسبًا استراتيجيًا لإيران، واعتبر التصريحات الرسمية الداعية إلى احترام إدارة السوريين مجرد “سخرية وألعاب أطفال”.
وقد تحركت طهران ميدانيًا عبر دعم ضباط وشخصيات مرتبطة بالنظام السابق، الذين شكلوا ميليشيات مسلحة مدعومة من إيران و”حزب الله”، ونفذوا هجمات منسقة ضد القوات الحكومية السورية، الأمر الذي أسهم في تصاعد العنف.
في هذا السياق، برزت إلى الواجهة جبهة تُدعى “أولي البأس” معلنة عبر وسائل إعلام إيرانية عن تأسيس فصيل مسلح تحت اسم “سرايا الأوفياء” يضم عناصر من بقايا قوات النظام السابق في المحافظات الوسطى، وقدمت نفسها كقوة تسعى لتحرير سوريا مما تصفه بالاحتلالين التركي الأموي والصهيوني.

وفي شباط/فبراير 2025، أعلنت أولي البأس تحالفها مع كل من لواء درع الساحل وأشباه روح المقاومة وسرايا العرين. لاحقًا، أكدت هذه الجبهة ولاءها الصريح لإيران، ويلاحظ أن خطابها وشعارها يتشابه بوضوح مع شعارات الميليشيات المرتبطة بإيران، وأطلق قائدها العام تهديدًا مباشرًا للقوات الحكومية السورية، متوعدًا بتنفيذ ردود ميدانية على كامل الجغرافيا السورية.
الأسلحة واستباحة الحدود
ظل العراق بالنسبة لإيران رئة استراتيجية لتمرير السلاح والدعم اللوجستي لمليشياتها في سوريا، ما سمح للخلايا التابعة للحرس الثوري بالتحرك لإضعاف القوات الحكومية السورية وزعزعة الاستقرار.
كما دربت طهران قوات سورية في معسكرات صحراوية بالعراق، وأفادت تقارير صحافية بأن النظام الإيراني سعى إلى إعادة بناء نفوذه العسكري في سوريا من خلال معسكرات تدريب تحت إشراف الحرس الثوري في الأراضي العراقية.
قوات الأمن تضبط كميات كبيرة من ذخيرة إيرانية الصنع (خفيفة ومتوسطة) في قرية المزرعة بريف حمص الغربي. pic.twitter.com/ODzHxVx1oO
— ضياء قدور dyaa kaddoor (@dyaakaddoor) March 11, 2025
إزاء ذلك، شنت السلطات السورية حملة أمنية واسعة في دير الزور لضبط الحدود مع العراق والحد من نشاط المجموعات المرتبطة بإيران، غير أن طهران لجأت كذلك إلى استغلال بقايا النظام السابق وبعض المجموعات العلوية والكردية المعارضة لتعزيز حضورها وإضعاف الحكومة الجديدة.
في موازاة ذلك، لعب “حزب الله” دورًا محوريًا عبر الحدود السورية-اللبنانية، حيث احتفظ بمستودعات ضخمة من الأسلحة في مناطق جبلية مثل القلمون الشرقي ودير عطية والقطيف.
مديرية الأمن الداخلي في منطقة القصير:
▪️ ضبط دراجة نارية محمّلة بذخائر مخبأة في براميل مخصصة لنقل الحليب وكانت معدة للتهريب إلى لبنان.
▪️ سائق الدراجة لاذ بالفرار فيما تواصل الجهات المختصة عمليات البحث والتعقب، للوصول إلى المتورطين. pic.twitter.com/IwaelcwqeA
— سوريا الآن – أخبار (@AJSyriaNowN) August 24, 2025
وعقب الضربات الأمنية التي استهدفت فلول ومليشيات طهران في سوريا، لجأت إيران إلى تكثيف عمليات إعادة تسليح وكلائها الإقليميين بطرق أكثر سرية، فاستبدلت الشاحنات الكبيرة بسيارات صغيرة لنقل السلاح إلى “حزب الله” انطلاقًا من الأراضي السورية.
وقد تمكنت الأجهزة الأمنية السورية من رصد محاولات تهريب صواريخ روسية مضادة للدروع، كما ضبطت في مدينة تدمر عبوات ناسفة مموهة على شكل صخور وقطع إسمنتية داخل أحد مقرات لواء فاطميون التابع للحرس الثوري.
وزارة الداخلية:
📌 بعد ضبط قوى الأمن الداخلي في محافظة حمص سيارة محمّلة بصواريخ غراد كانت معدة للتهريب باتجاه الحدود اللبنانية
📌 بالمتابعة الدقيقة ورصد الكاميرات لتحديد خط سير السيارة ومصدرها إضافةً إلى الاستعانة بمعلومات الأهالي وتمشيط المنطقة تم العثور على كميات كبيرة من… pic.twitter.com/KiEbHCOinj
— الإخبارية السورية (@AlekhbariahSY) August 19, 2025
الآفاق المستقبلية للعلاقات
رغم تمسك طهران بخطاب يؤكد وحدة الأراضي السورية وحماية حقوق الأقليات، فإن سلوكها العملي يكشف عن تناقض واضح، إذ تسعى في الوقت نفسه إلى استثمار الانقسامات الداخلية لتعزيز نفوذها، والإبقاء على أوراق ضغط تحول دون تهميشها.
وفي مواجهة هذه المساعي، أظهرت دمشق إدراكًا متزايدًا لمحاولات إيران إعادة التموضع بوسائل متعددة، وهو ما انعكس في التصريحات الأخيرة للرئيس السوري لعدد من الصحفيين العرب، حين أشار بشكل مباشر إلى أن طهران ما زالت تبذل جهودًا حثيثة من أجل العودة إلى الساحة السورية.
وهذا الإدراك السوري المتنامي يضع طهران أمام تحديات حقيقية في رسم ملامح حضورها المقبل في سوريا، الأمر الذي يفتح الباب أمام مجموعة من السيناريوهات الممكنة لمستقبل العلاقة بين الطرفين.
السيناريو الأول: استقرار نسبي
من الواضح أن العلاقات لن تعود كما تريد إيران، وستدرك إيران بعد سلسلة إخفاقاتها المتتالية في سوريا أن الرهان على القوة الصلبة لم يعد مجديًا، فسياسة الميليشيات ومحاولة فرض النفوذ بالقوة الخشنة لن تجلب سوى استنزاف مواردها والمزيد من تآكل صورتها داخليًا وخارجيًا، استمرارها في هذا المسار لن يعني إلا المزيد من الإنهاك والعزلة.
وبالتالي على المدى القريب، قد تسعى إيران إلى تثبيت حضورها في سوريا الجديدة عبر مبادرات اقتصادية وأمنية تهدف إلى طمأنة القيادة السورية، غير أن هذا المسار يصطدم بعقبات رئيسية، أبرزها أولوية الرئيس الشرع نحو بناء علاقات مع المحيط العربي والعالم الغربي، إضافة إلى الرفض الشعبي الواسع لإيران نتيجة سجلها في دعم النظام السابق والمشاركة في حصار المدن.
في هذا السياق، تعمل دمشق على تقليل التهديدات الأمنية المرتبطة بطهران، خاصة من خلال طلب وساطة روسية للضغط على إيران من أجل وقف أنشطتها المزعزعة للاستقرار، مع ملاحظة أن هذا الطلب تم تضمينه في المحادثات بين دمشق وموسكو حول مستقبل العلاقة بين الطرفين.
وفي ظل المعطيات الراهنة وما تفرضه من تداعيات على كل جانب، يبرز خيار التهدئة المرحلية كخيار أكثر واقعية، يقوم على انفتاح محدود وفتح قنوات دبلوماسية محسوبة، دون أن يمس جوهر الاستراتيجية الإيرانية، غير أن هذا الهدوء يظل هشًا، أقرب إلى هدنة مؤقتة فرضتها الضغوط، لا إلى تسوية حقيقية أو مصالحة راسخة.
السيناريو الثاني: التركيز على التعاون الاقتصادي
على المدى المتوسط، قد تعتمد طهران على الورقة الاقتصادية كمدخل لإعادة تموضعها في سوريا، عبر السعي للانخراط في مشاريع إعادة الإعمار، وفتح قنوات تفاهم مع بعض دول الخليج، بما يتيح لها صياغة علاقة قائمة على “التعايش البارد” مع النظام السوري، تقوم على تعاون اقتصادي انتقائي واتصالات محدودة، مع الحرص على تفادي أي مواجهة مباشرة.
إضافة إلى ذلك، ستحاول إيران تحصيل ديونها من دمشق، ومراجعة الاتفاقيات الاقتصادية التي عقدتها خلال فترة حكم بشار الأسد، لتحديد ما يمكن الإبقاء عليه وما ينبغي إلغاؤه بما يتلاءم مع موازين القوى الجديدة.
السيناريو الثالث: عودة التصعيد
إذا أخفقت مساعي التهدئة أو مضت دمشق نحو انفتاح أوسع بما يهدد النفوذ الإيراني، فإن احتمالات التصعيد تصبح واردة، في هذه الحالة، قد يلجأ الحرس الثوري إلى إعادة تفعيل الوكلاء الإقليميين، وتوظيف خطاب أيديولوجي متشدد ينعكس على الداخل السوري، مع دعم ميليشيات محلية وعرقلة جهود الاستقرار.
إن مؤشرات التغيير في خطاب إيران تجاه سوريا تبدو اضطرارية أكثر منها استراتيجية، إذ جاءت استجابة لضغوط لا لقناعة بمراجعة المشروع الإقليمي، وحتى الآن، لم تُبدِ إيران إشارات واضحة على مراجعة أخطائها السابقة في سوريا خلال عهد النظام الساقط، مما يجعل هذا التحول في الخطاب أقرب إلى سلوك تكتيكي مؤقت قابل للتراجع.
عراقجي لـ”الشرق الأوسط”: نقف مع سوريا ونؤكد ضرورة وحدتها وسلامة أراضيها #الحدث_عاجل
— الحدث عاجل (@Alhadath_Brk) August 26, 2025
وفي الوقت الذي تحاول فيه طهران إعادة ترميم علاقتها مع النظام السوري الجديد عبر مبادرات مدروسة وخطاب دبلوماسي يوحي بالتوازن، فإنها تواصل التشبث بأدوات نفوذها الصلبة، وهو ما قد يقوض أي مسعى للتقارب المستدام في نهاية المطاف.