انطلق أسطول الصمود العالمي، بمشاركة ناشطين من 44 دولة، وعشرات السفن متعددة الجنسيات، الأحد 31 أغسطس/آب 2025، من ميناء برشلونة الإسباني، باتجاه قطاع غزة، في محاولة جديدة لكسر الحصار الذي فرضته قوات الاحتلال الإسرائيلية على القطاع، والذي أودى بحياة عشرات الالاف من الأطفال والنساء.
من المفترض أن تنضم عشرات السفن الإضافية إلى الأسطول، منطلقة من تونس وبعض الدول المطلة عل البحر المتوسط في الرابع من سبتمبر/أيلول، بجانب تظاهرات وفعاليات شعبية داعمة له في الدول الـ 44 المشاركة، بحسب ما أفادت عضو اللجنة التوجيهية في الأسطول، الناشطة السويدية غريتا تونبرغ، التي أكدت في مقابلة مع وكالة “فرانس برس”، أنّ السفن في هذا الأسطول الجديد ستسعى “للوصول إلى غزة وتسليم المساعدات الإنسانية وإعلان فتح ممر إنساني ثم جلب مزيد من المساعدات، وبالتالي كسر الحصار الإسرائيلي غير القانوني وغير الإنساني على غزة نهائيًا”.
ليست المرة الأولى التي تنطلق فيها مثل تلك الأساطيل لكسر الحصار منذ بداية الحرب، فهي أشبه بالمقاومة الإنسانية ضد الاحتلال بأدوات مغايرة، تمثل الجانب المدني لمقاومة الميدان، هادفة لفضح جرائم المحتل وضرب جدار الصمت والتواطؤ المٌخزي، حتى وإن تحولت إلى مقامرة قد تعرض سلامة المشاركين فيها للخطر،”إلا أنه لا يمكن مقارنة أي خطر محتمل قد يواجهونه، بالأخطار التي يواجهها الفلسطينيون يوميًا في غزة”، كما جاء على لسان المتحدث باسم الأسطول سيف أبو كشك.
رغم شكوك الكثيرين في جدوى مثل تلك الفعاليات وقدرتها على حدوث أي اختراق في جدار الصلف الإسرائيلي إلا أنها وعبر استراتيجية التراكمات تحمل الكثير من الرمزيات السياسية والإنسانية والدولية، التي تضع القضية الفلسطينية برمتها تحت مجهر الاهتمام العالمي، وتفضح العنصرية الإسرائيلية وتٌسقط عنها أقنعة التحضر المزعومة التي خدعت بها العالم لعقود طويلة.
في 31 أغسطس، ستنطلق أول مجموعة من قوارب “أسطول الصمود العالمي” من برشلونة إلى قطاع غزة.. من هم أبرز المشاركين على متنها؟ pic.twitter.com/1qCwpHKxL1
— نون بوست (@NoonPost) August 29, 2025
ما الذي يميز أسطول الصمود؟
يأتي الأسطول هذه المرة بعد عدة محاولات سابقة، اعترضها الاحتلال وحال دون دخولها للقطاع وتحقيق أهدافها كاملة، أخرها كان في 26 يوليو/تموز الماضي حين اقتحمت قوات من البحرية الإسرائيلية سفينة “حنظلة” التي كانت على بعد 70 ميلا بحريًا من غزة، وتقل متضامنين دوليين في أثناء توجهها إلى غزة، وسيطرت عليها بالكامل واقتادتها إلى ميناء أسدود.
ثم سفينة “مادلين” التي وصلت مسافة 110 أميال قبل أن تعترضها قوات الاحتلال في 9 يونيو/ حزيران الماضي، ومن قبلها سفينة “الضمير” التي وصلت لبُعد 1050 ميلا من شواطئ غزة، عندما هاجمها الجيش الإسرائيلي في 2 مايو/ أيار الماضي.
يتميز أسطول الصمود عن سابقيه باتساع قاعدة المشاركين فيه، فلأول مرة يتشارك في مثل هذه الفعاليات ممثلو 44 دولة، بجانب عدد من الكيانات، أبرزها اتحاد أسطول الحرية، وحركة غزة العالمية، وقافلة الصمود، ومنظمة “صمود نوسانتارا” الماليزية، علاوة على مشاركة نواب أوروبيين وشخصيات، من بينها رئيسة بلدية برشلونة السابقة آدا كولاو، والنائبة اليسارية البرتغالية ماريانا مورتاغوا الناشط البرازيلي تياغو أفيلا.
كما يمثل الالتفاف الشعبي المحيط بالأسطول ظاهرة فريدة تٌضفي عليه قيمة نوعية مغايرة، حيث احتشاد الالاف على جانبي ميناء برشلونة في وداع هذه الجموع الغفيرة من السفن والنشطاء المشاركين، فضلا عن البعد التنظيمي غير المسبوق والموزع على عدد من البلدان من خلال لجان قائمة على تيسيره بما يسهل مساره ويذلل الصعوبات قدر الإمكان.
اللافت هذه المرة أن المنظمين استفادوا من التجارب السابقة التي لم تحقق أهدافها، حيث شكلوا تحالفًا جديدًا يضم خبرات المشاركين السابقين، مع انضمام نشطاء من دول جنوب شرق آسيا لهم باع طويل وخبرات ممتدة في العمل الإنساني والإغاثي، فيما يعرّف القائمون على هذا الأسطول أنفسهم في الموقع الرسمي أنهم “تحالف من الناس العاديين والمنظمين من العاملين في المجال الإنساني، وأطباء، وفنانين، ورجال دين، ومحامين، وبحارة، يؤمنون بكرامة الإنسان وقوة العمل اللاعنفي”.
ويصفون أنفسهم بأنهم “مستقلون، دوليون، وغير تابعين لأي حكومة أو حزب سياسي. ولاؤنا هو للعدالة، والحرية، وقدسية حياة الإنسان”، ويذكرون أن جهودهم “تعتمد على عقود من المقاومة الفلسطينية والتضامن الدولي”، ويوضحون أنه “على الرغم من انتمائنا إلى جنسيات وديانات ومعتقدات سياسية مختلفة، فإننا متحدون بحقيقة واحدة: يجب أن ينتهي الحصار والإبادة”.
الأسطول يحظى بدعم دبلوماسي وسياسي واضح، كما جاء على لسان وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس الذي أكد أن الحكومة الإسبانية “ستستخدم كل إمكاناتها الدبلوماسية والقنصلية لحماية مواطنينا” على متن الأسطول. ويصف “أسطول الصمود العالمي” نفسه على موقعه الإلكتروني بأنه منظمة “مستقلة” و”غير تابعة لأي حكومة أو حزب سياسي”.
لماذا ميناء برشلونة تحديدًا؟
لم يكن اختيار ميناء برشلونة ومنطقة كتالونيا كمحطتي انطلاق لأسطول الصمود محض صدفة، بل جاء محمّلًا بدلالات إنسانية وتاريخية عميقة، فهذا الميناء، الذي ارتبط اسمه مؤخرًا بمرور سفن تحمل أدوات الموت إلى “إسرائيل” في أوج المأساة الإنسانية بغزة، يُستعاد اليوم ليحمل رسالة معاكسة تمامًا: رسالة حياة وحرية وكرامة للشعب الفلسطيني.
الأسطول بهذه التشاركية الواسعة يٌعيد تعريف صورة الميناء، فلا يكون رمزًا للتسليح والدمار، بل منارة للدفاع عن القيم الإنسانية، وممرًا يربط الضمير العالمي بالمعاناة الفلسطينية، ولأهل برشلونة أنفسهم كلمة في هذه الرمزية؛ فهم يرفضون أن يُستغل ميناؤهم في تجارة السلاح، ويريدونه شاهدًا على التضامن الإنساني.
كما لمس المنظمون تعاونًا واضحًا من حكومة برشلونة، التي فتحت أبوابها لأنشطة الأسطول وسمحت لقواربه أن ترسو في الميناء بكل علنية، بينما وجّه عدد من النواب الإسبان رسائل لحكومتهم يطالبون فيها بحماية المشاركين، تأكيدًا على أن هذه المبادرة لا تخص الفلسطينيين وحدهم، بل تمثل صرخة إنسانية يشارك فيها العالم بأسره.
دلالات ورمزيات
لم يكن أسطول الصمود – كغيره من الأساطيل السابقة- مجرد وسيلة لنقل المساعدات للمحاصرين في قطاع غزة، فتلك النظرة الضيقة، والحكم عليها بمعاييرها القاصرة، تجرده مما يحمله من دلالات ورمزيات كأداة قوية تعبر عن التضامن العالمي مع حقوق الشعب الفلسطيني وتفضح عجز وخذلان المؤسسات الدولية التي يٌفترض أن تقوم بذات الدور.
وسط كل ما يحدث، قد يراودك سؤال الجدوى: كيف يمكن لسفن وقوافل الحرية المدنية أن تنهي حصار #غزة مع آلة القتل العسكرية الإسرائيلية؟
📝إليك بعضًا من النتائج الملموسة التي من الممكن لهذه المبادرات أن تحقّقها 👇#مادلين#MadleenToGaza pic.twitter.com/QafYXVR4tk
— نون بوست (@NoonPost) June 10, 2025
الرمزية الإنسانية: يقدم الأسطول نفسه كصرخة ضمير عالمي ضد معاناة المدنيين في غزة، مؤكدًا بشكل وطريقة عملية على أن هناك إرادة شعبية عابرة للحدود تقف مع المحاصَرين، إذ لا يُقاس بقدرته على نقل المساعدات المادية فقط، بل بمدى جديته على حمل رسالة أخلاقية إلى العالم مفادها أن غزة ليست وحيدة، وأن حصارها ليس قدرًا محتومًا.
كما أن انطلاق تلك القوافل من شواطئ أوروبا وموانئها يذكّر بأن هناك ضميرًا عالميًا حيًا يرفض تجويع شعب بأكمله وحرمانه من أبسط حقوقه، فبينما يحاول الكيان المحتل جعل البحر المتوسط أداة لخنق غزة، تأتي هذه الأساطيل لتكسر تلك المعادلة، فتصنع من الموانئ الأوروبية والعربية جسورًا للحرية بدل أن تكون ممرات لشحن السلاح، فمع كل ميناء يمر منه هذا الأسطول باتجاه عزة إشارة وتأكيد على أن البحر ليس ملكًا لأحد، بل هو طريق مفتوح للإنسانية.
اللافت كذلك في أسطول الصمود وغيره أنه لا يحمل لونًا سياسيًا ولا دينيًا محددًا، ففي مزيج منوع من كافة المذاهب والتيارات، مسلمون ومسيحيون ويهود، ليبراليون وعلمانيون، ناشطون من الشرق والغرب، الشمال والجنوب، هذه التوليفة تحول كل سفينة رغم صغرها لصورة مصغرة من العالم الذي يجتمع لنصرة المظلوم في وجه الظالم.
الرمزية السياسية: يحمل الأسطول ثلاثة رسائل سياسية مباشرة، أولها للكيان المحتل، حيث التأكيد على رفض الحصار وتحد السياسات العنصرية التي يمارسها مع الفلسطينيين، والتنديد بمخطط الاحتكار الإسرائيلي للبحر والحدود وفرض حصاره المطبق على أكثر من مليوني إنسان داخل القطاع الضيق.
كما تحمل الرسالة ذاتها نبذًا دوليًا للكيان الإسرائيلي بعدما سقطت أقنعته المزيفة التي حاول خداع العالم بها سنوات طويلة، وعزلة ما كان يتوقعها الإسرائيليون وحلفائهم، إذ أن اجتماع هذه التشكيلة من مختلف الأطياف والتيارات والدول إنما هو اعتراف مباشر وعلني بحجم ما وصلت إليه إسرائيل من رفض دولي، سياسي وشعبي.
الرسالة الثانية موجهة للمجتمع الدولي، العاجز عن نصرة الشعب الفلسطيني المحاصر، ومحاسبة الكيان عن جرائمه العنصرية التي يرتكبها بالصوت والصورة وعلى الهواء مباشرة والتي لا تحتاج لأي جهد لتوثيقها، فمثل تلك الأساطيل تفضح القرارات الأممية الصادرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وتفرغها من مضمونها، حيث بقيت النصوص المطالبة برفع الحصار حبراً على ورق.
الرسالة الثالثة موجهة للفلسطينيين، حيث دعمهم سياسيًا بشكل غير مباشر، من خلال التأكيد على أن حصارهم غير شرعي في القانون الدولي، فكل سفينة ترفع علمًا أوروبيًا أو لاتينيًا أو آسيويًا أو عربيًا، تضع إسرائيل أمام مأزق، فهي لا تعترض الفلسطينيين فقط، بل تواجه دولًا ومجتمعات عالمية.
القافلة تحمل رمزية أخرى للغزيين على وجه الخصوص مفادها أن معركتهم ليست معزولة، وأن هناك من يقف معهم سياسيًا في الخارج. وهذا يعزز صمودهم ويضعف رواية الاحتلال الساعية لعزلهم وإضعاف معنوياتهم.
الأسطول وما سبقه من الممكن أن يكون ورقة ضغط سياسية وأخلاقية ضد الحكومات والأنظمة العربية المتخاذلة، إذ إن خروج سفن من موانئ أوروبية وتمر عبر دول كانت في السابق حليفة لتل أبيب، فيه حرج كبير للأنظمة الإقليمية التي قد تصمت أو تتواطأ، وتُظهر التناقض بين خطاب الحكومات ومواقف شعوبها، وهذا البُعد السياسي يعزز صورة الأساطيل كأداة مقاومة ناعمة تضرب في العمق الدبلوماسي.
في الأخير.. فإن أسطول الصمود العالمي لا يقتصر على كونه محاولة بحرية لنقل المساعدات إلى غزة، بل يتجاوز ذلك ليصبح فعلًا رمزيًا يختزل إرادة الشعوب في مواجهة الظلم، إذ يفضح صمت المؤسسات الدولية، ويعيد وضع القضية الفلسطينية في واجهة الاهتمام العالمي، مؤكدًا أن الحصار والإبادة لا يمكن أن يُبرَّرا تحت أي ذريعة.
وبينما قد يعترض الاحتلال طريقه كما فعل مع المحاولات السابقة، وقد يجبره على التراجع دون إتمام أهدافه كاملة، فإن رسالته تظل أقوى من جدار الحصار، إذ يحمل للعالم شهادة حيّة على أن غزة ليست وحدها، وأن البحر – مهما حاولوا تحويله إلى أداة خنق – سيظل جسرًا للحرية وصوتًا للإنسانية العابرة للحدود، وأن قضية فلسطين – وغزة تحديدًا – أصبحت معيارًا لمدى التزام العالم بالعدالة وحقوق الإنسان.