ترجمة وتحرير: نون بوست
باستخدام الأقمار الصناعية التي تدور فوق المساحات الشاسعة من إقليم دارفور غربي السودان، وثّق محققو جرائم الحرب سلسلة من الفظائع المتتالية، في وقت تواصل فيه قوات الدعم السريع شبه العسكرية إحكام قبضتها.
وقال ناثانييل ريموند، مدير مختبر البحوث الإنسانية في جامعة ييل: “نحن نرصد المقابر من الفضاء، ونُحصي الموتى، وتتزايد أعدادهم بشكل متسارع”.
لأكثر من عام، ظل ريموند يقدّم إحاطات لمجلس الأمن الدولي ووزارة الخارجية الأمريكية ووزارة الخارجية البريطانية بشأن خطورة الوضع في مدينة الفاشر؛ دون أن يُحدث ذلك تأثيرًا يُذكر.
يجد نحو مليوني شخص في المدينة والقرى والمخيمات المحيطة أنفسهم وسط معركة محورية في الحرب الأهلية السودانية، بين قوات الدعم السريع بقيادة الجنرال المتمرّد محمد حمدان دقلو، المعروف بـ”حميدتي”، من جهة، والقوات المسلحة السودانية والميليشيات المتحالفة معها من جهة أخرى.
بعد أن فقدت سيطرتها على معظم مناطق شرق ووسط السودان، بما في ذلك العاصمة الخرطوم، تخوض قوات الدعم السريع معارك لطرد الجيش من آخر معاقله المتبقية في الغرب، وذلك بدعم وتسليح يُزعم أن مصدره الإمارات، التي قد نفت تقديم أي دعم لهذه القوات.
غير أن مدينة الفاشر أصبحت أيضًا الملاذ الأخير لمئات الآلاف من الأفارقة السود المنتمين إلى قبائل المساليت والفور والبِرتي والزغاوة، الذين تم تهجيرهم من أراضيهم خلال موجات سابقة من التطهير العرقي.
وتعود أصول قوات الدعم السريع إلى ميليشيا الجنجويد التي بدأت هذا المسار. وقد تكوّنت الجنجويد بشكل أساسي من العرب الرحالة الذين يتنافسون على الموارد النادرة في الإقليم، وأطلقتهم حكومة الخرطوم لأول مرة لقمع تمرد متصاعد في دارفور قبل أكثر من عقدين، ما أسفر عن مقتل نحو 300 ألف شخص في أعمال العنف.
وقد راقب فريق المحققين التابع لريموند حصار قوات الدعم السريع لمدينة الفاشر، الذي امتد لـ500 يوم، بتفاصيل دقيقة من خلال صور الأقمار الصناعية، مدعّمة بمقاطع فيديو وشهادات من الميدان لتوثيق جرائم حرب محتملة.
ويستحضر الناس في أذهانهم المجازر التي رافقت سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الجنينة في دارفور عام 2023، حيث قُتل آلاف من أبناء جماعة المساليت العرقية، ما دفع الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات على حميدتي بتهمة ارتكاب جرائم إبادة جماعية.
وحذّر فريق جامعة ييل وعمال الإغاثة وسودانيون على اتصال مع سكان مدينة الفاشر هذا الأسبوع من أن الحصار قد يقترب من نهاية دموية مماثلة لما حدث سابقًا.
واقتربت المعارك من محيط المطار، بالقرب من تمركز فرقة القوات المسلحة السودانية المنهكة، والقوات “المشتركة” المتحالفة معها من مجموعات المتمردين السابقة في دارفور.
سقوط المدينة سيمنح قوات الدعم السريع، التي أنشأت مؤخرًا حكومة موازية في الإقليم، السيطرة الكاملة على الأقاليم الثلاثة في دارفور، ويعزز نفوذها في رسم ملامح مستقبل السودان.
وقال ريموند: “على الناس أن يدركوا أن هذا الأمر يتجاوز حدود الحرب الأهلية”، محذّرًا من أن سقوط مدينة الفاشر سيُكمل مشروع الهيمنة العربية في دارفور، وهو مشروع “تم الإعداد له منذ أجيال”.
حقل الألغام الذي نُصب حول المدينة يشكّل خط الدفاع الأخير عنها. ويُقدّر عدد السكان المحاصرين داخلها بنحو 260,000 شخص وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة؛ حيث يُطوّقون من جميع الجهات، والمخرج الوحيد هو نقطة تفتيش تابعة لقوات الدعم السريع بعرض 50 مترًا، يُقال إن الناس تعرّضوا فيها للنهب والقتل، بحسب جامعة ييل، وبالكاد تدخل أي مواد غذائية.
وقال معمر إبراهيم، الصحفي السوداني المحاصر داخل المدينة، والذي تتدهور حالته الصحية: “تبدأ الأيام وتنتهي هنا بالقصف المتواصل؛ حيث يُقتل المدنيون في منازلهم وفي الشوارع، وحتى من يحاولون الفرار يُقتلون على الطرقات”.
وقال عبر رسالة نصية: “يكافح الناس هنا من أجل الحصول على الطعام. وبسبب الوضع الكارثي، اضطر كثيرون إلى تناول علف الحيوانات”.
صور الأقمار الصناعية تُظهر توسّعًا في المقابر شمال غرب مدينة الفاشر
في يوليو من العام الماضي، صنّفت اللجنة المستقلة لمراجعة المجاعة مخيمات النازحين حول مدينة الفاشر ضمن المرحلة الخامسة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو أعلى مستوى تحذيري عالمي لانعدام الأمن الغذائي، وهو نفس التصنيف الذي مُنح لغزة الأسبوع الماضي.
وقال عمال الإغاثة إنهم لم يشهدوا ظروفًا بهذا السوء من قبل. وقد تفاقمت المجاعة بسبب النقص الحاد في التمويل المقدّم من الولايات المتحدة وغيرها من الجهات المانحة الغربية، إلى جانب تفشّي الكوليرا مؤخرًا.
وقال سيلفان بينيكود، مدير مشروع منظمة أطباء بلا حدود في بلدة طويلة، الواقعة على بُعد 60 كيلومترًا من مدينة الفاشر وتؤوي مئات الآلاف من النازحين: “هذه من أسوأ الحالات التي رأيتها على الإطلاق”.
وقال: “الوضع هنا فريد من نوعه بالفعل من حيث عدد الأشخاص المتضررين، ومستوى المعاناة، وكذلك ضعف التمويل الدولي للاستجابة الإنسانية”.
وتستعد منظمة أطباء بلا حدود للتعامل مع أعداد كبيرة من الضحايا في حال سقوط مدينة الفاشر. وقال أحمد عبد الله، المصوّر الفوتوغرافي الذي فرّ من المدينة ويقيم الآن في طويلة: “لا يمكن وصف الوضع إلا بأنه بؤس إنساني مطلق”.
وقال عبد الله إن الرجال الذين يتمكنون من الفرار يواجهون خطر اتهامهم من قبل قوات الدعم السريع بأنهم مقاتلون، ليُعدموا فورًا. وأضاف أن العديد من النساء تعرّضن للاغتصاب أو الاختطاف على الطرقات، أو سُرقت ممتلكاتهن.
في بيان لها، نفت قوات الدعم السريع استهدافها للمدنيين في محيط مدينة الفاشر، وألقت باللوم على خصومها في القوات المسلحة السودانية وحلفائهم، متهمةً إياهم بـ”استخدام المدنيين كدروع بشرية في محاولة يائسة لعرقلة تقدم قواتنا”.
داخل مدينة الفاشر، تبدو الأوضاع أكثر سوءًا. فقد أظهرت آخر تقييم أجرته وكالات الإغاثة في مارس/ آذار أن 38 بالمائة من الأطفال دون سن الخامسة يعانون من سوء تغذية حاد. ويعكس هذا الرقم حجم الكارثة الإنسانية المتفاقمة في ظل الحصار المستمر؛ حيث يُحرم الأطفال من الغذاء والعلاج، وتُقيّد عمليات الإغاثة بشكل شبه كامل.
وقال عمر إسماعيل، وزير الخارجية السوداني السابق، إن القليل من الطعام الذي يدخل إلى المدينة يُهرّب عبر التجار في ظروف شديدة الخطورة، ثم يُباع بأسعار تفوق قدرة معظم السكان على الشراء. إذ يبلغ سعر كيلو الدقيق 50 دولارًا.
وقال إسماعيل، الذي يتواصل يوميًا مع المدينة، إن السكان يختنقون تحت وطأة الاستغلال. وقد تفككت العملة المحلية حرفيًا، والتطبيقات المصرفية تفرض عمولات تصل إلى 40 بالمائة على التحويلات المالية. وتعتمد الاتصالات الهاتفية والإنترنت على أجهزة ستارلينك الفضائية، التي تقع في الغالب تحت سيطرة قادة قوات الدعم السريع أو خصومهم داخل المدينة. أما الكهرباء اللازمة لشحن الهواتف، فهي نادرة للغاية.
وأضاف إسماعيل أن مدينة الفاشر تحوّلت إلى ورقة مساومة في يد من يسعون لتقاسم مكاسب ما سيؤول إليه السودان، محذرًا من أن المعركة الأخيرة للسيطرة عليها ستكون دامية لا محالة، لأن جزءًا كبيرًا من السكان داخلها “مستعدون للقتال”.
وفي الأشهر الأخيرة، عزّزت قوات الدعم السريع قبضتها على مدينة الفاشر من خلال فرض سيطرة جوية، وفقًا لتحليلات عسكرية. وقد توقفت طائرات الأنتونوف التابعة للقوات المسلحة السودانية، التي كانت تُحلّق لإسقاط الغذاء والذخيرة، عن الوصول. كما اختفت دبّابة تي55 القديمة التي كانت تحرس أحد مداخل المدينة.
وفي المقابل، تمتلك قوات الدعم السريع تجهيزات عسكرية متقدمة تشمل طائرات مسيّرة وصواريخ أرض جو، ومركبات “هيلوكس” رباعية الدفع مزوّدة بمدافع هاوتزر ومدافع مضادة للطائرات.
وقال ريموند من جامعة ييل: “في نهاية المطاف، ستفرض قوانين الفيزياء البسيطة نفسها – ستنفد المؤن والذخيرة من القوات المسلحة السودانية”.
في أبريل/نيسان، قُتل المئات من المدنيين، وفقًا للأمم المتحدة، عندما شنّت قوات الدعم السريع هجومًا على مخيم زمزم المجاور، مما أدى إلى إفراغه من نحو 500,000 شخص كانوا يقيمون فيه. وكانت فرق الرصد التابعة لجامعة ييل قد حذّرت لأسابيع من هجوم وشيك على المخيم، وهي الآن تُطلق التحذيرات ذاتها بشأن مدينة الفاشر.
وقال ريموند: “للأسف، نحن نمتاز بكوننا أدق نظام تحذير علني من الإبادة الجماعية وجرائم الفظائع الجماعية في التاريخ”، مضيفًا: “غياب التحرك الدولي يُشعرني بالخجل نحن نعتبر عرضًا لفشل كامل في أجندة حماية المدنيين التي وُضعت بعد سربرنيتسا ورواندا”.
المصدر: فاينانشال تايمز