في تصعيد جديد لا يخرج عن نهجها المعروف، أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يوم الجمعة 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تجميد جميع قرارات اللجوء عقب حادث إطلاق النار الذي استهدف عنصرين من الحرس الوطني قرب البيت الأبيض، وجاء القرار ليؤكد اتجاهًا متشددًا طالما ميّز سياسات ترامب تجاه الهجرة.
وأكد ترامب أن إدارته ستعمل على وقف الهجرة بشكل دائم من دول العالم الثالث إلى حين “تعافي النظام الأميركي بالكامل”، ملوّحًا في الوقت نفسه بإلغاء ملايين طلبات الدخول التي مُنحت خلال فترة سلفه جو بايدن، وبـ”إبعاد أي شخص لا يمثل قيمة حقيقية للولايات المتحدة”.
وفي منشور على منصة “تروث سوشيال”، مضى ترامب أبعد من ذلك، معلنًا عزمه إنهاء جميع المزايا والإعانات الفدرالية لغير المواطنين، ومتوعدًا بـ”نزع الجنسية” عن المهاجرين الذين يعتبرهم مهددين للأمن الداخلي، فضلًا عن ترحيل أي أجنبي يشكّل عبئًا على الدولة أو خطرًا أمنيًا أو لا ينسجم -بحسب تعبيره- مع “الحضارة الغربية”.
هذه الإجراءات لا تمثل سابقة في سجل ترامب، إلا أنها تعكس بوضوح المسار الذي اتخذته سياسته تجاه اللاجئين والمهاجرين خلال ولايتيه الأولى والثانية؛ إذ تحوّل استهداف ملف الهجرة إلى ركن ثابت في خطابه السياسي، وأداة وظّفها بمهارة لتحقيق مكاسب انتخابية وسياسية، مستندًا إلى خطاب شعبوي يعيد إنتاج المخاوف ويستثمرها لتعزيز قاعدته الداعمة.
عدو اللاجئين.. إسهال من القرارات
على امتداد ولايتيه الأولى وما مضى من ولايته الثانية حتى اللحظة، اتخذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب سلسلة من الإجراءات التي وصفتها منظمات حقوقية ومحللون بأنها الأشد قسوة في تاريخ السياسات الأميركية تجاه اللاجئين والمهاجرين، حتى بات يُشار إليه على نطاق واسع بصفته “عدوّ اللاجئين الأول” في الولايات المتحدة.
الولاية الأولى (2017 – 2021): بداية التحول الكبير
بدأ ترامب ولايته الأولى بخطوات اعتُبرت صادمة للمجتمع الدولي وللمعنيين بحقوق الإنسان، ففي 27 يناير/كانون الثاني 2017 أصدر أمرًا تنفيذيًا يقضي بحظر دخول المسافرين والمهاجرين واللاجئين من سبع دول ذات أغلبية مسلمة، قبل أن يتوسع نطاق القرار لاحقًا ليشمل 13 دولة بحلول عام 2020. وقد حظي هذا الحظر بغطاء قانوني بعد أن أيدته المحكمة العليا في يونيو/حزيران 2018.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2018، شدد ترامب نهجه بإصدار قرار يحظر على أي شخص عبَر الحدود بين المنافذ الرسمية طلب اللجوء، في خطوة هدفت إلى الحد من الهجرة غير النظامية، كما أطلق في العام ذاته سياسة “التسامح الصفري” التي أدت إلى فصل آلاف العائلات على الحدود الجنوبية.
الولاية الثانية (2025): تشدد متسارع وإجراءات أشد صرامة
مع عودته إلى البيت الأبيض عام 2025، استأنف ترامب سياساته الأكثر تشددًا بوتيرة متسارعة، ففي 20 يناير/كانون الثاني 2025، أصدر حزمة أوامر تنفيذية تضمنت، إعلان حالة طوارئ على الحدود مع المكسيك، حظر تقديم طلبات اللجوء بشكل شبه كامل، إنهاء سياسة “الإمساك والإفراج” التي كانت تسمح للمهاجرين بانتظار مواعيد محاكمتهم خارج مراكز الاحتجاز، وقف معظم برامج قبول اللاجئين.
وفي 29 يناير/كانون الثاني 2025، وقّع الرئيس “قانون لاكن رايلي”، الذي يفرض احتجازًا إلزاميًا للمهاجرين المتهمين بجرائم محددة، مثل السرقة والاعتداء، حتى قبل صدور أحكام نهائية بحقهم.
وتصاعدت الإجراءات في أبريل/نيسان 2025، حين نفذت السلطات عمليات ترحيل جماعي قُدِّر عدد المرحّلين فيها بين 140,000 و207,000 شخص، إلى جانب توسيع العمل بنظام الإزالة السريعة، وإعادة تفعيل بروتوكولات “ابقَ في المكسيك” التي تُجبر طالبي اللجوء على الانتظار خارج الأراضي الأميركية طوال فترة دراسة ملفاتهم.
انتهاكات إنسانية بالجملة
أسهمت سياسات إدارة ترامب في إحداث موجة واسعة من الانتهاكات الإنسانية التي طالت مئات الآلاف من اللاجئين والمهاجرين، بدءًا من أوامر حظر السفر على دول ذات أغلبية مسلمة، والتي حرمت عائلات كاملة من حق اللجوء ولمّ الشمل، وصولًا إلى إلغاء تأشيرات قانونية وتعطيل مسارات الهجرة النظامية.
وفي عام 2018، عمّقت سياسة “التسامح الصفري” الأزمة الإنسانية عبر فصل آلاف الأطفال عن ذويهم في مشاهد صادمة اعتُبرت خرقًا صارخًا لاتفاقيات حقوق الطفل ومبادئ عدم الإبعاد التعسفي.
بلغ عدد الأطفال المفصولين عن ذويهم أكثر من 5500 طفل، بحسب تقرير المفتش العام لوزارة الأمن الداخلي
ومع عودته إلى السلطة عام 2025، صعّد ترامب نهجه عبر أوامر طوارئ أدت إلى ترحيل سريع دون إجراءات قضائية كافية، وإنهاء سياسة “الإمساك والإفراج”، ما ضاعف فترات الاحتجاز وأعاد إنتاج ممارسات أشبه بالعقاب الجماعي.
وزاد “قانون لاكن رايلي” من وطأة الوضع بفرض احتجاز إلزامي حتى على من وُجهت لهم تهم بسيطة، قبل أن تتوسع عمليات الترحيل الجماعي إلى نحو 207 آلاف شخص، وإحياء برنامج “ابقَ في المكسيك” الذي يعرض طالبي اللجوء لمخاطر أمنية وصحية، ويقوّض مبدأ عدم الإعادة القسرية.
أكثر من 71,000 طالب لجوء أجبروا على البقاء في المكسيك بين 2019–2021 (بحسب منظمة حقوق الإنسان أولًا)
الهجرة كورقة انتخابية
منذ انطلاق حملته الانتخابية الأولى عام 2016، صاغ دونالد ترامب خطابًا يقوم على إثارة المخاوف الجماعية وتوجيهها نحو “الآخر”، واضعًا شعار “أمريكا أولًا” في قلب رؤيته السياسية، وقدّم نفسه بوصفه الزعيم الذي يقف على خطوط الدفاع الأولى لحماية الأميركيين من “التهديدات الخارجية”، في محاولة لتكريس صورة القائد الذي يضع الأمن القومي فوق كل اعتبار، حتى لو كان الثمن ضرب أسس القانون الدولي وقيم التعددية التي قامت عليها الدولة الأميركية الحديثة.
ولم يتردد ترامب في استثمار التدهور الاقتصادي والأمني الداخلي لتحميل المهاجرين واللاجئين مسؤولية الأزمات البنيوية التي تعيشها الولايات المتحدة، مستغلًا حالات فردية ومعزولة ليصوغ منها سردية قومية متخمة بالتضخيم.
هذا الخطاب الشعبوي وجد صدى واسعًا لدى شرائح من الأميركيين، وخاصة التيارات اليمينية المتطرفة وأنصار التفوق القومي، ممن رأوا في ترامب -الذي يعود في جذوره لأصول مهاجرة- من يتحدث بصوتهم ويعبّر عن مخاوفهم الحقيقية أو المتخيلة، وهكذا، تحوّل ملف الهجرة إلى أحد أعمدة مشروعه السياسي، وإلى أداة حشد فعّالة في معاركه الانتخابية.
المهاجرون يساهمون بـ 2 تريليون دولار سنويًا في الناتج المحلي الأميركي، بحسب مجلس الهجرة الأمريكي
ومع كل أزمة سياسية أو اقتصادية واجهها، اختار ترامب الهروب إلى الأمام عبر البحث عن “عدو داخلي” يلقي عليه أعباء الفشل، وكانت جماعات المهاجرين هي الهدف الأسهل والأكثر قابلية للتوظيف، فمن خلالها يحرّك مشاعر القاعدة القومية، ويرسّخ فكرة أن مشكلات البلاد ليست نتيجة سوء الإدارة أو ضعف السياسات العامة، بل نتيجة “تراخي” الإدارات السابقة، وفي مقدمتها إدارة جو بايدن.
ولعلّ ما يدفع ترامب للاستمرار في هذا النهج هو إدراكه العميق بأن ورقة التخويف من المهاجرين تبقى الأكثر فعالية في بيئة سياسية مشحونة، واقتصاد يرزح تحت ضغوط متزايدة، الأمر الذي يجعله يعود إليها مرارًا كلما تعثرت سياساته أو تراجعت شعبيته، على أمل أن تحقق له ما فشلت في تحقيقه الإدارة الرشيدة وصناعة القرار المتوازن.
أداة ابتزاز وضغط جيوسياسي
أعادت حادثة إطلاق النار قرب البيت الأبيض، والمتهم فيها الشاب الأفغاني رحمان الله لاكانوال، فتح باب واسع من التساؤلات حول توظيف إدارة ترامب للأحداث التي يكون أبطالها مهاجرون أو لاجئون لخدمة أجندات سياسية أوسع.
فالغموض الذي يحيط بالواقعة، وغياب أي معلومات رسمية حول دوافع المتهم -الذي كان في السابق متعاونًا مع الاستخبارات الأمريكية، حسبما كشفته “نيويورك تايمز“، وحصل لاحقًا على إقامة قانونية في الولايات المتحدة- يثير شكوكًا حقيقية بشأن تحويل الحادثة إلى أداة للابتزاز السياسي وتبرير قرارات يتعارض بعضها مع الدستور والقانون.
وقد استغل ترامب هذا الحدث سريعًا لإحياء مشروعه القديم بوقف الهجرة من دول “العالم الثالث”، وربطه بملف الضغط على طالبان بعد رفضها تسليم قاعدة باغرام الجوية، التي ترى واشنطن أنها محور استراتيجي لاحتواء التمدد النووي الصيني المتسارع.
تشير إحصائيات ICE إلى إجراء أكثر من 7000 رحلة ترحيل جوي في عامي 2023–2024 وحدهما
وفي غضون ساعات من الواقعة، أقدمت الإدارة الأميركية على تجاوز واضح لقرارات القضاء، بعد تجاهل حكم القاضية الفيدرالية جيا كوب ببطلان نشر قوات الجيش والحرس الوطني في شوارع واشنطن، ليعلن وزير الدفاع عن تعزيزات جديدة قوامها 500 جندي مع التلميح بنشر المزيد لاحقًا في مختلف الولايات، في خطوة تُعد سابقة خطيرة في تحدي السلطة القضائية.
لكن التطور الأخطر يتمثل في تحول الملف الأفغاني من خانة الخلافات الدبلوماسية إلى ما تصفه الإدارة بأزمة تمس الأمن القومي، تمنح ترامب فرصة لإعادة الانخراط في آسيا الوسطى، ويأتي ذلك في لحظة تتفاقم فيها مخاوف واشنطن من توسع القدرات النووية الصينية وتنامي التوترات في بحر الصين الجنوبي واحتمالات التصعيد حول تايوان.
في المحصلة، يواصل دونالد ترامب التعامل مع ملف الهجرة بوصفه ورقة ابتزاز سياسي لا أداة إدارة حكومية، موظفًا معاناة المهاجرين واللاجئين لتحقيق مكاسب داخلية وخارجية دون أي اعتبار لتداعيات ذلك إنسانيًا أو لصورة الولايات المتحدة عالميًا.
وهكذا لم يعد المهاجرون طرفًا في نقاش حقوقي أو إنساني، بل أصبحوا وقودًا لمعادلات القوة وصراعات النفوذ، تدفع ثمنها آلاف العائلات التي تتبدد أحلامها على حدود أميركا، بينما تتآكل مكانة “البلد الذي يقود العالم الحر” أمام أعين من طالما نظروا إليه كرمز للعدالة والكرامة الإنسانية.
