في غرفة الجراحة في المستشفى الأهلي العربي “المعمداني”، يرقد الطفل محمود البهتيني بقدمه اليسرى المبتورة، وجسده الغضّ ملفوف بالشاش الأبيض الذي تتقطّر منه الدماء واليود، فيما تمتد أنامل والده لمساندته في جلسته وتمسح دمعةً حارّة تنساب على خده الأيمن. وهناك، وهو يفتتح أولى جراحاته، تسلّل صوته بنبرة حسرة: “كيف راح أبدأ حياتي بدون رجلي؟ مين بده يلعب معي الكورة بالشارع؟”.
يستعيد ابن الخامسة عشرة الحدث المأساوي الذي فتك بقدمه وجسده، ويروي لـ”نون بوست”: “في الأول من أكتوبر/تشرين الثاني من العام الحالي، خرجتُ من بيتنا في حيّ التفاح إلى بداية الشارع لجلب طعام التكية المكوّن من الأرز، و”التكية” بعدما عشنا المجاعة تعني طعام اليوم كاملًا، وعدم جلبها يعني الجوع لعائلتي المكوّنة من ثمانية أفراد”.
يمرّر محمود أنامله على مكان رجله المبتورة، ويتحسّس جرحه: “لم أسمع صوت المسيَّرة الإسرائيلية وهي تُلقي قنبلة كواد كابتر من الأعلى، شعرت فقط بالألم والدماء تسيل من جسدي وقدمي. ولا أستطيع حتى اللحظة نسيان بقائي مُلقى على الأرض في خيام مستشفى المعمداني، وقدمي تنزف، وبعد ساعات التفت الأطباء لحالتي وتم تزويدي بوحدات الدم”.
ومع استمرار عقارب الساعة بالدوران، أُدخل محمود إلى غرفة العمليات، فيما كان جسده يتأوّه من شدّة الألم والصراخ، لكن الوقت كان قد فات لإنقاذ قدمه من البتر. يطرِف محمود بعينيه ويقول: “استفقتُ على السرير، وبيدي محلول طبي، وجسدي ملفوف بالشاش الأبيض. كنت أشعر بألم شديد من أعلى فخذي”. يتوقف لثوانٍ قبل أن يتابع: “صرخت وسألت والدي: وين رجلي؟ فقال لي: بُترت من فوق الركبة… ربنا يعوّضك خير يا محمود”.
ثقل الحرب
الطفل محمود واحدٌ من بين ستة آلاف فلسطيني تعرضوا للبتر، ويمثّل الأطفال نحو 25% من إجمالي الحالات خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على مدينة غزة، التي أصبحت موطنًا لأكبر مجموعة من الأطفال مبتوري الأطراف في التاريخ الحديث، وفقًا للأمم المتحدة.
خلال مقابلتنا محمود، كان والده الأربعيني، صقر البهتيني، يجلس إلى جواره ويُحضّر له كأسًا من الشاي، ثم شاركنا الحديث قائلًا: “سيدخل طفلي شهره الثالث راقدًا على سرير المشفى، دون أن يقف أو يخطو خطوة واحدة من دون مساعدتي. حتى الذهاب إلى الحمّام لم يعد قادرًا عليه كما كان سابقًا، وأنا أتولى مهمة إطعامه، لأن يده اليمنى ما تزال تخضع لعمليات جراحية بعد أن فقد جزءًا من عضلتها وتمركزت الشظايا داخلها”.
يتحدث محمود بصوتٍ مُتهدّج، وملامح الحزن تملأ وجهه: “الاحتلال قتل شقيقي الأكبر، وسرقت الإبادة رجلي، ونالت الشظايا من كل جسمي”. يمسح دمعة سالت على خده ويتابع: “نفسي أرجع ألعب كورة… وأمشي لحالي. معقول ترجع رجلي لما أكبر شوي؟”.
شهد قطاع غزة، منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تصاعدًا حادًا في أعداد المصابين بحالات البتر نتيجة الإبادة الإسرائيلية المدمّرة، وسط نقص شديد في المعدات الطبية والأدوات اللازمة لتصنيع الأطراف الصناعية، بسبب الإغلاق المستمر للمعابر ومنع دخول المستلزمات الأساسية، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية.
“محمود رجلٌ بعمر طفل، هو يدي اليمنى في شغل البيت. أشقاؤه صغار، لا تتجاوز أعمارهم الأربعة أعوام. كان هو من يملأ الماء وينقله للبيت، ويكسر الحطب ويوقد النار لطهي الطعام، ويذهب إلى السوق لشراء حاجات البيت”، تقول أمل رشيد، زوجة والده.
تضع أمل يدها على خدها وتحدّثنا: “محمود ابني الذي لم أنجبه. حزينة على طفولته وحياته التي دمّرتها حرب الإبادة، وعلى نفسيته التي تسوء يومًا بعد يوم بعد بتر رجله التي كان يلعب بها الكورة. كانت هوايته المفضلة، وكان يحلم أن يصير لاعبًا مشهورًا مثل رونالدو وميسي”.
وعن تعامل العائلة مع حالة محمود النفسية، تُخبر “نون بوست” بصوت تختلط فيه المرارة بالعجز: “خلال زيارتي اليومية له في المشفى، دائمًا يكرر: شوفي يمّه… بترولي رجلي. وأنا أحاول أن أخفف عنه، وأمنحه الأمل بأن البتر مش نهاية، وأنه سيواصل تعليمه، وسنبذل كل جهد لنركّب له طرفًا صناعيًا. ودائمًا ندعو الله أن ييسر علاجه وسفره”.
يؤثر غياب الأطراف الصناعية والأدوات المساعدة لإنتاجها سلبًا على المصابين والجرحى الذين يحتاجون إلى أطراف صناعية لممارسة حياتهم بصورة طبيعية، ويدفعهم إلى معاناة جسدية وحالة نفسية شديدة الصعوبة.
“خلال عامين من الحرب على قطاع غزة، سجلت وزارة الصحة أكثر من 170 ألف إصابة، و6 آلاف حالة بتر، 25% منها لدى الأطفال، فيما بلغت نسبة النساء 12.5% من الحالات. وأكثر من 18% من الإصابات تحتاج إلى تأهيل وعلاج طبيعي طويل المدى، وقد تتحول إلى إعاقات دائمة في حال غياب الرعاية الصحية وعدم تقديم الخدمات اللازمة”، يقول المهندس زاهر الوحيدي، مدير مركز المعلومات الصحية بوزارة الصحة في قطاع غزة.
ويتابع مدير المركز: “هناك 30 ألف إصابة بحاجة إلى تأهيل في مراكز العلاج والمتابعة والدعم لفترة طويلة، في ظل النقص والعجز اللذين يفتعلهما الاحتلال الإسرائيلي بحق المصابين والجرحى في قطاع غزة”.
ويضيف: “يتعمّد الاحتلال منع إدخال العلاجات والأدوات الطبية المساعدة للمبتورين، بما في ذلك المواد الخام. فقد كان هناك مركز للأطراف الصناعية تابع لبلدية غزة، ومركز آخر في مستشفى سمو الشيخ حمد للتأهيل والأطراف الصناعية، لكنهما متوقفان عن العمل لعدم قدرتهما على إنتاج الأطراف نتيجة غياب المواد اللازمة لذلك”.
ويختتم الوحيدي حديثه مع “نون بوست”: “نناشد العالم الإنساني ضرورة فتح معبر رفح لإجلاء الجرحى والمصابين والمرضى، والعمل على إدخال الأدوية والمعدات والأطراف الصناعية اللازمة لتمكينهم ومساندتهم، بالإضافة إلى إرسال الوفود المتخصصة إلى قطاع غزة لإسناد الطواقم الصحية”. فخلف كل طرف مبتور، إرادةٌ وعزيمة تحاول إسكات صوت جرحها، وتخطّ طريقًا نحو بناء مستقبل جديد.