أصدر البرلمان الأوروبي، يوم 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قرارًا شديد اللهجة أدان فيه بوضوح العنف المرتكب من طرفي الصراع، الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، في تطوّر اعتبره محللون منعطفًا حاسمًا في تعاطي أوروبا مع الأزمة السودانية،
القرار، الذي حظي بتأييد كاسح بلغ 503 أصوات مقابل 32 صوتًا معارضًا وامتناع 52 عضوًا، استخدم لغة غير مسبوقة في توصيف ما يجري، فقد اعتبر أن الهجمات العشوائية ضد المدنيين واستهداف الأقليات العرقية والانتهاكات الجنسية والتعذيب وتجنيد الأطفال والاعتداء على المستشفيات والبنى الإنسانية، إضافة إلى التجويع المتعمّد للمدنيين، قد ترقى إلى مستوى جرائم إبادة جماعية.
ويرى مراقبون أن لهجة القرار تعكس تحولًا نوعيًا في الموقف الأوروبي، إذ تجاوزت بروكسل حدود البيانات التقليدية والإدانات الدبلوماسية إلى مقاربة أكثر صرامة وتأثيرًا، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل ترى أوروبا في الساحة السودانية فرصة لاستعادة دورها المتراجع في أفريقيا؟ وهل ستتمكن من توظيف هذا التحوّل السياسي لترسيخ نفوذها في مواجهة تنافس إقليمي ودولي متصاعد؟.
دبلوماسية متحفظة وحياد بارد
منذ اندلاع الحرب في السودان، اعتمد الاتحاد الأوروبي مقاربة حذرة أبقته على مسافة واحدة من طرفي النزاع، مكتفيًا بخطاب تقليدي يراوح بين القلق والإدانة، ويركّز أساسًا على حماية المدنيين ودعم جهود وقف النار والمساعدات الإنسانية.
وعلى الرغم من تحوّل نبرة بروكسل تدريجيًا منذ 2023، خصوصًا بعد توصيفها للصراع كحرب أهلية، فقد ظلّ الدور الأوروبي محصورًا في أدوات دبلوماسية محدودة، مع تأكيد متكرر على الحل السياسي والعودة إلى المسار المدني الذي سبق أن حذّر الاتحاد من انهياره منذ انقلاب 2022.
ومع تصاعد الانتهاكات خلال 2023 و2024، اتجه الخطاب الأوروبي نحو تشدد نسبي، فأصدر حزم عقوبات استهدفت قيادات من الجيش والدعم السريع على حدّ سواء، مستندًا إلى تقارير حقوقية أوروبية ودولية حمّلت الطرفين مسؤوليات جنائية واضحة.
لكنّ هذا التشدد بقي منضبطًا داخل إطار “الحياد”، رغم الضغوط السودانية المتكررة لدفع بروكسل إلى موقف أكثر وضوحًا، ولا سيما عقب سقوط الفاشر وما رافقه من فظائع نسبت إلى قوات الدعم السريع. وفي الوقت الذي طالب فيه مسؤولون سودانيون ومنظمات حقوقية الاتحاد بتسمية الداعمين الخارجيين، وفي مقدمتهم الإمارات، تجنّب الاتحاد الإشارة المباشرة إلى أدوار إقليمية حساسة، مكتفيًا بإدانة الانتهاكات دون تسمية أطرافها بالكامل.
هذا التردد الأوروبي، المتزامن مع انخراط أعمق في مفاوضات تجارية مع أبوظبي، أثار تساؤلات حول اتساق المقاربة الأوروبية، ودفع أصواتًا داخل البرلمان والدوائر الحقوقية للمطالبة بموقف أكثر صرامة يعيد للاتحاد وزنه الأخلاقي وقدرته على التأثير في مسار الأزمة السودانية.
تحول لافت في الخطاب
يتفق المحللون أن بيان مجلس الاتحاد الأوروبي هذه المرة وما رافقه من سجالات وخطابات برلمانية جانبية يختلف كثيرًا عن سابقيه، من حيث اللغة والمضمون، كاشفًا عن تحوّل ملحوظ في المزاج السياسي الأوروبي تجاه النزاع السوداني، ولا سيما تجاه ممارسات قوات الدعم السريع في دارفور، التي باتت محل إدانة واسعة داخليًا وخارجيًا.
البيان وما جاء به من تفاصيل تشير إلى نمط من العنف المنظّم، يشمل القتل الجماعي والاستهداف العرقي، واستخدام العنف الجنسي لترهيب المجتمعات، وعرقلة المساعدات الإنسانية، دفعت بروكسل إلى الانتقال من لغة القلق إلى توصيف أقرب إلى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، في تحول يعكس إدراكًا أعمق لخطورة ما يجري على مستوى النظام الدولي وحماية المدنيين.
البرلمان الأوروبي، في بيانه، أعرب عن قلق بالغ إزاء التدهور المتسارع للوضع الإنساني، مشيرًا إلى أن المجاعة باتت واقعًا في بعض المناطق، وأن السودان يعيش واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية عالميًا، داعيًا الأطراف المتحاربة إلى وقف استخدام التجويع والعنف الجنسي كأدوات حرب، وضمان وصول المساعدات دون قيود، مع تشديد خاص على حماية النساء والفتيات باعتبارها أولوية لا يمكن تجاوزها.
كما طالب البرلمان الجهات الخارجية بالالتزام بحظر الأسلحة الأممي، بوصفه عنصرًا أساسيًا للحد من تصاعد الصراع، وفيما يخص البعد السياسي، أكد تمسكه بسيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، واعترافه بشرعية الحكومة المدنية في الخرطوم، رافضًا أي محاولات لإنشاء سلطات موازية في المناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع.
وأوضح أن المسؤولية الرئيسية لوقف الحرب تقع على قيادات الدعم السريع والجيش والميليشيات المتحالفة معهما، إضافة إلى الجهات الداعمة لهما، محملًا إياهم كامل المسؤولية عن استمرار الأزمة وتداعياتها الإنسانية والأمنية.
تجاهل لدور الإمارات يثير الشك
برغم حدّة بيان البرلمان الأوروبي بشأن حرب السودان، فإن غياب أي إشارة إلى دور الإمارات، المتهم رئيسيًا بتمويل وتسليح قوات الدعم السريع، شكّل فجوة لافتة أثارت تساؤلات واسعة، فالحكومة السودانية تقدّمت رسميًا إلى مجلس الأمن متهمة أبوظبي بالتواطؤ في جرائم الإبادة، بينما تؤكد عشرات الأدلة والشهادات تورطها المباشر في تغذية النزاع.
هذا التجاهل الأوروبي فُسّر على نطاق واسع بأنه انعكاس لحسابات سياسية واقتصادية مع الإمارات، إذ تحدّثت مجلة “بوليتيكو” عن ضغوط كثيفة مارستها أبوظبي في أروقة البرلمان الأوروبي قبيل التصويت، بهدف تخفيف صياغة القرار ومنع أي إشارة صريحة إليها. وبحسب التقرير، عقد الوفد الإماراتي سلسلة اجتماعات في ستراسبورغ للترويج لدورها “البنّاء” في السودان، رغم الاتهامات الدولية الموثقة بدعمها لقوات الدعم السريع المتورطة في القتل الجماعي والعنف الجنسي والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان.
ورغم أن القرار النهائي دعا إلى معاقبة الميليشيات و”الممولين الخارجيين” من دون تسمية أي طرف، أكد نواب أوروبيون بارزون أنهم أبلغوا الوفد الإماراتي بوجود معلومات تشير إلى تورّط أبوظبي في تأجيج الحرب، لكن النص اكتفى بالإشارة للإمارات كجزء من مساعي الوساطة الإقليمية، لا كطرف مغذٍ للصراع.
ويأتي هذا المشهد في لحظة حساسة تشهد فيها العلاقات الأوروبية الإماراتية تقاربًا متزايدًا، في ظل سعي بروكسل إلى إبرام اتفاق تجارة حرة طموح مع أبوظبي، وهو ما دفع مراقبين وحقوقيين إلى اعتبار الضغوط الإماراتية محاولة لـ”احتواء الضرر” ومنع صدور موقف أوروبي أكثر صراحة حيال دورها في النزاع السوداني.
كما يرى محللون أن مشهد الحرب في السودان يفتح نافذة نادرة أمام أوروبا لمحاولة استعادة حضورها المتآكل في أفريقيا، بعد انتكاسها في الساحل والقرن الأفريقي لصالح قوى دولية منافسة، داخل أوروبا ترتفع أصوات تدفع نحو انخراط أكبر في الملف السوداني باعتباره مدخلاً لإعادة بناء النفوذ، غير أن هذا التوجه يضع بروكسل أمام معادلة معقدة.
فمن جهة، تتنامى الضغوط الحقوقية والسياسية الداخلية المطالِبة بموقف أكثر صرامة حيال الانتهاكات، مستندة إلى تقارير وشهادات موثوقة تدعو لآليات مساءلة مستقلة، وعقوبات، وتشديد حظر السلاح، بما يجعل حقوق الإنسان عنصرًا من عناصر النفوذ الأوروبي.
ومن جهة أخرى، تفرض الحسابات الإقليمية والجيوسياسية قيودها، إذ ترتبط أوروبا بعلاقات متشعبة مع قوى مؤثرة في النزاع، وفي مقدمتها الإمارات، ما يجعل تبني موقف حاد مهمة دقيقة تتطلب موازنة بين المبادئ والقوة الدبلوماسية والمصالح الاستراتيجية.
هل تٌستغل الفرصة؟
على الرغم من الانتقادات الموجّهة لبيان الاتحاد الأوروبي الأخير، خصوصًا لامتناعه عن توجيه إدانة صريحة للإمارات، يرى مراقبون أن نافذة الفرصة لا تزال مفتوحة أمام أوروبا لإعادة ترميم نفوذها الأفريقي، وتخفيف الأضرار التي لحقت بصورتها الأخلاقية بعد مواقفها الملتبسة من حرب غزة. فالتزام الحياد في لحظات صراع تتكشف فيها انتهاكات جسيمة لا يضعف التأثير الأوروبي فحسب، بل يرسّخ انطباعًا بأن بروكسل فقدت المبادرة الأخلاقية التي لطالما ادّعتها، ويفتح المجال أمام قوى دولية أخرى لتملأ الفراغ.
المقاربة الدبلوماسية التقليدية والتموضع على مسافة واحدة من أطراف النزاع، قد تفضي هذه المرة إلى إقصاء كامل لأوروبا من المشهد السوداني، وبالتالي من الجغرافيا السياسية الأفريقية لعقود مقبلة، أما التحوّل نحو أدوات ضغط أكثر فاعلية، والانخراط في مسارات مساءلة واضحة، وتبنّي موقف حاسم ينسجم مع الشرعية الدولية ويسمّي الأطراف الضالعة في الانتهاكات دون مواربة، فهو ما قد يفتح صفحة جديدة للدور الأوروبي في إدارة الأزمات، ويعيد لبروكسل قدرتها على التأثير والوساطة.
وبين هذين الخيارين، النهج الأخلاقي الجريء أو العودة إلى سياسة الموائمات، تقف أوروبا اليوم أمام اختبار حقيقي: هل تستعيد بوصلتها المبدئية وتحوّل الأزمة السودانية إلى لحظة استعادة نفوذ؟ أم تكرّر سقوطها في فخ الحسابات الضيقة، لتترك مسرح الأحداث لغيرها من القوى الصاعدة؟