في خضم جولة وزير الخارجية الصيني وانغ يي الشرق الأوسطية، تضغط بكين نحو توقيع اتفاقية التجارة الحرة مع مجلس التعاون الخليجي بعد مفاوضات امتدت لأكثر من عقدين، في وقت يبحث الخليج عن “هامش مناورة” بين واشنطن وبكين.
وأجرى الوزير الصيني منتصف ديسمبر جولة شملت الإمارات والسعودية والأردن، وقال خلالها إن المفاوضات التي بدأت قبل أكثر من 20 عاماً مع مجلس التعاون، وصلت إلى مرحلة “ناضجة” وأنه “حان الوقت لاتخاذ القرار النهائي”. فلماذا تعيد الصين طرح الاتفاقية الآن؟ وما احتمالات توقيعها؟
لماذا عادت الاتفاقية إلى الواجهة؟
1- تصاعد الحمائية والتحوّل في سلاسل التوريد: تشهد التجارة الدولية حالة من عدم اليقين بسبب حرب الرسوم بين الولايات المتحدة والصين، مما يدفع بكين إلى إعادة طرح توقيع الاتفاقية التي جرى الاتفاق على إطلاقها مع مجلس التعاون عام 2004 لكنها تعطلت بسبب خلافات مختلفة.
2- نضوج المفاوضات وتغير موازين القوى الاقتصادية: تشير تقارير مراكز أبحاث إلى أن نحو 90 % من شروط الاتفاقية جرى الاتفاق عليها، وخاصة أن الصين أصبحت من أكبر الشركاء التجاريين للخليج. وبلغ حجم التجارة بين دول المجلس وآسيا 516 مليار دولار خلال عام 2025، وتفوق على التجارة بين القارة الآسيوية والغرب (257 مليار دولار) للمرة الأولى.
3- الحاجة إلى هوامش مناورة بين واشنطن وبكين: الدول الخليجية تعتمد على الولايات المتحدة في الأمن لكنها أصبحت أكبر مورّد للنفط إلى الصين، ما يخلق توازناً حساساً. وترى بعض مراكز الدراسات مثل المجلس الأطلسي أن توقيع الاتفاقية يمكن أن يكون رسالة ضغط موجهة إلى واشنطن بأن الفراغ التجاري يملأه الآخرون، كما يعكس السعي لتقليل التعرض لعقوبات الغرب والتحوط عبر تنويع الشركاء الاقتصاديين.
ماذا تريد الصين؟
-
ضمان استقرار إمدادات النفط والغاز: تعد الصين أكبر مستهلك للنفط عالمياً ومعظم وارداتها تأتي من الشرق الأوسط. وقد بلغت صادرات مجلس التعاون إلى بكين 173 مليار دولار خلال عام 2023 معظمها من النفط والغاز، ما يجعلها قلقة من استخدام واشنطن إمدادات الطاقة كورقة ضغط. لذلك تسعى إلى تعزيز علاقاتها مع الموردين في الخليج وتوقيع عقود طويلة الأجل وربما تسعير بعض الصفقات باليوان.
-
التوسع في الأسواق الخارجية وتجنب الرسوم الأمريكية: مع تصاعد الرسوم الأمريكية (55 ٪ زيادة)، تبحث بكين عن طرق لتمرير منتجاتها إلى أسواق أخرى عبر مراكز إعادة تصدير مثل الإمارات. اتفاقية تجارة حرة مع الخليج قد تسمح للشركات الصينية بالاستفادة من انخفاض الرسوم داخل المنطقة، ثم إعادة تصدير المنتجات إلى أفريقيا وأوروبا بصفة “صنع في الخليج”.
-
ترسيخ طريق الحرير الرقمي: تسعى الصين إلى نشر تقنياتها في الاتصالات والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية من خلال شركات مثل هواوي وعلي بابا، ما يعزز نفوذها ويخلق أسواقاً جديدة للخدمات الرقمية. الاتفاقية قد تضمن اعترافاً متبادلاً بالمعايير الرقمية وتسهيل التدفق عبر الحدود للبيانات والخدمات.
-
توثيق الروابط الجيوسياسية: ترى بكين أن الخليج جزء من مبادرة “الحزام والطريق” ووسيطاً بين آسيا وأوروبا. ولذلك فإن تعزيز التعاون الاقتصادي يساند الدبلوماسية الصينية في المنطقة ويدعم رؤيتها لاقتصاد عالمي متعدد الأقطاب.

ماذا تريد دول الخليج؟
-
تنويع مصادر الدخل: تعتمد اقتصادات الخليج على النفط والغاز وتعمل ضمن رؤى وطنية لتنمية قطاعات التصنيع، السياحة، التكنولوجيا والاقتصاد الأخضر. وهنا فإن اتفاقية التجارة الحرة يمكن أن توفر وصولاً واسعاً إلى السوق الصينية للمُنتجات الخليجية غير النفطية وتشجع الاستثمارات الصينية في الصناعات المحلية.
-
الحصول على التكنولوجيا ورأس المال: تحتاج دول الخليج إلى تقنيات الاتصالات، الذكاء الاصطناعي، السيارات الكهربائية، وكذلك الخبرة في التصنيع المتقدم. ولذلك فإن الشراكات مع الشركات الصينية توفر حلولاً متقدمة بتكاليف أقل ومع مراعاة سيادة البيانات.
-
تعزيز دور الخليج كمركز لوجستي: تقع موانئ مثل جبل علي في الإمارات في قلب طرق التجارة العالمية، وتُشير تقارير إلى أن هذه الموانئ تعاملت مع 15.5 مليون حاوية في 2024. ويتطلع الخليج لاجتذاب مزيد من الشركات العالمية لتجميع وتوزيع المنتجات عبر موانئه، مستفيداً من موقعه بين آسيا وأوروبا، وهو ما يمكن تعزيزه باتفاقية تعفي السلع الصينية من الرسوم وتعطي الشركات ضمانات قانونية.
-
الأمن الغذائي: ترغب دول المجلس في تنويع مصادر الغذاء وتعزيز الاستثمار في الزراعة والتكنولوجيا الزراعية، ومن هنا فإن التعاون مع الصين يمكن أن يشمل مشاريع مشتركة في زراعة القمح والأغذية الحلال واستخدام أنظمة الري الذكية. كما يسعى الخليج للانخراط في مبادرات الصين لبناء ممرات لوجستية للأغذية واستيرادها بأسعار أقل.
أبرز المخاطر
رغم الفرص التي توفرها الشراكة بين الصين ودول الخليج، هناك مخاطر عالية:
-
ردة الفعل الأميركية: ما زالت الولايات المتحدة المزود الرئيس للأمن بالخليج، وقد حذّر مسؤولون أمريكيون الرياض وأبوظبي من تبني التكنولوجيا الصينية على حساب الشراكة الأمنية، كما أن أي تسوية تجارية مع الصين قد تُقابل بفرض قيود على صادرات التقنيات الأمريكية المتقدمة إلى الخليج.
-
مخاوف داخلية من المنافسة: تخشى الدول الخليجية أن يؤدي فتح أسواقها أمام منتجات صينية رخيصة إلى ضرب الصناعة الناشئة في مجالات مثل الإسمنت والألمنيوم والصلب والبتروكيماويات. وذكرت دراسة لمعهد “ORF” أن المخاوف من المنافسة غير العادلة والدعم الحكومي الصيني كانت أحد أسباب تعطيل المفاوضات.
-
خطر الاعتماد المفرط على الصين: يحذّر خبراء من أن الإفراط في الاعتماد على الصين قد يمنح بكين أوراق ضغط على دول الخليج، خاصة حال حصول توترات سياسية أو نزاعات إقليمية. وتظل الدول الخليجية بحاجة إلى توازن بين الشرق والغرب للحفاظ على أمنها وتنويع استثماراتها.
-
المنافسة في مجال التكنولوجيا: الحرب التكنولوجية بين واشنطن وبكين تجعل من الصعب على دول الخليج الجمع بين أحدث التقنيات الأمريكية والشبكات الصينية. مقال لمركز “كارنيغي” يوضح أن حصول الإمارات والسعودية على رقائق متقدمة من شركة “إنفيديا” الأمريكية، على سبيل المثال، يتطلب ضمانات بعدم استخدامها مع تقنيات هواوي، ما يضعها أمام خيارات صعبة.
السيناريوهات المحتملة
إبرام الاتفاقية: إذا استطاعت الصين ودول الخليج تجاوز العقبات المتبقية وتوقيع اتفاقية التجارة الحرة في 2026 أو ما بعده، فستكون هناك نتائج رئيسية مثل تعزيز حجم التجارة والاستثمار، توطين التكنولوجيا وبناء القدرات، دعم الأمن الغذائي، تحسن الموقف التفاوضي مع الغرب.
استمرار التعثر: قد تتواصل الخلافات حول قوائم الإعفاءات وحماية الصناعات في تأجيل الاتفاقية لسنوات أخرى، كما حدث في السنوات الماضية. وفي هذه الحالة يقتصر الأمر على: استمرار الاتفاقات الثنائية وإعادة التصدير دون تخفيض الرسوم، وتنامي المنافسة بين أعضاء المجلس وتواصل المفاوضات.
مقاربة تدريجية أو اتفاق جزئي: قد يختار الجانبان التوقيع على اتفاقيات قطاعية منفصلة (مثل الاقتصاد الرقمي أو الطاقة النظيفة) تمهيداً لاتفاق شامل لاحقاً. هذا السيناريو قد يكون مقبولاً لأنه يتجنب الصدام المباشر مع واشنطن ويتيح اختبار التعاون بشكل تدريجي، خاصة أن التنسيق الثلاثي بين آسيان والصين والخليج حول الاقتصاد الرقمي والطاقة المتجددة، مقاربة أشير إليها في بيان قمة آسيان الأخيرة في مايو 2025.