يحمل فوز زهران ممداني بعمادة مدينة نيويورك نوفمبر الماضي دلالات عديدة يتعلق بعضها بالهويات المتنوعة التي يحملها زهران كونه ابن لمهاجرين يدين بالإسلام ويتبنى الفكر الاشتراكي، بينما يتعلق بعضها الآخر بالحزب الذي ينتمي إليه وقاعدته الإنتخابية في إحدى أهم مدن الولايات المتحدة.
ففوز ممداني وهو الديمقراطي اليساري التقدمي يقول الكثير عن واقع الحزب الديمقراطي الأمريكي الذي تتنازعه قوىً ومؤثراتٍ عديدة إزدادت حدّتها منذ السابع من اكتوبر 2023؛ واقع يبدو أن الديمقراطيين المحافظين والمعتدلين ينظرون إليه بعين الريبة أو العداء، بينما يرى فيه الديمقراطيون الليبراليون والتقدميون أملاً بمستقبل أفضل وحتمية تاريخية يعتين على الحزب أن يمر فيها تماشياً مع التغيرات الجسيمة في الواقع العالمي إن لم يشأ الحزب أن يخسر هويته وتفرّده وقاعدته الإنتخابية.
فأي مؤشرٍ يحمله فوز ممداني على واقع الحزب الديمقراطي؟ هل يمر الحزب بمرحلة مخاضٍ عسير يخرج منها بحلّة اكثر تقدمية واحتواءٍ للتغيرات الوطنية والعالمية؟ أم تنتصر القوى المحافظة فيه ويقترب بذلك أكثر من فلسفة الجمهوريين في الحكم؟ هل لحرب الإبادة الإسرائيلية أثرٌ في التحوّلات الملفتة في صفوف الحزب وقاعدته الانتخابية؟ أم أنّ الوضع الإقتصادي المتردي والتضخم المرهق في كبريات الولايات هو ما دفع بإتجاه التغيير؟ وهل يعدّ إنتخاب ممداني بداية تحوّل فعلي ودائم للحزب؟ أم أنّ الحزب ينحي مع ريح التغيرات المحلية والدولية حتى تمرّ عين العاصفة وسرعان ما يعود لسابق عهده؟ يسلط المقال الضوء على هذه الأسئلة وغيرها.
هل هذا زمان الاشتراكية؟
حمل ممداني، عضو منظمة الإشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا DSA، خطاباً إشتراكياً جريئاً في مدينة تلتف الرأسمالية العنصرية حول رقبتها؛ وقد اثبت ممداني أن سياسات صارخة مثل تجميد الإيجار وتوفير الحافلات المجانية ومحالات البقالة الحكومية ورفع الحد الأدنى للأجور وتقديم الرعاية المجانية للأطفال، تلقى صداً واسعاً بين القاعدة الإنتخابية في المدن الكبرى التي ترزح تحت ظروف إقتصادية ضاغطة لا تكاد تجد الطبقة العاملة موطئ قدمٍ لها فيها، دع عنك محدودي الدخل والرازحين تحت خط الفقر في شوارعها.
منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين أشارت في تغريدة لها أن فوز ممداني أثر بالإيجاب على سرعة إنتشار مبادئها في الولايات المتحدة بوصفها حاملة شعلة الأمل في إنخراط سياسي مثمر للطبقة العاملة. وقد تمكّن جيش المتطوعين الشباب الذي رافق ممداني طوال حملته الإنتخابية دون دعم حقيقي من المؤسسة الديمقراطية وبلا تمويل مركزي ومعتبر للحملة من إستقطاب الناخبين النيويوركيين بإتجاه نسبة تصويت ملفتة تعدت 2 مليون صوت بنسبة 50.4% مقابل 41.6% لكومو كمرشح مستقل و7.1% للجمهوري سليوا.
وتعدّ المنظمة إحدى أكبر منظمات الإشتراكيين في الولايات المتحدة بأعضاء وصل تعدادهم ل80,000 عضوٍ فاعل في حرم الجامعات والمؤسسات العاملة على امتداد الولايات الخمسين. وتحاول المنظمة النأي بنفسها عن السوابق التاريخية للإشتراكية السلطوية والتي تملك مواقف عدائية مع الولايات المتحدة منذ أيام الحرب الباردة، وفي الوقت عينه عن فكر “الديمقراطية الإجتماعية” التي تحاول إدارة ملفات الطبقة العاملة دون تغيير فعلي في هياكل السلطة وقوانين السوق.
إذ تشير المنظمة التي ينتمي إليها ممداني إلى كون أجندتها مدفوعة بما آلت إليه الأحوال من تغوّل للقطاع الخاص والمنفعة المحصورة في رأس المال ضمن نظام عالمي قاسٍ يوظف التمييز والعنف للحفاظ على هياكل السلطة والمال وأنها تسعى لبناء نظام اجتماعي إنساني يجمع بين التخطيط الديمقراطي التقدمي بينما يراعي ديناميكيات السوق والإقتصاد.
وتنفي المنظمة في الوقت نفسه تهمة الراديكالية والتمرد عن نفسها؛ إذ تعتبر أن جهود الديمقراطية الإجتماعية من جماعات ضغط وتنظيم واحتجاج لا تكفي لتغيير الوضع القائم وتحسين شروط النظام ولكنها تدرك تماماً أن الرأسمالية متمكنة من الإقتصاد العالمي ولن تنتهي بين ليلة وضحاها وانها تسعى ضمن سياسة واقعية وعملية لإضعاف قبضة الشركات الكبرى على الإقتصاد مقابل زيادة القوة في يد الطبقة العاملة.
وقد قادت المنظمة عدة إنتصارات على مستوى الولايات المتحدة خلال العقد الماضي كان أبرزها فوز ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز، على النائب جوزيف كراولي، في الإنتخابات النصفية لعام 2018 والذي كان وقتها رئيس الحزب الديمقراطي في بلدية كوينز في نيويورك ونائب رئيس الكتلة الديمقراطية في مجلس النواب. وإنتخاب ممداني نفسه لعضوية جمعية ولاية نيويورك لعام 2021. وقد تفوقت المنظمة بصفوفها الشعبية وحركة المتطوعين فيها على الجهود المؤسسية ثقيلة التمويل ولكن المنفصلة عن واقع الشارع الشعبي.
كما يعدّ بيرني ساندرز السياسي الأمريكي المستقل أحد أقطاب الفكر الديمقراطي الإشتراكي في الولايات المتحدة رغم أنه ليس عضواً في منظمة الإشتراكيين الديمقراطيين. كما يبرز من أعضاء المنظمة النائبة الديمقراطية عن ولاية ميشيجان رشيدة طليب.
وعلى الرغم من إنتمائه الأصيل للمنظمة، حاول ممداني مدفوعاً بالبراجماتية تمييز حملته الإنتخابية عن بعض توجهاتها وإتخاذ مواقف أقل حدّية وراديكالية خاصة فيما يتعلق بالنظام الجنائي للولايات والموقف المعادي للشرطة والتي طالبت المنظمة بموجبه بوقف تمويل مؤسسة الشرطة تمهيداً لحلها بسبب شبهات الفساد والتمييز والعنف التي تلاحقها. بينما اتخذ ممداني موقفاً وسطياً بالخصوص معتذراً عن مواقفه السابقة المعادية للشرطة ومادّاً يده للعمل معها جنباً إلى جنب لصالح المدينة وأهلها.
وعلى جميع الأحوال، لا يعدّ فوز ممداني مؤشراً حاسماً على تقدّم الإشتراكية الديمقراطية في بقية الولايات وذلك لخصوصية مدينة نيويورك وكون ناخبيها الديمقراطيين يمثلون أغلبية وهي بلد المهاجرين والطبقة العاملة بخلاف بعض المدن الأخرى التي شهدت فشلاً لمرشحي المنظمة مثلما حدث في إنتخابات عمادة مدينة مينابوليس. إلا أنه يظل مؤشراً مهماً على تقدم الفكر الإشتراكي وإيجاده صدىً في نفوس الشباب والطبقة العاملة في أهم المدن الأمريكية.
تيارات الديمقراطيين المتضادة
التحوّل الذي يعد به ممداني إتجاه الطبقة العاملة ليس يسيراً على الحزب الديمقراطي وقد أسماه كومو، الديمقراطي المعتدل، حرباً أهلية في طيات الحزب؛ ويقصد تضاد الرؤى بين المعتدلين والمحافظين من جهة والتقدميين من جهة أخرى. بينما يبدو أن أطياف الحزب اليمينية كانت قادرة على استيعاب الليبراليين بل وحتى التقدميين المنتمين للديمقراطية الإجتماعية أمثال بيل دي بلاسيو، عمدة مدينة نيويورك 2014-2021، والإلتفاف على أجنداتهم بالضغط والمساومة، يظهر الخطاب الإشتراكي لممداني صادماً وراديكالياً للمؤسسة الديمقراطية.
وقد فضّل كثير من وجوه الحزب الديمقراطي البارزة والمنتمين للمؤسسة الديمقراطية الراسخة البقاء على الحياد في السباق الإنتخابي لعمادة نيويورك؛ فتشاك شمر، زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، لم يدعم ممداني في حملته الإنتخابية مخافة أن تهدد افكاره الإشتراكية والداعمة للقضية الفلسطينية فرص فوزه وبقية أعضاء الحزب في الإنتخابات النصفية القادمة نوفمبر 2026.
بينما إلتزم ديمقراطيون خط دفاعهم الأخير عن مؤسستهم الرأسمالية البيضاء مؤكدين أن ممداني يمثّل نداء للتغيير واليقظة ولكنه نداء سيء. وقد تقدّم هؤلاء توم سوزي، الممثل الديمقراطي عن الدائرة الثالثة لمدينة نيويورك في الكونجرس، حيث اعتبر أن ممداني يقدم حلولاً خاطئة لكنه يشير إلى عمق أزمة الحزب الديمقراطي.
بالنسبة لسوزي تبنّي الإشتراكية سيدق مسماراً إضافياً في نعش الحزب بدل منحه قبلة الحياة وأن رفعاً كبيراً في ضريبة الأثرياء والشركات الكبرى لتمويل برامج الطبقة العاملة سيدفع بهم للهرب من ولاية نيويورك بإتجاه ولايات أكثر لطفاً مع القوى الإقتصادية ما يعني خسارة مضاعفة لمدينة نيويورك. ويكتفي بإعادة طرح الحلول الجزئية السابقة من تقوية النقابات ورفع مستوى الأجور وإجراء تحسينات طفيفة على القدرة الشرائية للمواطنين.
من جهته يرى تيب يانج، مخطط استراتيجي للديمقراطيين، أن الحزب سيتابع نتائج إنتخابات ممداني وسيأخذ منها الدروس والعبر في ظل الفشل الذريع الذي مُني به الحزب في الإنتخابات الرئاسية والتشريعية الأخيرة عام 2024. وبالنسبة ليانج فإن ممداني يمثل مستقبل الحزب والطريق الذي يجب أن يسلكه حيث تخفت أهمية المدرسة الفكرية للمرشح وتعلو اهمية التنوع والتركيز على قضايا الناس العاديين في الشوارع، حيث قدّم ممداني نموذجاً ناجحاً للسياسي المنخرط في هموم الناس والمنفتح حتى على ألدّ أعدائه في الوقت الذي يركض فيه السياسيون للإختباء والإحتماء في أحضان داعميهم دون مواجهة صادقة مع المعارضين.
وعلى خلاف ما يحاول الديمقراطيون الرأسماليون الترويج له بكون ممداني يملك أجندة حالمة؛ ينطلق ممداني من واقع يعطيه هامشاً جيداً للنجاح كون الشركات الكبرى التي يبغي رفع ضرائبها لتمويل برامجه من 7.25% وهي النسبة الحالية ل 11.5% لن يكون عائقاً أمام أرباحها التي تضاعفت أربع مرات خلال السنوات الخمس الأخيرة بفعل التضخم العالمي، وهي نسبة غير مسبوقة في تاريخ المدينة الحديث وينذر الحزب الحاكم للمدينة بأزمة وجودية تضع مبادئه الأبرز على المحك.
وقد أشارت منظمة “عدالة الديمقراطيين” إلى الأثر الذي تركه فوز ممداني على الحزب الديمقراطي بقولها أن فوزه يمثل ناقوس تنبيه للمؤسسة الراسخة للحزب الملتفة حول الشركات الكبرى للإلتفات للناس العادية والطبقة العاملة التي تشكل مستقبل الحزب. خاصة أن الديمقراطيين أحرزوا أبهر إنتصاراتهم حين خالطوا المجتمعات العاملة ووعدوا الناس بالأمن الغذائي والإقتصادي دون أن يضحوا بمبادئ العدالة الإجتماعية وكبريات القضايا.
ففي مقاله في صحيفة الجارديان “زهران ممداني: مستقبل الحزب الديمقراطي” يرى الحقوقي والأكاديمي روبرت ريخ المنتمي لصفوف الحزب الديمقراطي أن الحزب معطّل إلى حد كبير إن لم يكن ميتاً بسبب ضياع بوصلته والإنشقاقات العميقة بين أجنحته المختلفة. وأن ممداني يمثل الآن أمل إحياء الحزب وتوحيده تحت راية قوية تخاطب المواطن الأمريكي العادي لهمومه اليومية التي يناقشها عادة على موائد العشاء دون تطرق لفلسفات عالمية تتجاوز حدود فهم واهتمام المواطن البسيط على غرار النقاط العشرية والأجندات المبهمة التي يطرحها الديمقراطيون الكلاسيكيون.
بالنسبة لريخ؛ فإن الدعوات التي أطلقها الديمقراطيون المنتمون للمؤسسة ومعهم ترامب وزبانيته بضرورة الإلتزام ب”الوسطية المركزية” هي مجرد ذر للرماد في العيون وتغطية على الديمقراطيين الفاسدين الذين يعبدون أرباب المال وينتفعون من علاقات المتنفذين في السلطة بينما يتسترون في الوقت عينه بالإنتماء للحزب الديمقراطي دون فارق حقيقي بين السلطوية التي يمارسها الحزب الجمهوري بالعلن وتلك التي يلجأ إليها الديمقراطيون الكلاسيكيون في الخفاء. وأن هؤلاء الملتفين حول الشركات الكبرى من الديمقراطين قد فرّغوا الخطاب الديمقراطي من جوهره فقد تخلوا عن الطبقة الوسطى والعاملة والفقراء مقابل المناداة بالخصخصة وعولمة رأس المال وإلغاء التقنين الحكومي للشركات الكبرى، متبنين خطاب الجمهوريين الأصيل. السبب الذي أدى إلى الفشل الذريع للديمقراطيين في إنتخابات عامي 2016 و2024.
من ناحية أخرى، وعلى الرغم من الخطاب الصادم لترامب، يملك الديمقراطيون والجمهورين أرضاً وسطاً فيما يتعلق بأساسيات الإدارة خاصة في كبريات المدن التي يسيطر عليها الديمقراطيون حيث يلعب رأس المال أدواراً مفصلية في الحملات الإنتخابية وأجندات الإدارة ويستطيع الممولون بطريقة أو بأخرى إملاء ما يوافق مصالحهم فيها. وحتى الإدارة الحالية دعمت كومو، الديمقراطي المعتدل، على حساب الجمهوري سليوا الذي لم يكن يملك حظوظاً تذكر في إنتخابات العمادة في مدينة نيويورك.
انطلق الجمهوريون من منطلقات عدة لمهاجمة ممداني، كان أبرزها تهمة الشيوعية حيث لاحقت التهمة ممداني وصيغ حولها معسكرات ترهيب عملت على مدار الساعة، وهي التهمة التي نفاها ممداني في مقابلته مع منصة أن بي سي الإعلامية مقتبساً مارتن لوثر كينج في خطاب له من عام 1961 حيث أشار فيها إلى سياساته الإشتراكية الداعية للعدالة الإجتماعية كجزء من الديمقراطية الامريكية مؤكداً أن نيويورك تشهد إنعداماً للعدالة الإجتماعية وفجوة غير مسبوقة في الأجور بحيث تكاد الطبقة الوسطى تنعدم فيها بينما تنمو ثروات المتنفذين وأصحاب رؤوس الأموال بوتيرة متزايدة.
ورغم هذا لم تفلح تخويفات ترامب من كون ممداني يحمل الفكر الشيوعي الذي سيعمل على تدمير مدينة إقتصادية من الطراز الرفيع كمدينة نيويورك، في ثني ناخبي ممداني عن التوجه لصناديق الإقتراع والتصويت بكثافة لمرشحهم.

الشباب والمهاجرون: ورقة الحزب الضائعة
يعكس فوز ممداني فجوةً عمرية ملفتة في صفوف الحزب؛ فمن الديمقراطيين القدامى المركزيين الذين يسعون لإرضاء الأثرياء والمتنفذين مقابل تحصيل بعض الحقوق الأساسية وتحسين ظروف المعيشة بحدها الأدنى لأبناء الطبقة العاملة، يبدو أن الشباب قد ملّوا تهميش الحزب لهموهم المتنامية وتضييق هامش معيشتهم في المدينة لصالح تضخيم ثروات الشركات الكبرى والعائلات الثرية فيها وتركهم يجرون في عجلة هامستر دون أملٍ في التقدم.
ففي استطلاع رأي حديث لمؤسسة جالوب أجرته سبتمبر الماضي تبيّن أن حوالي 66% من الديمقراطيين يملكون موقفاً إيجابياً من الإشتراكية مقابل 42% يميلون للرأسمالية. ما يعدّ قفزة كبيرة في موقف الحزب منذ عام 2010 حيث سجّل 50% من ناخبيه ميلاً للإشتراكية حينها. الأمر ذاته ينطبق على تقييم الديمقراطيين للشركات الكبرى؛ فقد سجّل الحزب أدنى مستويات التأييد للشركات الكبرى بنسبة 17% وهو إنخفاض حاد بواقع 17 نقطة عن عام 2010 حيث سجل الحزب تأييداً بنسبة 46% للشركات الكبرى حينها.
وقد أدت عوامل متعددة لإنفصال الناخبين الشباب عن الحزب الديمقراطي بدأت طلائعها منذ إنتخابات 2016 الرئاسية وخيبات الأمل المتتالية في قيادة الحزب على المستوى الوطني ومن ثم أداء الحزب في ملف كوفيد وأزامته الإقتصادية الخانقة وأخيراً موقفه المتورط من حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة. كل هذه العوامل خلقت نوعاً من الجفوة بين الناخبين الشباب والحزب الديمقراطي بصورته القديمة وغذّت في المقابل الجناح اليساري والأذرع الإشتراكية في الحزب والتي امتلكت رؤىً جريئة ومناوئة لمواقف مؤسسة الحزب الراسخة على المستويين الوطني والدولي.

التغير الديمغرافي الملفت في الولايات المتحدة والذي بات يحتل المهاجرون والملونون صفوفه الأمامية يلعب هو الآخر دوراً مهماً؛ إذ أنّ نيويورك اليوم تختلف تماماً عن نيويورك ثمانينات القرن الماضي؛ فمن 50% يمثلون العرق الأبيض في المدينة وصلت النسبة اليوم لثلث السكان فقط، ومن 1.4 مليون لاتيني في المدينة ارتفع تعدادهم إلى 2.5 مليون اليوم، ومن عدة مئات آلاف آسيوي ل 1.4 مليون يقطنون المدينة اليوم. ثلث السود في المدينة اليوم مهاجرين من افريقيا والكاريبي، وهي مجتمعات صوتت بكثافة لممداني وكان لها يد في تغيير القاعدة الإنتخابية للحزب الديمقراطي على مدى العقود الأربع الماضية.
لم يفلح الديمقراطيون الكلاسيكيون بالتماشي مع هذه التغيرات الديمغرافية الملفتة رغم خطابهم الحقوقي وشعارات العدالة الإجتماعية؛ وظلت خطوطهم العامة في التعامل مع مجتمعات المهاجرين تتراوح بين تحسينات طفيفة وحقوق دنيا وبين التساوق مع الجمهوريين في سياسات الهجرة لتمرير سياسات أخرى تعني الحزب.
ومع صعود اليمين الأمريكي وزيادة العنصرية ضد المهاجرين، حاول ديمقراطيون تبني الخطاب الشعبوي لترامب لحشد جموع الناخبين كما فعل النائب الديمقراطي روبن جاليجو الذي سخر من اللاتينيين، أو التوعّد بسياسات هجرة متشددة كما فعلت النائبة الديمقراطية جاكي روزن، وإلا فالإكتفاء بصغائر الإهتمامات كالأمن العام والبيروقراطية كما فعل كل من بات راين وتامي بالدوين نواب الحزب في الكونجرس. بينما تصرف كومو كأنه ترامب في هجومه العنصري والمعادي للمسلمين الذي شنّه على ممداني.
هذا التقليد لغوغائية الحزب الجمهوري بخصوص المهاجرين والملونين أو الإكتفاء بالمقاعد الخلفية للسياسية الآمنة ساق ناخبي الحزب الديمقراطي القادمين من جذور مهاجرة للإبتعاد عن مناصرته والتوجه إما لعدم الإقتراع وإما للتصويت لجمهوريين أكثر وضوحاً من الديمقراطيين المتلونين. ممداني الذي قاد سياسة جامعة مؤكداً أن مدينة نيويورك مدينة المهاجرين ومن الآن سيحكمها مهاجر وهي فوق هذا مدينة مناصريه ومعارضيه بالتساوي، كسر حلقة الحزب المفرغة في مداراة المهاجرين دون اعتبارهم مكوناً أصيلاً في مجتمعاتهم.
وقد أشارت النائبة الديمقراطية الإشتراكية كورتز في مقابلة لها على قناة سي أن أن تعليقاً على فوز ممداني أن الحزب الديمقراطي لن يستطيع أن يصمد طويلاً أمام إنكار المستقبل وتهميش الشباب والمهاجرين والتنوع العرقي الكبير في صفوف قاعدته الإنتخابية.
حين تغيّر غزة اتجاه البوصلة
القضية الفلسطينية كمثال العدالة الدولية الأبرز للعام كانت حاضرة بقوة في خطاب ممداني والذي أدان المقتلة وأسماها حرب إبادة جماعية وتعهد باعتقال نتنياهو حال زيارته للمدينة وقد ضمن دعمه لحقوق الفلسطينيين عداء قوياً في المؤسسة الديمقراطية التي ما زالت متمسكة بعلاقاتها بإسرائيل على الرغم من الإحصاءات واستطلاعات الرأي المتزايدة حول الهوّة التي تركتها حرب الإبادة في القطاع على أنصار الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة.
فقد كشف استطلاع رأي لمركز بيو للدراسات واستطلاعات الرأي أجراه في مارس الماضي عن انتقاد لاذع بين الديمقراطيين للسياسات الإسرائيلية في الأرض المحتلة بنسبة 69% وهي نسبة شهدت إرتفاعاً ملحوظاً منذ أحداث السابع من اكتوبر 2023 حيث كانت النسبة الناقدة في عام 2022 بين الديمقراطيين تمثل 53%.
View this post on Instagram
وعلى الرغم من الأرقام الناقمة على التحالف الديمقراطي مع إسرائيل وسط قاعدتها الإنتخابية، فقد احتفظ عدد من كبار مسؤولي الحزب بدعمهم لتسليح إسرائيل والحفاظ على العلاقة العضوية بين واشنطن وتل أبيب كأهم حلفائها الإستراتيجيين. حيث هاجم، كومو، حاكم ولاية نيويورك السابق ومنافس ممداني إلى جانب إيريك آدامز، سلف ممداني في عمادة مدينة نيويورك، وكلاهما ينتمي للمؤسسة الديمقراطية الراسخة، ممداني بسبب مواقفه من إسرائيل مهتمَين إياه بمعاداة السامية والتعاطف مع الإرهاب؛ رغبة في مساهمات رأس المال السياسي الذي ما زال يميل بشدة لإسرائيل وإتقاءً في الآن ذاته لبطش جماعات الضغط المتنفذة في واشنطن والتي تسترت على ملفات رشوة وفساد وفضائح جنسية لاحقت كل من كومو وآدامز في مسيرتهما السياسية.
ومع هذا فالخطاب الناقد لإسرائيل لم يعد مقتصراً على أنصار الحزب الديمقراطي بل امتد ايضاً ليشمل وجوه الحزب الجمهوري خاصة من اتباع حركة ماجا التي شكّلت القاعدة الإنتخابية الأهم لترامب. فها هم تاكر كارلسون و ستيف بانون ومارجوري تايلور جرين، عتاة الجمهوريين وكبار داعمي ترامب يوماً ما، يمثلون شقّاً متنامياً في الحزب الجمهوري ويرغمون ترامب على الإعتراف بأن دعم إسرائيل صار مهدداً لحظوظ المرشحين في الإدارات المختلفة في تحول تاريخي مقلق للحزب.
الإنشقاق المتزايد في الحزب الجمهوري دفع بجي دي فانس، نائب ترامب الحالي، ومرشح محتمل لإنتخابات الرئاسة القادمة عن الحزب الجمهوري للصدح بإعلان صادم يمثّل تغيراً عميقاً في سياسة واشنطن اتجاه تل أبيب؛ حيث نفى فانس تهمة معاداة السامية عن أولئك الذين ينتقدون إسرائيل واعتبر الخطاب الناقد لأداء حكومة نتنياهو خطاباً صحياً ولازماً في أوساط المؤسسة السياسية والأمريكيين عموماً الذين باتوا ساخطين على جرائم تل أبيب المتزايدة في المنطقة.
ولا يقتصر أثر حرب الإبادة في قطاع غزة على صعود حركة المناصرة للحقوق الفلسطينية وجرأة العرب والمسلمين في التجمع السلمي والعمل الحقوقي والتعبير عن آرائهم بوصفهم مجتمعات مهاجرة ذات ثقل وحاصرة في المشهد السياسي الأمريكي ولكنه حطّم أيضاً الأسطورة حول توحيد الصوت اليهودي في المدينة التي تعد ثاني أكبر تجمع لهم خارج إسرائيل والتي لطالما ضخمت الآلة الصهيونية حجمها وأثرها في المدينة وقدرتها على قلب الموازين ما دفع بالمرشحين لمهادنتها ردحاً من الزمن وإعلان الولاء المطلق لإسرائيل إسترضاء لها.
حرب غزة قسّمت المجتمع اليهودي في المدينة فبرز منهم مناضلين لحقوق الفلسطينيين ورافضين للإحتلال الصهيوني أكثر جرأة في التعبير عن أنفسهم ورفض الزج بأسمائهم في آلة الحرب الصهيونية أكثر من أي وقت مضى. أغلبية الشباب اليهود في مدينة نيويورك وثلث يهود المدينة بشكل عام صوتوا لصالح ممداني ورحّبوا به عمدة للمدينة رغم حملة التخويف العملاقة التي غذّتها المؤسسة الصهيونية في المدينة والتي صوّرت ممداني كعدو لدود للمجتمع اليهودي في نيويورك.
ختاماً، يأتي فوز ممداني على منافسه أندرو كومو، أحد وجوه المؤسسة الديمقراطية الراسخة وقديمي الصنعة في الحياة السياسية للمدينة، بمثابة صفعة إفاقة للحزب الذي ظنّ أنّ حكمة شيوخه ما تزال صالحةً للحكم وقادرة على حصد أصوات الناخبين من الشباب المهاجر والعامل مع الإبقاء في الوقت ذاته على هيكلية السلطة والنفوذ وعلاقات المال السياسي كما هي حتى في ظل التغيرات الديمغرافية الجلية في المدينة والتحولات العالمية التي كلّفت هاريس مقعدها في البيت الأبيض بينما حملت ممداني وعشرات المسلمين والمهاجرين والتقدميين إلى سدّة الحكم المحلي والوطني في الولايات، وهو إنتصار مبشّر بتحولات عميقة في الحزب الديمقراطي ومخاض جديد للواقع السياسي للولايات رغم المقاومة الشرسة للمؤسسة الراسخة.