رغم طابعها الفُرجوي والاحتفالي، لا تحمل الرياضة المتعة والإثارة فقط، بل تثير نقاشات جادة حول الجدوى الاقتصادية لاحتضان أحداث رياضية كبيرة، خصوصًا في دول تعاني من بعض المشاكل السوسيواقتصادية، مما يضعها في مواجهة مباشرة مع شريحة من المواطنين، ترى في احتضان البطولات ترفًا لا يأخذ بعين الاعتبار الأولويات التنموية.
وردًا على من يفند هذا الطرح، ممن يرون أن الرياضة عمومًا وكرة القدم خصوصًا مجرد وسيلة لإلهاء الشعوب، يرى الباحث الفرنسي كريستوف برومبيرجي في كتابه “كرة القدم.. التفاهة الأكثر جدية في العالم” أن الأحداث الرياضية لا تملك القدرة على تخدير الشعوب إزاء مشاكلها، ويستدل على ذلك باحتجاجات المكسيكيين على سوء الأوضاع الاقتصادية خلال استضافة بلادهم لكأس العالم عام 1986.
ويواجه المغرب، الذي يستضيف حاليًا كأس أفريقيا (إلى غاية 18 يناير/كانون الثاني 2026) ويستعد لاستضافة كأس العالم سنة 2030 مع إسبانيا والبرتغال، المعضلة نفسها، فقد اندلعت قبل أشهر من انطلاق البطولة الأفريقية مظاهرات نظمها جيل “زد” المغربي، طالب فيها بإعطاء الأولوية في الإنفاق العمومي للقطاعات الحيوية بدلًا من البنية التحتية الرياضية، إلا أن الدولة المغربية ردت، على لسان فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم والوزير المكلف بالميزانية، مؤكدة المكاسب الاقتصادية المتوقعة من الحدث العالمي.
لماذا تُغضِب الرياضة الشعوب؟
على مدى عقود طويلة، استُخدمت الرياضة، وتحديدًا حدثاها الأبرز كأس العالم لكرة القدم والألعاب الأولمبية، كوسيلة لتلميع صورة بعض الأنظمة السياسية، وهو ما يُعرف بـ “الغسيل الرياضي” (Sportwashing).
ومن الأمثلة البارزة على ذلك: استضافة ألمانيا النازية بقيادة هتلر للألعاب الأولمبية عام 1936، وإيطاليا الفاشية في عهد موسوليني لكأس العالم عام 1934، والمكسيك تحت حكم الرئيس المستبد غوستافو دياز أورداز للألعاب الأولمبية عام 1968.

وقد شهد المثال المكسيكي تحديدًا مفارقة مأساوية، إذ وقعت قبل عشرة أيام فقط من افتتاح الأولمبياد مذبحة “تلاتيلولكو” الشهيرة في 2 أكتوبر/تشرين الأول 1968، عندما قمعت قوات الأمن بوحشية مظاهرة طلابية سلمية في ساحة الثقافات الثلاث، ما أسفر عن سقوط مئات القتلى من المتظاهرين.
وفي محاولة لتفسير الغضب الشعبي الذي يسبق أو يرافق تنظيم بعض الدول لأحداث رياضية كبرى، أشار منصف اليازغي، الباحث في السياسات الرياضية، خلال حديثه لـ”نون بوست”، إلى المثال البرازيلي باعتباره الأكثر لفتًا للانتباه، فالبرازيل، حسب الباحث، يُعرف كبلد شغوف بكرة القدم، لكنه شهد احتجاجات واسعة قبيل انطلاق كأس العالم عام 2014، احتجاجًا على ترحيل آلاف البرازيليين من منازلهم لإفساح المجال لاستضافة البطولة.
وعن السبب الذي يفسر اندلاع هذه الاحتجاجات، يرى الباحث اليازغي أنه: “مع تطور الشعوب وازدياد قدرتها على الاحتجاج، إضافة إلى تطور وسائل الاتصال، أصبحت هناك الآن وسائل متعددة للاحتجاج على تنظيم تظاهرات رياضية تتناقض مع الوضع الداخلي لبعض الدول، لكن هناك محاولة لإلقاء مسؤولية فشل السياسات الحكومية على كرة القدم وعلى المشاريع المرتبطة بها، رغم أن المشاكل التعليمية والصحية والاجتماعية موجودة في هذه الدولة أصلا حتى قبل تنظيمها هذه الأحداث الرياضية”.
وتجدر الإشارة إلى أن الرياضة لم تبرز كموضوع للبحث العلمي إلا مع تطور علم الاجتماع الرياضي، وإسهامات المؤرخين البريطانيين، وتنامي اهتمام العلوم الإنسانية بأنشطة أوقات الفراغ في ظل ازدهار المجتمعات الأوروبية. وقد برز في هذا المجال عالم الأنثروبولوجيا الهولندي يوهان هويزنجا، إلى جانب إريك دانينغ ونوربرت إلياس.
ولمعرفة إسهام البحث العلمي في تحليل غضب الشعوب من الأحداث الرياضية، أوضح عبد الرحيم بورقية، الباحث في علم اجتماع الرياضة، لـ”نون بوست” أن القاسم المشترك بين الدول التي شهدت احتجاجات على تنظيم الأحداث الرياضية هو وجود تفاوتات اجتماعية حادة، إذ لا يُنظر بعين الرضا إلى الإنفاق على البنية التحتية الرياضية في مقابل هشاشة قطاعي التعليم والصحة مثلا. وهنا تتحول الرياضة، أو بالأحرى كرة القدم تحديدًا، حسب الباحث، إلى مرآة تعكس اختلال القطاعات الأخرى وعدم توازن الميزانية وغياب العدالة في توزيع الموارد.
احتضان البطولات وحسابات الربح والخسارة
بين مؤيد ومعارض لاستضافة التظاهرات الرياضية، تتمحور أغلب البراهين على الانعكاسات الاقتصادية لاحتضانها. ويستدل بعض المؤيدين باحتضان قطر لكأس العالم سنة 2022، وما كان له من عوائد اقتصادية لافتة وطويلة الأمد.، فحسب تقرير لصندوق النقد الدولي، أنفقت الدولة الخليجية ما بين 200 إلى 300 مليار دولار في برنامج استثماري امتد لعقد، 6.5 مليار فقط منها لبناء الملاعب، أما الباقي فقد صرف لتطوير البنى التحتية وتطوير اقتصاد غير نفطي.
وعن رأيه في سبل النجاح الاقتصادي لتنظيم البطولات الرياضية، أكد علي حدادة، الخبير الاقتصادي، في حديثه مع “نون بوست”، أن المكاسب تعتمد على مدى فعالية الاستراتيجية الحكومية للدولة المستضيفة، من خلال تحويل الحدث لأرباح على المدى الطويل، وتسريع تطوير البنى التحتية، ليست الرياضية فقط، بل بما يشمل كذلك المطارات والمحطات والطرق.
وأضاف حدادة: “تكون الاستضافة مربحة على المدى الطويل، عندما تربط الدولة الحدث بالاقتصاد اليومي لمواطنيها من خلال استراتيجية تنموية ليست راهنية وظرفية خلال الحدث، بل تترك أثرا بعد انتهائه، وإنشاء بنية تحتية تُستخدم بعد الحدث، واستغلال الحدث لتعزيز الجاذبية السياحية والاستثمارية على المدى المتوسط والبعيد”.
وفي مقابل كل هذه الوعود الاقتصادية الإيجابية لتنظيم الأحداث الرياضية، يستند المنتقدون لاحتضانها بدورهم على معطيات اقتصادية دقيقة، إذ تجاوزت، على سبيل المثال، كل الألعاب الأولمبية بين 1960 و2020 ميزانيتها المعلنة بمعدل 172%.
ولم يُهادن البحث العلمي تنظيم الأحداث الرياضية الكبرى مهما بلغ النمو الموعود لاقتصاد البلد المنظم. وتُعد نظرية “رأسمالية الاحتفال” للباحث الأمريكي جول بويكوف، وهو رياضي أولمبي سابق، من أبرز الأبحاث التي انتقدت استضافة تظاهرات مثل الألعاب الأولمبية.
وترتكز انتقادات بويكوف على عدة محاور، أبرزها: تحمّل القطاع العام للمخاطر المالية بينما يجني القطاع الخاص الأرباح، والمبالغة في تقدير العوائد المتوقعة مع التقليل من ضخامة التكاليف الفعلية، إضافةً إلى بروز “أولويات مشوّهة” من خلال تحويل الموارد العامة من الحاجات الأساسية للمواطنين إلى “المشاريع الاستعراضية”.
وعن المخاطر الاقتصادية لاحتضان البطولات، يوضح الاقتصادي علي حدادة: ”هناك خطر ارتفاع التكاليف وتجاوز الميزانية المخصص لتنظيم الحدث الرياضي، مما يدفع هذه الدول لرفع الضرائب على مواطنيها أو الاستدانة، مما يشكل عبئًا مستقبليًا على الشعب، كما يؤدي عدم ضبط الصفقات العمومية المرتبطة بالحدث لتفشي الفساد، خصوصًا في الدول العربية حيث هناك تشابك بين النخب السياسية والاقتصادية”.
المغرب كمنظم للبطولات.. الاحتجاجات مشروعة أم متسرعة؟
يُعول المغرب على استضافة مونديال 2030، برفقة إسبانيا والبرتغال، لتحقيق تنمية شاملة، إذ يعتزم رفع الطاقة الاستيعابية للمطارات إلى 80 مليون مسافر سنويًا بحلول 2030 مقابل 38 مليونًا حاليًا.
وتشير وثيقة مرصد العمل الحكومي المغربي إلى أن استضافة كأس العالم قد تؤدي إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.5% إلى 1% سنويًا، ما يعادل زيادة بين 3 و4 مليارات دولار، إضافة إلى إيرادات سياحية تتراوح بين 2 و3 مليارات دولار خلال الحدث وما بعده.
هذه الأرقام لم تشفع في طمأنة جزء من جيل “زد” المغربي الذي أطلق مظاهرات واسعة بداية من شهر سبتمبر/ أيلول سنة 2025، ومن جملة مطالبها، كان الاهتمام أكثر بقطاعات حيوية كالصحة والتعليم، عوض تنظيم تظاهرات رياضية كبرى، خصوصًا كأس العالم.
هذه المخاوف يتقاسمها أكاديميون أيضًا، إذ حذر الخبير الاقتصادي المغربي نجيب أقصبي من المخاطر المالية لهذا التنظيم مستشهدًا بتجربة اليونان التي دخلت أزمة اقتصادية مستمرة منذ تنظيمها الأولمبياد عام 2004.
ويرى أقصبي أن المغرب، الذي يعاني حسب رأيه من صعوبات مالية منذ جائحة كورونا وسنوات الجفاف ويعتمد على الديون في تمويل استثماراته، قد يرهن نفسه بمديونية إضافية دون مقابل مستدام، خاصة أن التأثير الإيجابي على العمالة سيكون مؤقتًا ومرتبطًا بمرحلة البناء فقط، كما أن الزيادة في أعداد السياح لن تستمر بعد انتهاء البطولة.
وردًا على الانتقادات الموجهة لاستضافة المغرب لكأس العالم، يؤكد الباحث في السياسات الرياضية، منصف اليازغي، أن الاستعدادات لن تقتصر على بناء الملاعب، بل ستساهم في تنمية شاملة من خلال خلق فرص عمل وتطوير بنية تحتية متكاملة.
ويوضح اليازغي لـ”نون بوست” أن الدراسات العلمية تشير إلى أن المغرب سيربح 14 سنة، إذ سينجز في 6 سنوات ما كان يتطلب 20 سنة من المشاريع التنموية، ويرى أن “الالتزام بمعايير الفيفا الصارمة والمراقبة المباشرة لها سيدفع المغرب لتسريع الإنجاز، خاصة أن عدم الامتثال قد يؤدي لسحب التنظيم من البلد، مضيفًا أن ضغط الفيفا أكثر فعالية من الرقابة البرلمانية التقليدية التي تمارس على الحكومة المغربية”.
ومن جهته، يرى الباحث في علم اجتماع الرياضة، عبد الرحيم برقية، أن هناك توجهين متقاطعين: الأول إقليمي ودولي يسعى لتعزيز صورة المغرب كبلد منفتح وآمن ومستقر، وترسيخه كقوة ناعمة وفاعل رياضي إقليمي وقاري. أما الثاني فيتعلق بالانتظارات الاجتماعية الداخلية المرتفعة لعودة الحدث بالنفع الاقتصادي على المواطنين.
وشدد بورقية على ضرورة تحقيق التوازن بين ترسيخ المكانة الريادية للمغرب وتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة، مؤكدًا أن ذلك ممكن من خلال التمسك بالشفافية في التمويل والتدبير.