ترجمة وتحرير: نون بوست
عندما ينظر المؤرخون إلى ولاية الرئيس ترامب الثانية، قد يرونها باعتبارها ذروة دعم الحزب الجمهوري المستمر لإسرائيل. وقد يرونها أيضًا اللحظة التي بدأ فيها انهيار التحالف الذي يقوم عليه هذا الدعم – بين المسيحيين الإنجيليين والمؤسسة الجمهورية في السياسة الخارجية.
على مدى عقود، كان دعم اليمين الأميركي الثابت لإسرائيل أمرًا مسلمًا به، وقد أكدت أفعال إدارة ترامب قوة هذا الارتباط؛ فقد منح الرئيس إسرائيل حرية كاملة لقصف غزة ومهاجمة أعدائها في أنحاء الشرق الأوسط، بل وشارك في هجوم على المنشآت النووية الإيرانية في الصيف؛ كما تفاوض على اتفاق سلام في غزة يصب في مصلحة إسرائيل؛ ودافع عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو – الذي كان ضيفًا في مارالاغو هذا الأسبوع – في مواجهة محاكمته المستمرة بتهم فساد. وعلى الصعيد الداخلي، ضغطت الإدارة على الجامعات لاتخاذ إجراءات صارمة ضد الناشطين المؤيدين لفلسطين.
غير أنه يبدو أن شيئًا ما يتغير داخل الحزب الجمهوري؛ فقد كشف استطلاع حديث أجراه “معهد مانهاتن” على الجمهوريين في عموم البلاد أن غالبية الناخبين التقليديين للحزب ما زالوا مؤيدين بقوة لإسرائيل، لكن هناك “أقلية كبيرة” من الناخبين الجمهوريين الجدد – الأصغر سنًا، والأكثر تنوعًا، والذين سبق أن صوّت كثير منهم للديمقراطيين – أكثر انتقادًا للدولة اليهودية.
وغالبًا ما تكون مشاعرهم أكثر حدة من النقد المجرد؛ فقد وجد استطلاع المعهد أن عددًا ملحوظًا من الناخبين الجمهوريين الشباب عبّروا عن آراء عنصرية أو معادية للسامية بشكل صريح. وكانت بعض التعليقات التي تم الإدلاء بها في مجموعة نقاشية مرافقة ضمت 20 من المحافظين من جيل “زد” صادمة للغاية: فقد أشاد أحد المشاركين بـ”قيم القيادة” لدى هتلر، وزعم آخر أن إسرائيل لها صلات بالاتجار بالبشر، ووصف آخر اليهود بأنهم “قوة شريرة”.
قد يكون من الصعب الفصل بين انتقادات اليمين المتزايدة لإسرائيل – التي تُقَدّم غالبًا من زاوية المصلحة الأمريكية – وبين تصاعد معاداة السامية داخل صفوف الحزب الجمهوري؛ فقد ساعدت العديد من الأيديولوجيات التي أعادت حركة “اجعلوا أميركا عظيمة مجددًا” إحياءها، مثل القومية، والقومية المسيحية، والنزعة القومية، في تأجيج الهجمات على دعم أمريكا لإسرائيل، لكنها وفرت أيضًا غطاءً سياسيًا لمعاداة السامية التي بدأت في الظهور منذ أيام ما يسمى باليمين البديل.

يبدو أن الإعلام اليميني والناشطين اليمينيين يخوضون الآن حربًا أهلية مفتوحة حول مسألة إسرائيل؛ فقد وصفت كانديس أوينز الدولة اليهودية بأنها “شيطانية”، بينما تواصل نشر نظريات مؤامرة معادية لإسرائيل في برنامجها الأسبوعي الشهير على يوتيوب. وإذا اقتربنا أكثر من التيار الرئيسي نجد تاكر كارلسون، أحد أبرز الأصوات في حركة “اجعلوا أميركا عظيمة مجددًا”، يصف الصهيونية المسيحية بأنها “فيروس دماغي“، واعتبر دعم الإنجيليين لإسرائيل “هرطقة مسيحية”. وفي أواخر أكتوبر/ تشرين الأول، استضاف كارلسون على برنامجه في يوتيوب الناشط القومي الأبيض والمعروف بعدائه للسامية نيك فوينتس؛ ولا تزال تداعيات هذه الخطوة تمزق مؤسسة “هيريتدج”، وهي مؤسسة تقع في قلب المؤسسة الجمهورية. وفي هذا الشهر، تبادل كارلسون وستيف بانون، وهو أيضًا قومي انعزالي، الشتائم مع بن شابيرو، المحافظ المؤيد لإسرائيل واليهودي المتدين، وذلك في مؤتمر “ترنينغ بوينت يو إس إيه” في فينيكس.
أما نائب الرئيس جي دي فانس – المقرب من كارلسون والذي يُعتبر في الوقت الراهن القائد الفعلي المستقبلي لحركة “اجعلوا أمريكا عظيمة مجددًا” – فقد اتخذ موقفًا متحفظًا بشكل لافت في هذه المعركة. ففي خضم هذا الاضطرابات المستمرة، لم يأتِ حتى على ذكر إسرائيل في خطابه خلال مؤتمر “نقطة تحول”، ولم يُدِن تصاعد معاداة السامية في صفوف اليمين، بل قال إنه لا يؤمن بـ “اختبارات النقاء”. وأضاف: “عندما أقول إنني سأقاتل إلى جانبكم، فأنا أعنيكم جميعًا – كل واحد منكم”.
وعلى مدى أكثر من أربعة عقود، كان التحالف بين الإنجيليين والمحافظين المؤيدين لإسرائيل قوة فريدة من نوعها في السياسة الأميركية؛ حيث لم يقتصر نفوذها فقط على تشكيل السياسة الخارجية بل امتدت أيضًا إلى الانتخابات الداخلية، مع تدفق التبرعات السخية في كل دورة انتخابية من الجماعات والأفراد المسيحيين المؤيدين لإسرائيل إلى المرشحين الجمهوريين المؤيدين لها.
إن التحالفات السياسية بطبيعتها قابلة للزوال، فهي تُنشأ لخدمة مصالح مشتركة، لكنها سرعان ما تتباين في مرحلة ما. لكن هذا التحالف كان استثنائيًا منذ البداية؛ فهو لم يُبنَ فقط على الاعتقاد بأن الدفاع عن إسرائيل يصب في المصلحة الاستراتيجية لأميركا، بل أيضًا على أساس ديني: إذ رأى كثير من المسيحيين الإنجيليين الذين لوووو؛ اشكّلوا القاعدة الأساسية للحزب الجمهوري أن عودة الشعب اليهودي إلى وطنه التوراتي وانتصاراته العسكرية غير المتوقعة على أعدائه العرب هي عناية إلهية، وعلامة على أن المجيء الثاني بات وشيكًا.
غير أن أنواعًا أخرى من المسيحية بدأت تترسخ في دوائر السلطة المحافظة؛ حيث يتبنى عدد متزايد من الإنجيليين فهمًا مختلفًا تمامًا للنبوءات التوراتية حول عودة المسيح، بينما ينجذب مسيحيون مؤثرون آخرون – بمن فيهم فانس – نحو الكاثوليكية. في الوقت نفسه، يضغط العديد من الجمهوريين من أجل انسحاب قومي من الالتزامات الأمريكية الخارجية.
بعبارة أخرى، فإن القوى ذاتها التي بنت هذا التحالف – الجغرافيا السياسية واللاهوت – هي التي تعمل الآن على تمزيقه.
رؤية مسيانية
لم يكن الحزب الجمهوري مؤيدًا موثوقًا لإسرائيل بشكل دائم؛ فقد كان الرئيس الديمقراطي هاري ترومان هو أول من اعترف بالدولة اليهودية عام 1948، وكانت إسرائيل – التي قامت على أيديولوجية “الصهيونية العمالية” – تُعتبر في سنوات تأسيسها الأولى دولة اشتراكية أكثر من اللازم في نظر الكثير من المحافظين. وإلى جانب ذلك، لم تكن دولة يهودية صريحة ولم تكن حليفًا طبيعيًا للمؤسسة الجمهورية التي يهيمن عليها البيض الأنجلوساكسون البروتستانت (WASP). وكان ويليام ف. باكلي الابن متشككًا بشدة تجاه إسرائيل في سنواتها الأولى؛ ففي عام 1956 وصفت مجلته “ناشيونال ريفيو” إسرائيل بأنها “أول دولة عنصرية في التاريخ الحديث”.
غير أن حرب العرب وإسرائيل عام 1967 ساعدت في تغيير موقف باكلي وكثير من المحافظين الآخرين؛ فقد هزمت إسرائيل القوات المدعومة من الاتحاد السوفيتي في ستة أيام فقط، وسرعان ما رأى صقور الحرب الباردة فيها حليفًا جديدًا في الصراع ضد الشيوعية. وكما قال سام تاننهاوس، مؤلف كتاب “باكلي: الحياة والثورة التي غيرت أمريكا”: “الآن يمكن أن تنضم إسرائيل إلى الجانب الصحيح من الحرب الوحيدة المهمة: الحرب الباردة”.
وحظيت حرب عام 1967 أيضًا باهتمام المسيحيين الإنجيليين، الذين كانوا آنذاك قوة متنامية في الحياة الأميركية. فلم تكتفِ إسرائيل بصد تحالف من الدول العربية المسلحة جيدًا فحسب؛ بل بسطت أيضًا سيطرتها على القدس ووحدت المدينة المقدسة. بالنسبة لكثير من الإنجيليين، لم يكن ذلك مجرد انتصار عسكري غير متوقع، بل كان علامة لا لبس فيها على أن التاريخ يسير، بشكل محتوم، نحو ذروته النهائية.
بعد سنوات قليلة، قام هال ليندسي، خريج كلية دالاس اللاهوتية والعامل السابق في الخدمة الجامعية، بتعميم هذا الاعتقاد — المعروف باسم “التدبيرية السابقة للألفية” – في كتابه الورقي الذي حقق مبيعات كبيرة بعنوان “الكوكب الأرضي العظيم المتأخر”. ووجّه ليندسي كتابه مباشرة إلى جيل الطفرة السكانية – الذين وصفهم بـ “الجيل الباحث” – مقدّمًا لهم “حقيقة إلهية” مستندة إلى تفسيره الخاص لنبوءات الكتاب المقدس. وبما أن الشعب اليهودي قد عاد إلى وطنه وسيطر على القدس، فإن كل ما تبقى هو إعادة بناء الهيكل الذي دمّره الرومان لبدء “الاختطاف” (الرحلة النهائية، كما سماها ليندسي). وقد أصبح الكتاب الأكثر مبيعًا بين الكتب غير الروائية في سبعينيات القرن العشرين.
وبدأ المبشّرون التلفزيونيون مثل جيري فالويل بتبنّون قضية إسرائيل في تلك الفترة؛ فقد نظروا إلى الحرب الباردة من منظور ديني، مصوّرين إسرائيل كبطل في مواجهة الملحدين السوفييت وحلفائهم من المسلمين. وقدّموا نموذجًا لاهوتيًا جديدًا للمسيحيين الإنجيليين، حيث قلّلوا من أهمية التقليد المسيحي القائم على محاولة تحويل اليهود إلى المسيحية، وركّزوا بدلًا من ذلك على الأهمية الإلهية لدعم دولة إسرائيل. وتحدث هؤلاء الإنجيليون عن “الحضارة اليهودية-المسيحية” انطلاقًا من اعتقاد بأن أميركا (التي اعتبروها بطبيعة الحال أمة مسيحية) وإسرائيل تتمتعان بامتياز خاص في نظر الله. وقد دمج فالويل دعم إسرائيل في “الخطة الكتابية للعمل” التي شكّلت الأساس لـ “الأغلبية الأخلاقية”، وهي المنظمة السياسية التي ساعدت على ضمان انتخاب رونالد ريغان عام 1980، وأدت فعليًا إلى ولادة اليمين المسيحي الحديث.
وخلال فترة رئاسة ريغان، أصبح الحزب الجمهوري بالفعل الحزب الأميركي المؤيد لإسرائيل؛ فقد اعتبر ريغان إسرائيل شريكًا ديمقراطيًا في الحرب الباردة ضد الشمولية، وأقام تحالفًا مع حزب الليكود المحافظ الذي وصل إلى السلطة عام 1977 وكان يتشارك معه الأيديولوجية الاقتصادية القائمة على السوق الحرة. كما شمل فريقه للسياسة الخارجية عددًا من المحافظين الجدد، كان الكثير منهم من اليهود ومؤيدون ثابتون لإسرائيل. أما لجنة الشؤون العامة الأميركية – الإسرائيلية (AIPAC)، وهي جماعة الضغط القوية لإسرائيل في واشنطن، فقد كانت مؤسسة ديمقراطية منذ تأسيسها عام 1963؛ وفي عام 1982، عيّنت المنظمة أول قائد جمهوري لها.
وبعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول، ازدادت الروابط قوة؛ فقد كان الرئيس جورج دبليو بوش إنجيليًا مولودًا من جديد، كما وضع أيضًا المحافظين الجدد في مواقع مهمة داخل إدارته. وعندما بدأت الولايات المتحدة حربها العالمية على الإرهاب، أصبحت إسرائيل – التي كانت آنذاك في خضم الانتفاضة الثانية – حليفًا طبيعيًا في القتال ضد الإسلام المتطرف. وقد اعتُبرت قضايا البلدين متشابكة بشكل فعلي. وفي عام 2006، وصف جون هاجي، القس الإنجيلي الذي أسس مجموعة “المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل” المؤثرة، سفر التكوين بأنه “بيان السياسة الخارجية لله”.
“ما ينبغي عليهم فعله حقًا هو أن يصبحوا مسيحيين”
غير أنه طوال هذه الفترة، استمرت تيارات من الشك تجاه إسرائيل داخل اليمين، مدفوعة أحيانًا بسياسة خارجية تضع “أميركا أولًا”، وأحيانًا بمعاداة صريحة للسامية، وأحيانًا بمزيج من الاثنين.
في عام 1988، اتهم الفيلسوف السياسي المحافظ المؤثر راسل كيرك المحافظين الجدد بأنهم يخلطون بين تل أبيب وواشنطن كعاصمة للولايات المتحدة. وخلال التسعينيات، وصف بات بيوكانان، المرشح الجمهوري للرئاسة مرتين والمنتمي إلى التيار الانعزالي الجديد، مبنى الكابيتول بأنه “أرض محتلة من إسرائيل”، وألقى باللوم على “وزارة الدفاع الإسرائيلية ومؤيديها في الولايات المتحدة” في جرّ أميركا إلى حرب الخليج الأولى. ومن اللافت أن كلا الرجلين كانا كاثوليكيين لا يتبنيان الرؤية التفسيرية لإسرائيل الحديثة.
بعد سنوات، وخلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016، انتشرت مشاعر مماثلة من العنصرية والمعادية لإسرائيل عبر الإنترنت، تأثرت جزئيًا بحملة ترامب “أمريكا أولًا”، رغم أن الرئيس المستقبلي قدّم نفسه آنذاك باعتباره “داعمًا مدى الحياة” لإسرائيل. وفي ذلك الوقت، بدا أن التيار المعادي لإسرائيل قوة هامشية داخل الحزب، محصورًا إلى حد كبير في حركة القوميين البيض التي كانت تشهد انتعاشًا. لكن في الواقع، لم تكن تلك سوى أولى الهزات لاصطفاف أوسع نطاقًا مدفوع بالأيديولوجيا والدين معًا.
وقال دانيال هوميل، المؤرخ المتخصص في الدين الأمريكي في مركز لومن، وهو معهد أبحاث مسيحي، ومؤلف كتاب “صعود وسقوط التدبيرية: كيف ظ999الصراع الإنجيلي حول نهاية الزمان الأمة”، إن “جزءًا من قوة اللحظة يكمن في أن السياسة تدفع هذا التحول بقدر ما تفعل اللاهوت”، مضيفًا أن “هناك تداعيات سياسية لهذا النقاش”.
لا يزال المسيحيون الإنجيليون يشكلون كتلة انتخابية قوية لصالح الحزب الجمهوري. ويُشكّل الإنجيليون البيض أكثر من 20 بالمئة من إجمالي الناخبين، وقد حصل ترامب على نحو 80 بالمئة من أصواتهم في انتخابات عام 2024. وفي الوقت الراهن، يظلّ معظمهم مؤيدين بقوة لإسرائيل.
وتحاول إسرائيل الحفاظ على هذا الوضع، إذ تنفق ملايين الدولارات على حملة علاقات عامة تستهدف الكنائس الأمريكية. وفي الوقت نفسه، يسعى الإنجيليون الأكبر سنًا إلى تعزيز القاعدة، مذكرين المسيحيين بأن المرء لا يحتاج إلى تبني سيناريو محدد لنهاية الزمان كي يكون صهيونيًا. وكتب رالف ريد، مؤسس ورئيس ائتلاف الإيمان والحرية، مؤخرًا في صحيفة وول ستريت جورنال: “يدعم الإنجيليون إسرائيل لأنهم يحبون الله، ويعتزون ببلادهم، ويؤمنون بأن الإيمان والحرية لا ينفصلان. إسرائيل، مثل الولايات المتحدة، منارة لتلك القيم الخالدة، والتي نأمل أن تكون أبدية”.
وكان ريد، بصفته رئيسًا لـ”الائتلاف المسيحي” الذي أسسه بات روبرتسون في التسعينيات، يتمتع بنفوذ واسع بين الناخبين المسيحيين. لكن اليوم، باتت القوة السياسية لليمين الديني أكثر تشتتًا، إذ غابت الشخصيات البارزة التي كانت بمثابة حراس لاهوتيين وسياسيين، تشكّل الفكر المسيحي الأمريكي حول الكتاب المقدس وصندوق الاقتراع. وحلّ محلهم طيف واسع من الشخصيات عبر الإنترنت، مثل القس جويل ويبون من تكساس، الذي يدعو إلى قطع الروابط الجيوسياسية بين أمريكا وإسرائيل، وكتب على منصة “إكس” أن اليهود “يتميزون عمومًا بالمكر والخداع والجشع”.
ويتجه عدد متزايد من المسيحيين بعيدًا عن التدبيرية السابقة للألفية، ونحو أطر لاهوتية أخرى ترى دورًا محدودًا لإسرائيل والشعب اليهودي في خطة الله للخلاص. ويعتقد كثيرون أن الله ألغى عهده مع إبراهيم عندما رفض اليهود إنجيل المسيح، وأن الكنيسة حلت محل إسرائيل القديمة كأداة لإرادة الله.
ويُعرف بعض هؤلاء المسيحيين بـ”ما بعد الألفيين”. إذ يعتقد أصحاب التدبيرية السابقة للألفية أن المجيء الثاني سيحدث قبل حكم السلام الممتد ألف عام المذكور في سفر الرؤيا. أما أصحاب ما بعد الألفية فيرون أن المسيح سيعود بعد الألفية، وأن واجبهم هو إعداد الأرض لتكون صالحة له عند عودته. وكثير منهم لا يرون اليهودية والمسيحية متكاملتين، بل متعارضتين.
وقال صموئيل غولدمان، الأستاذ المشارك في جامعة فلوريدا ومؤلف كتاب “وطن الله: الصهيونية المسيحية في أمريكا”، إن “من المرجح أن يعتقد هؤلاء أن اليهود في حالة من النقص اللاهوتي، وأن ما ينبغي عليهم فعله حقًا هو أن يصبحوا مسيحيين في أقرب وقت ممكن”.
وهذا الإطار ليس جديدًا على الإطلاق، فقد كان الموقف الافتراضي عبر معظم تاريخ المسيحية، وأسّس لمسيرة طويلة من اضطهاد اليهود، وتبرير طردهم من المجتمعات المسيحية، والمساهمة في ترسيخ نظريات المؤامرة المعادية لليهود. وقال مارك تولي، العضو مدى الحياة في الكنيسة الميثودية المتحدة ورئيس معهد الدين والديمقراطية، واصفًا هذه اللاهوتية: “اليهود يعانون ويعيشون بلا وطن لأن المسيح جاء إليهم أولًا فرفضوه”.
وهناك جيل جديد من القادة والمفكرين الدينيين يعيدون الآن توظيف هذه اللاهوتية في سياق السياسة المعاصرة، بحجة أن أمريكا يجب أن تتبنى المسيحية كديانة وطنية لها. وهم، بمعنى ما، يمثلون الرد البروتستانتي على نقاد الكاثوليكية الليبرالية، مثل صُهراب أحمري وأدريان فيرمول، الذين برزوا خلال حقبة ترامب. ومن بينهم ستيفن وولف، مؤلف كتاب “الحجج القومية المسيحية”، ودوغ ويلسون، القس الذي يصف نفسه بالقومي المسيحي في ولاية أيداهو، والذي افتتح مؤخرًا فرعًا لكنيسته في مبنى الكابيتول، ويُعد وزير الدفاع بيت هيغسِث من بين معجبيه، وقد كتب ويلسون: “لستُ بأي حال من الأحوال صهيونيًا”.
ويستغل كارلسون، وهو بروتستانتي، أيضًا من هذه الطاقة الجديدة التي تلت التدبيرية السابقة للألفية لتعزيز مواقفه المناهضة لإسرائيل. ومن بين ضيوفه المتكررين في برنامجه الصوتي، المغني الكانتري جون ريتش، الذي روّج لنظرية مؤامرة لا أساس لها تزعم أن عائلة يهودية، وهي آل روتشيلد، هي التي موّلت نشر أول نسخ من الكتاب المقدس المرفقة بحواشي تفسيرية دعمت لاهوت التدبيرية.
لم تحدث المقابلة التي أجراها كارلسون مع تيد كروز في صيف العام الماضي، والتي ضغط خلالها على السيناتور الإنجيلي ليقدّم دفاعًا دينيًا عن دعمه لإسرائيل، في فراغ تاريخي، فقد قال هوميل: “تاكر لا يقود هذا التقييم اللاهوتي لإسرائيل، بل يشارك فيه ويستفيد منه”.
جيل غزة
ما نشهده في صفوف اليمين هو، بقدر ما هو أي شيء آخر، تحوّل ديموغرافي، مع بروز جيل جديد من المسيحيين، سواء على المستوى اللاهوتي أو السياسي.
وقال غولدمان: “لقد كان هناك، وعلى مدى ما لا يقل عن 20 عامًا، تمرّد من جانب المسيحيين الأمريكيين الأصغر سنًا والأكثر فكرًا ضد النمط الأمريكي القديم من البروتستانتية الإنجيلية الذي أصبح مألوفًا في الثمانينيات والتسعينيات”. وأضاف: “هؤلاء أقل ميلًا بكثير إلى اعتبار الدولة الحديثة لإسرائيل تحقيقًا لمختلف النبوءات والوعود التوراتية المختلفة”.
وهم أيضًا أقل ميلًا إلى اعتبار دعم إسرائيل واجبًا أخلاقيًا أو ضرورة استراتيجية. فهؤلاء المسيحيون نشأوا في ظل تورط أمريكا الطويل في العراق وأفغانستان، وفي فترة زمنية بعيدة عن فظائع المحرقة التي أقنعت كثيرًا من المسيحيين الأمريكيين الأكبر سنًا بضرورة وجود وطن لليهود. أما اليوم، فيشكو الشباب المسيحيون اليمينيون من أن أمريكا تواجه أزمات ملحّة كثيرة في الداخل – مثل تكاليف المعيشة والهجرة غير الشرعية – لا تبرر إرسال مليارات الدولارات سنويًا إلى إسرائيل. وعلى مدار العامين الماضيين، امتلأت حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي بصور صادمة من غزة، إلى جانب الكثير من التعليقات القومية والعنصرية والمعادية لليهود.
وينخرط الديمقراطيون في صراع داخلي حول سياسات أمريكا تجاه إسرائيل. فبينما كان الجمهوريون الحزب الأكثر تمسكًا بدعم إسرائيل في الحقبة السياسية الحديثة، ظلّ التيار الرئيسي في الحزب الديمقراطي أيضًا متوافقًا معها إلى حد كبير. لكنه أيضًا يجد نفسه الآن تحت ضغط متزايد من الجناح الأصغر سنًا للحزب. ففي الأشهر الأخيرة، انقسم الديمقراطيون في الكونغرس حول ما إذا كان ينبغي حظر نقل الأسلحة إلى إسرائيل، أو قبول الأموال من لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية، أو الاعتراف بدولة فلسطينية. والتصدعات آخذة في الاتساع، إذ يركّز عدد من السياسيين الديمقراطيين التقدميين على انتقاد إسرائيل في حملاتهم الأولية ضد النواب المؤيدين لها.
لا يوجد قواسم مشتركة بين زهران ممداني، أول رئيس بلدية مسلم في نيويورك ومنتقد إسرائيل بشكل علني، وفوينتس، القومي الأبيض. فممداني يتحدث بلغة التعددية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية؛ بينما يهاجم فوينتس الهجرة وحقوق المرأة، وتحدث عن ضرورة الحفاظ على “النواة الديموغرافية البيضاء” لأمريكا. لكن كلاهما نشأ في السنوات التي أعقبت الحرب على الإرهاب وظهرا في دائرة الضوء السياسي في وقت بدأت فيه المسلّمات القديمة في السياسة الأمريكية بشأن إسرائيل تتآكل.
وقال تاننهاوس: “يميل الناس إلى التفكير في السياسة الجيلية بطريقة ضيقة، باعتبارها ظهور صوت جديد يخاطب جيله بمفردات مختلفة. لكن هناك نوعًا آخر من السياسة الجيلية، يتشكل من خلال تجارب مشتركة يمكن أن تتجاوز الحدود الأيديولوجية. وهذا هو جيل غزة”.
ولم يُظهر ترامب أي مؤشرات على الابتعاد عن إسرائيل، ولا يزال هناك جناح قوي مؤيد لها داخل الحزب الجمهوري، فأربعة عقود من الدعم المتواصل لن تنتهي بهدوء، لكن مستقبل الحزب بعد ترامب ما زال مفتوحًا على الاحتمالات، ومن السهل تصور أن الصراع حول إسرائيل سيصبح ساحة رئيسية في الحرب الأوسع على الحزب. فهل سينتصر الانعزاليون أم التدخليون؟ وما مدى تأثير القوميين المسيحيين؟ وهل سيسمح بدخول المعادين لليهود تحت الخيمة – وإذا لم يكن كذلك، فمن ستكون له السلطة لرسم الحدود التي تبقيهم خارجها؟
وقد توقع تشارلي كيرك ذلك كله؛ ففي الصيف الماضي، ومع تصاعد معاداة الصهيونية ومعاداة السامية بين الناشطين المحافظين الشباب، دعا مجموعة من قادة فروع منظمة “نقطة التحول الأمريكية” من مختلف أنحاء البلاد لعقد جلسة نقاش حول إسرائيل. وقال عن جهوده للتوفيق بين تيار “أمريكا أولًا” المتشدد والصهيونية: “أحب إسرائيل، لقد زرتها، وكانت لي ولزوجتي أفضل التجارب على الإطلاق. رأيت المكان الذي قام فيه المسيح من الموت وسار على الماء. لكنني أيضًا أمريكي، وأمثل جيلًا لا يستطيع تحمّل أي شيء. نحن غارقون بالمهاجرين غير الشرعيين، ولا أحد يتحدث الإنجليزية”.
لكن كيرك لم يتمكن من استكمال هذه الجهود، فبعد أيام من وفاته في سبتمبر/ أيلول، اندلع صراع كبير على الإنترنت حول ما إذا كان في طريقه للتحول ضد الدولة اليهودية، مصحوبًا بنظرية مؤامرة لا أساس لها تزعم أن جهاز الموساد كان وراء اغتياله.
المصدر: نيويورك تايمز