لم يكن عام 2025 عامًا هينًا على المصريين، في الكثير من المجالات، ولكن بين كل أحداث العام كان البرلمان المصري له النصيب الأكبر من إثارة الجدل والفوضى معًا بقوانين، كان في ظاهرها الرحمة، لكنها تضمنت العذاب، وأثارت غضب قطاع عريض من المصريين، لكنها في النهاية مرت، حتى وأن شاب مرورها رفض ظاهري من مؤسسة الرئاسة لكنها مرت في الفصل التشريعي الأخير قبل حل البرلمان لعقد الانتخابات البرلمانية الجديدة.
من معبر بحري إلى صحراوي.. هكذا تغيّر طريق الهجرة من مصر إلى ليبيا، مع وعود كاذبة بالسفر المجاني تنتهي بسجون واحتجاز وابتزاز، في أزمة إنسانية ما زالت مفتوحة.
اقرأ المادة بالكامل: https://t.co/XZjh9v10AR pic.twitter.com/nCp8QVBIYa
— نون بوست (@NoonPost) December 28, 2025
قانون الإيجار القديم.. التشريد بحكم البرلمان
في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكمها القاضي بعدم دستورية ثبات القيمة الإيجارية للوحدات المؤجرة بغرض السكن الخاضعة لقانون رقم 136 لسنة 1981، المعروف بقانون الإيجار القديم، وألزمت مجلس النواب بالتدخل لتعديله.
بموجب هذا الحكم بدأ مجلس النواب في مناقشات وجدال حول القانون القديم، لكن هذا الجدل احتدم بعد ما يقرب من 6 أشهر من تاريخ الحكم، حيث أرسلت الحكومة مشروعها لتعديل القانون، وهو المشروع الذي تضمن إخلاء الوحدات المؤجرة للأشخاص الطبيعيين سواء لأغراض السكن أو غيرها بعد فترة انتقالية هي 5 سنوات فقط، وزيادة القيمة الإيجارية 20 ضعف.
مشروع الحكومة لاقى رفض من عدد كبير من النواب سواء في أحزاب المعارضة أو الموالاة، لكن مشروع القانون الذي أقره المجلس بعد أقل من شهرين فقط من ارسال الحكومة مشروعها، وقبل أسبوعين فقط من انتهاء الفصل التشريعي الأخير، لم يتضمن الكثير من التعديلات غير زيادة المدة الانتقالية لـ 7 سنوات للوحدات السكنية و5 سنوات للوحدات التجارية، وتوفير وحدات سكنية للمضارين من تعديل القانون مع إعطاء الأولوية للمستأجر الأصلي وزوجته.
كما نص القانون على مضاعفة القيمة الإيجارية الحالية للوحدات السكنية بناءً على تصنيف المناطق الذي ستحدده اللجان التي حدد مجلس الوزراء آليات عملها بقراره اليوم، ومن المقرر أن تصل تلك الزيادة إلى 20 ضعفًا في المناطق المتميزة بحد أدنى 1000 جنيه، و10 أضعاف في المناطق المتوسطة والاقتصادية بحد أدنى 400 و250 جنيهًا على التوالي، كما استبعد مقترح من بعض النواب من استثناء المؤجر الأصلي وزوجته من تحرير العلاقة الإيجارية، وهو ما دفع النواب أصحاب المقترح للإنسحاب.
بالتصديق على قانون #الإيجار_القديم ينسف #السيسي رسميًا إرث #جمال_عبدالناصر الاشتراكي والذي استند في ركيزته الأساسية على العدالة الاجتماعية من خلال الحقوق الثلاثة ( السكن المدعوم – الصحة الشاملة – التعليم المجاني)
✍️ بالتصديق على قانون “الايجار القديم”.. السيسي يتخلص من إرث ناصر… pic.twitter.com/P3XbZz9hnb
— نون بوست (@NoonPost) August 5, 2025
خارج البرلمان، كان المستأجرين يخوضون معركتهم الخاصة، بداية من الدعوة لوقفات احتجاجية وعقد مؤتمرات مع دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسى لعدم التصديق على القانون، وهي الدعوات التي لم تلاقي استجابة، حيث صدق الرئيس السيسي على القانون في أغسطس/ آب 2025، وبموجب هذا التصديق بدأت الحكومة في عمل لجان الحصر، مع رفض القيمة الإيجارية من سبتمبر/ أيلول 2025.
تحركات المستأجرين قوبلت بتعامل أمني، منها القبض على المستشار القانوني لرابطة المستأجرين، حيث أمرت النيابة بحبسه لمدة 15 يوم، وبعد ساعات من إقرار القانون أخلت النيابة العامة سبيله في 3 يوليو/تموز 2025، كما منع المستأجرين من حضور مؤتمر لهم.
وحذرت ورقة بحثية صادرة عن المفوضية المصرية للحقوق والحريات، من استحواذ هيئات حكومية وشركات عقارية على الآف الوحدات المؤجرة بنظام الإيجار القديم بعد انتهاء العلاقة الإيجارية،
واستشهدت بحالة شركة “الإسماعيلية” التي استحوذت على نحو 15 ألف متر مربع من المباني التراثية في وسط البلد، تشمل قرابة 25 مبنًى من الطراز المعماري المميز.
التقديرات تشير إلى وجود 2.8 مليون وحدة سكنية في #مصر تخضع لقانون #الإيجار_القديم، يسكنها 1.6 مليون أسرة، معظمهم في القاهرة، إذ يشكلون 25% من سكان المحافظة البالغ عددهم 10.2 مليون نسمة وفق إحصاء 2023.#السيسي#حق_ياسين
https://t.co/HbqMvPVh39
— نون بوست (@NoonPost) April 30, 2025
وفي الاتجاه ذاته، استعادت شركة “مصر لإدارة الأصول العقارية”، التابعة لشركة مصر القابضة للتأمين، نحو 9000 متر مربع من الوحدات الخاضعة لنظام الإيجار القديم بوسط القاهرة، وبدأت في إعادة تسويقها بعد التوصل لاتفاق مع المستأجرين السابقين على نسبة من الأرباح المستقبلية.
فيما حذرت مؤسسة القاهرة للقانون والتنمية من أثر القانون على النساء لاسيما الناجيات من العنف وذوي الإعاقة، وقالت المؤسسة أن تطبيق تعديلات قانون الإيجار القديم دون توفير بدائل سكنية آمنة وميسورة قد يؤدي إلى موجات من الإخلاء القسري، مما يعرض النساء والفتيات للعنف ، ويضاعف من فرص استغلالهن اقتصاديًا وجنسيًا.
الإجراءات الجنائية.. اعتراض رئاسي شكلي
لم يثر أي قانون الجدل قدر ما أثاره قانون الإجراءات الجنائية الذي استدعي من ثلاجة قوانين البرلمان المصري، فالقانون أقرته اللجنة التشريعية في يناير/ كانون الثاني عام 2024، لتبدأ مناقشته وإقراره في أبريل/ نيسان 2025، وسط رفض حقوقي أممي، ورفض نقابات المحامين والصحفيين لمشروع القانون.
مشروع القانون كان بينه مواد تفتح الباب للتجسس على الرسائل والتليفونات دون تحديد مدى زمني بموجب أمر النيابة العامة، كما تحرم المتهم من عدة حقوق أهمها استشارة المحامي قبل الاستجواب، أو حضور محامي مع المتهم، كما تحرم المحامي نفسه من حق الإطلاع على بعض أوراق القضية، أو إثبات دفوعه في محضر التحقيق.
بالإضافة إلى ذلك يتوسع القانون في المحاكمات عن بعد، كما تم رفض اقتراحات المعارضة بتصوير التحقيقات وغيرها من الطلبات التي تقدمت بها المعارضة وتجاهلها البرلمان.
مشروع القانون أثار اعتراضات أممية بحسب تقرير لجنة مناهضة التعذيب بالأمم المتحدة، التي أعربت عن قلقها إزاء مضي السلطات المصرية قدمًا في إصدار قانون الإجراءات الجنائية الجديد “في ضوء ما يتضمنه مشروع القانون من إقرار نظام للمحاكمات عن بعد دون ضمانات كافية، وتوسيع سلطة النيابة العامة فيما يتعلق بالحجز لدى الشرطة والحبس الاحتياطي، ومنحها سلطة تقديرية واسعة في منع المحامين من الحصول على ملفات القضايا ومحاضر التحقيقات بدعوى مصلحة التحقيق”، وهو التقرير الذي تسلمت الرئاسة المصرية نسخة منه.
الاعتراضات الأممية أسفرت عن إعادة السيسي القانون للبرلمان، وهو الإجراء الظاهري حيث رفض اعتراضات السيسي على القانون، وصدق السيسي على القانون في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025.
قانون التعليم.. سلطات الوزير
أقل من أسبوع كان الفارق الزمني بين إرسال الحكومة مشروعها لتعديلات قانون التعليم وبين موافقة البرلمان عليه في يوليو/ تموز 2025، الذي أسفر عن إنشاء نظام جديد للمرحلة الثانوية تحت اسم “البكالوريا” وهو النظام الذي دعا له وزير التربية والتعليم باعتباره النظام الأفضل، وحل لكل أزمات المرحلة الثانوية.
ومنح القانون صلاحيات واسعة في التعديل على النظام ما قبل الجامعي، دون الرجوع للبرلمان والمجلس الأعلى للجامعات، كما فرض رسوم على فرص التحسين في النظام.
وقد رفض عدد كثير من أعضاء مجلس النواب المحسوبين على كتلة المعارضة بسبب عدم جاهزية المدارس المصرية لتطبيق نظام البكالوريا، خاصة مع النقص الهائل في المعلمين والكثافة العالية للمدارس، وهو ما نفاه الوزير.
وخارج البرلمان اعترضت المبادرة المصرية المواد التي تعطي الحق لوزير التربية والتعليم والتعليم الفني في تقرير إنشاء مدارس تجريبية أو برامج متخصصة داخل المدارس الرسمية والترخيص بها في المدارس الخاصة، مما يسهم في تعزيز عدم المساواة في تقديم الخدمة التعليمية للطلاب، مشيرة إلى وجود برامج وأنظمة تعليمية مختلفة بالفعل، بعكس ما ينص عليه الدستور بتوفير التعليم وفقًا لمعايير الجودة العالمية دون تمييز.
تأثيرات القانون ظهرت في مرحلة ما قبل الدراسة في العام الدراسي الحالي، حيث شكى عدد من أولياء الأمور عن إجبار المدارس لهم على نظام البكالوريا، رغم أن نص القانون على أنه نظام إختياري، وهو ما فسره عدد من أولياء الأمور بأن الوزير يحاول فرض النظام الجديد باعتباره انجاز له.
قانون العمل… لا إضراب بعد اليوم
في مايو/ آيار 2025، صادق الرئيس عبد الفتاح السيسي على قانون العمل الجديد، ورغم التسويق للقانون باعتباره واحد من أفضل القوانين المنحازة للعمال، فإن ورقة “ما العمل في قانون العمل؟” الصادرة عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية قالت إن القانون امتداد لسياسات تميل لأصحاب العمل والمستثمرين على حساب العمال والمشتغلين على مدى عقود، في وضع تتراجع فيه مستويات المعيشة عند العاملين بأجر وتزيد معدلات الفقر بينهم ويتراجع نصيبهم من الناتج المحلي الإجمالي.
وتهدد بعض التعديلات بمفاقمة هذه الأوضاع، وتفتح الباب لتقنين الانتهاكات القائمة لحقوق العمال، فيما يخص عقود العمل المؤقتة، ولإخلال جسيم بأمان علاقات العمل، بينما يقلص فرص العمّال في الدفاع عن حقوقهم من خلال الأدوات القانونية والدستورية كالإضراب.
ما تقوله الورقة يتفق مع ما ورد في القانون، حيث قيد القانون حق الإضراب، بإلزام العمال بإبلاغ صاحب العمل والجهات المختصة قبل الإضراب بـ 10 أيام، كما لا تلزم صاحب العمل بدفع أجور للعمال في فترة الإضراب، كما يقلل المشروع العلاوة السنوية للعمال من 7% من الأجر الأساسي لـ 3% من الأجر التأميني، مع إبقاء ساعات العمل لـ 8 ساعات لا تشمل فترة الراحة، رغم الاتجاه العالمي لتقليل ساعات العمل.
قانون المياه.. اشرب وانت ساكت
في مايو/ آيار 2025، ووسط ازدحام البرلمان بمناقشات القوانين، انزلق قانون المياه والصرف الصحي الجديد ليجد طريقه للموافقة عليه وإقراره بصورة سريعة، دون نقاش مجتمعي أو إعلامي.
اعتبر البعض المادة (73) من قانون #المياه تكريسَا لسياسة تكميم الأفواه وتضييق الخناق على المواطنين فيما يتعلق بالتعبير عن أراءهم بشأن المرفق الأهم في حياتهم.#سد_النهضة#مصر#الفقر_المائي https://t.co/Zvz3ievD9c
— نون بوست (@NoonPost) May 28, 2025
القانون الجديد احتوى على الكثير من الأزمات، على رأسها تكميم الأفواه، حيث القانون على معاقبة كل من قام بترويج الشائعات، أو معلومات غير صحيحة عن جودة المياه بغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه، ولا تزيد عن خمسمائة ألف جنيه”.
ضمن الفخاخ التي حملها القانون، هو السماح للقطاع الخاص المشروع بالمشاركة في إنشاء وتشغيل وصيانة وتمويل شبكات المياه والصرف الصحي، مع وجود ممثل للقطاع الخاص في مجلس إدارة الجهاز التنظيمي لمرفق مياه الشرب والصرف الصحي المسؤول عن تسعير المياه، مع تكرار تجربة العدادات مسبقة الدفع التي سبق وتم تنفيذها في مرفق الكهرباء.
تقسيم دوائر لا مقاعد
في مايو/ آيار 2025، خرج البرلمان بتعديل قانون الانتخاب الذي تجاهل كافة المطالب والحوارات المجتمعية حول النظام الانتخابي، وعدل فقط تقسيم الدوائر.
وكان الإنتخابات البرلمانية تجرى بنظام القائمة المغلقة، حيث تنجح القائمة الحاصلة على أعلى الأصوات بكاملها، وهو النظام الذي رفضته القوى الوطنية المعارضة، وعلى رأسها الحركة المدنية، لاستحالة المنافسة بين قوائم الموالاة والمعارضة لاسيما مع نقص التمويل لقوائم المعارضة، ودفع الحركة لمقاطعة الإنتخابات.
لم يكن عام 2025 مميزًا في مصر، لكنه على الأقل حصل على لقب عام القوانين المثيرة للجدل، التي دبر أمرها بليل في فصل تشريعي مزدحم، لا لشئ سوى رغبة الحكومة في إصدار قوانين جديدة لأهدافها الخاصة قبل انتهاء الدورة البرلمانية، في الوقت الذي لا توجد معارضة كافية لتعطيل تمرير هذه القوانين، لتصبح المعارضة البرلمانية لا تزيد عن كونها مجرد أصوات اعتراضية ليست ذات قيمة.