ترجمة وتحرير: نون بوست
على مدار العام الماضي، أحدث جيل الناخبين الأمريكيين الأصغر سنًا انقلابًا كبيرًا في مفاهيمنا عن السياسة. فقد اتجهت شريحة جيل “زد” بقوة نحو الجمهوريين العام الماضي، حيث تحرك ما بين 6 و21 نقطة (بحسب مصدر البيانات) لصالح الرئيس دونالد ترامب مقارنة بعام 2020. لكنهم الآن يبدو أنهم ينحرفون بالقدر نفسه في الاتجاه المعاكس؛ ففي استطلاعات حديثة، يفضلون سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس بفارق 17 نقطة في عام 2026، كما أنهم يعبرون عن رفض شديد لترامب، وهو انقلاب في موقفهم مقارنة ببداية هذا العام.
ويشمل هذا التحول أيضًا فئة الشباب الذكور، تلك الشريحة التي ركز عليها الديمقراطيون وكثير من وسائل الإعلام خلال العامين الماضيين لفهمها. فقد أشارت تقارير في السنوات الأخيرة إلى أن هؤلاء الشباب الأمريكيين باتوا أكثر ميلًا إلى المحافظة، وأكثر تدينًا، وأكثر فضولًا تجاه ترامب، كما أنهم كانوا يتمردون على الديمقراطيين والثقافة الشعبية التي جعلت الذكورة التقليدية أمرًا محظورًا، وكل ذلك في ظل أزمة صحة نفسية ووحدة متفاقمة.
فهل يمكن أن يكونوا قد تحولوا إلى “ليبراليين عاطفيين” خلال بضعة أشهر فقط؟ الإجابة قد تحدد أكثر من مجرد نتائج الانتخابات النصفية. إذ قد تكون هناك دوافع مختلفة لدى شرائح جيل “زد” للشعور بخيبة الأمل تجاه الأحزاب والسياسة الوطنية، وهو ما قد يحدد ما الذي سيحتاج إليه الجيل القادم من القادة السياسيين ليعيد إحياء الثقة في النظام السياسي.
ولتحليل هذه المسألة، عدتُ إلى نظرية شائعة حاولت صياغتها في الربيع: هناك نوعان متميزان من جيل “زد”. الأول هو الفئة الأكبر سنًا، المولودة بين عامي 1995 و2001، وهي أكثر ولاءً للديمقراطيين وأكثر ألفة مع أسلوب الحياة السابق للجائحة. أما الفئة الثانية فهي الأصغر سنًا، المولودة بعد عام 2002، والتي نشأت خلال الجائحة وما بعدها، وهي ذات توجهات سياسية أكثر خصوصية، وبدا أنها أكثر تقبلًا لترامب خلال النصف الأول من العام وفي عام 2024.
الآن، تواصل البيانات الجديدة دعم الفرضية القائلة بوجود فروق دقيقة داخل جيل “زد” امتدت من عام 2024. والأهم من ذلك، أن استطلاعًا جديدًا نُشر الأسبوع الماضي من مشروع أبحاث الشباب يشير إلى أن الفئة الأصغر سنًا من الرجال في هذا الجيل باتت تتجه بشكل حاد نحو معارضة ترامب مقارنة بالفئة الأكبر سنًا. ورغم أنه مجرد مجموعة بيانات واحدة، إلا أنه يضيف إلى مجموعة الأدلة التي تؤكد أن أصغر أعضاء الهيئة الناخبة يمرون حاليًا بمرحلة مضطربة للغاية.
ما الذي تشير إليه البيانات الجديدة بأنه يحدث مع شباب جيل “زد”
في أكتوبر/ تشرين الأول، تعاون الفريق القائم على مشروع أبحاث الشباب مع مجموعة استطلاعات الرأي “يوغوف” للتركيز على الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا. وقد جاءت النتائج لتتحدى بعض النظريات التي طرحتها في وقت سابق من هذا العام، والتي تفيد بأن الفئة الأصغر من جيل “زد” أكثر ميلًا لتبني هوية “محافظة” واعتناق وجهات نظر تقليدية حول السياسة والمجتمع، وخاصة فيما يتعلق بالنوع الاجتماعي، مقارنة بالفئة الأكبر سنًا. ومع ذلك، توفر النتائج أيضًا دليلًا على أن آراء ومواقف هاتين الفئتين من الشباب تتغير بوتيرة مختلفة.
أولًا، هناك بعض الأمور المتوقعة؛ فكما في الاستطلاع السابق في مايو/ أيار، وجد الباحثون جيلًا من الشباب القلقين والمتشائمين. وبينما اعتقد معظم أفراد الفئة الأكبر سنًا من جيل “زد” أن البلاد تسير في الاتجاه الخاطئ، كانت هذه النسبة أعلى لدى الفئة الأصغر سنًا.
وظهر هذا الفارق في التشاؤم في معدلات تأييد دونالد ترامب (إذ رفض كلا الفئتين ترامب، لكن الفارق بينهما بلغ 6 نقاط لصالح الفئة الأصغر). كما ظهرت فجوات كبيرة في مستوى الدعم لبعض سياسات ترامب. فعلى سبيل المثال؛ فيما يتعلق بأساليب وكالة الهجرة والجمارك، ومتطلبات التطعيم في المدارس، وفصل الموظفين الفيدراليين، أبدى شباب جيل “زد” الأصغر رفضًا أكبر بكثير لمواقف ترامب مقارنة بالفئة الأكبر.
أما أكبر تباين بين المجموعتين فكان في نظرتهم إلى المجتمع والمعايير التقليدية للجنسين، فقد أظهر شباب جيل “زد” الأكبر سنًا آراء أكثر محافظة من الفئة الأصغر، وكانوا أكثر ميلًا للموافقة على عبارات مثل “الأوضاع تكون أفضل عمومًا عندما يجلب الرجال المال وتعتني النساء بالمنزل والأطفال” أو أن “النسوية تنحاز للنساء على حساب الرجال”. كما أبدت هذه الفئة آراء أكثر تشككًا تجاه الشواذ ومجتمع المتحولين جنسيًا.
وتكتسب هذه النتائج أهمية لأنها تبدو مناقضة لبعض التحليلات الأخرى لانقسامات جيل “زد”، والتي تشير إلى أن الفئة الأصغر، وليس الأكبر سنًا، هي الأكثر انفتاحًا على المحافظة والحزب الجمهوري.
وقال تشارلي سابغير، مؤلف تقرير مشروع أبحاث الشباب: “إن الشباب الذكور ككل يُعدّون أقل الأجيال أو الفئات الانتخابية أيديولوجية، من حيث آرائهم حول السياسات المختلفة. قد يظهرون على الورق أكثر محافظة بشكل عام، لكن من حيث السياسات والأيديولوجيا الفعلية، لم يلتزموا بأي منظومة صارمة من المعتقدات كما فعلت الشابات، اللواتي يتبنين مواقف أكثر اتساقًا مع الليبرالية والتقدمية على مستوى السياسات والأيديولوجيا بشكل عام”.
وأقر سابغير بأن بعض الفوارق في المواقف الاجتماعية تتطلب مزيدًا من البحث لفحصها وربطها بأسبابها. فهل يمكن أن يكون السبب منصات مثل “تيك توك” وتدفقات المحتوى المدعومة بالخوارزميات؟ أم المؤثرون وصنّاع المحتوى المحددون الذين يشكلون وجهات نظرهم؟ أم هو التقدّم الطبيعي في العمر نحو تبني آراء أكثر محافظة، كما حدث مع الأجيال السابقة؟
وقال إن العلاقة السببية ما تزال غير واضحة، لكنه أوضح أن هناك بالفعل فجوة متسارعة مرتبطة بالعمر. فعلى الأقل فيما يتعلق بالآراء حول ترامب، أشار إلى أن “هناك شعور بالصدمة من سرعة الأحداث”، وهو شعور ينعكس على الفئة الأصغر سنًا بشكل مختلف عن الفئة الأكبر والأكثر خبرة التي عايشت رئاسة ترامب سابقًا. ومن المنطقي أن الفئة الأصغر التي انجذبت نحوه في البداية قد تنقلب عليه بشكل أكثر حدة. وأضاف: “من المرجح أنهم لم يكونوا مدركين لمدى عدم الاستقرار الذي شعر به الناس خلال تلك الإدارة الأولى، ولذلك فهم يشعرون الآن بالندم على خيارهم”.
هل الأجيال الأصغر بالفعل محافظة أكثر؟
وتشير مصادر بيانات أخرى، بما في ذلك استطلاعات رأي أخرى تركز تحديدًا على الناخبين الشباب، إلى تقلبات وانقسامات مشابهة داخل الجيل الأصغر من الناخبين، حتى وإن اختلفت نتائجها عن نتائج مشروع أبحاث الشباب فيما يتعلق بالأيديولوجيا. فاستطلاعات هارفارد وييل للشباب في الخريف، على سبيل المثال، رصدت تزايد التشاؤم والاحباط من توجهات البلاد، والآراء حول ترامب، وكذلك المواقف المتقلبة تجاه المجتمع والثقافة.
لكن استطلاع ييل للشباب – الذي كان من أوائل الاستطلاعات التي رصدت ميلًا أكثر محافظة وميلًا نحو الحزب الجمهوري بين شباب الجيل “زد” – كشف مجددًا عن انقسام في الآراء في أحدث نتائجه المنشورة هذا الشهر. فقد كانت الفئة الأصغر أقل ميلًا لوصف نفسها بأنها “ليبرالية” وأكثر ميلًا لوصف نفسها بأنها “محافظة” مقارنة بالفئة الأكبر، وفقًا لما قاله ميلان سينغ، مؤسس ومدير استطلاع ييل للشباب سابقًا.
وكانوا أكثر ميلًا للموافقة على رئاسة ترامب وأكثر دعمًا لبعض سياساته، وقال سينغ: “إذا نظرت إلى أي من هذه الأسئلة التي تتضمن تصنيفات عمرية، فستلاحظ دائمًا أن الفئة العمرية بين 18 و22 عامًا أكثر محافظة قليلًا من الفئة بين 23 و29 عامًا. لكنه شدد على أن هذا لا يعني أن كل شاب هو “جمهوري متشدد من أنصار ترامب ويميني متطرف”.
هذا الانقسام يثير سؤالًا أكبر: هل هؤلاء الشباب أكثر عرضة لتغيير طريقة تصويتهم بسبب المخاوف الاقتصادية وخيبة الأمل من ترامب؟ أم أن هذه الاختلافات الأيديولوجية قوية ودائمة، بما يقدم لحركة ترامب أو الحزب الجمهوري مستقبلًا قاعدة من المحافظين الشباب المتحمسين الذين سيدفعون جيلهم نحو اليمين؟
ويرى سينغ أنه رغم وجود ميل أكثر محافظة – يزداد حدة بفعل عامل الجنس – بين الفئة العمرية 18 إلى 22 عامًا مقارنة بالفئة 23 إلى 29 عامًا، فإن هؤلاء الشباب ما زالوا قابلين للإقناع، لأنهم لا يحملون بالضرورة قناعات أيديولوجية راسخة. أما تبني رواية بعض اليمين بأن هناك جيلًا صاعدًا من الشباب اليميني المتشدد المدفوع بالتمييز و”اليقظة” ومبادرات التنوع والثقافة التقدمية، فهو قراءة خاطئة للحظة الراهنة.
وقال سينغ: “يمكنك أن تبني سردية واضحة مفادها أن السبب الرئيسي وراء تصويت كثير من الشباب لترامب في 2024، رغم أنهم عادة ما يصوتون للديمقراطيين أو يُتوقع منهم أن يكونوا ديمقراطيين، هو أنهم كانوا مستائين بشدة من تكاليف المعيشة. وبالطبع يجب الإشارة إلى أن بعض الشباب ربما كانت لديهم آراء أكثر محافظة ولم يستطيعوا التواؤم داخل تحالف الحزب الديمقراطي الحالي. لكنهم رأوا أن ترامب لم يحقق وعوده بخفض تكاليف المعيشة، بل إن تشريعاته الأبرز في نظرهم زادت الأمور سوءًا وصبت في مصلحة المليارديرات على حسابهم، والآن هم ينقلبون ضده.”
أما ما تشير إليه هذه الانقسامات داخل الجيل “زد”، كما قال لي الصحفي المتخصص في البيانات والانتخابات إليوت موريس، فهو أن الخط الفاصل بين الشباب الأمريكيين هو مدى استعداد كل فئة منهم لهدم النظام بأكمله.
وقال موريس: “الطريقة الصحيحة لفهم الأمر هي النظر إلى الفئة الأصغر من الجيل “زد” باعتبارهم أكثر عداءً للنظام، وأشد رفضًا للمؤسسة، وأكثر تشاؤمًا [من الفئة الأكبر]. فإذا سألت هاتين المجموعتين عن الاتجاه الذي تسير فيه البلاد، ستجد أن هذه الفئة أكثر ميلًا للقول إن البلاد تسير في الاتجاه الخاطئ. وإذا سألتهم عن قلقهم بشأن وضعهم الاقتصادي، فهم أيضًا أكثر تشاؤمًا. وإذا كانت فرص عملهم بعد التخرج أو أثناء الدراسة خلال فترة كوفيد قد تراجعت، فإنهم سيكونون أكثر عداءً للحزب الديمقراطي، وأكثر رفضًا لهاريس في 2024، ثم سيكونون أكثر رفضًا لترامب في 2025 و2026″.
ويظهر هذا بشكل أوضح بين الشباب الذكور، الذين هم من بين أكثر الفئات ميلًا للتعبير عن عدم رضاهم عن تعامل ترامب مع مسألة القدرة على تحمل التكاليف والاقتصاد، بعد أن صنفوها كأهم أولوياتهم قبل انتخابات 2024.
وقد وافق سابغير، من مشروع أبحاث الشباب، على أجزاء من هذا الاستنتاج. ففي استطلاعات المشروع التي أجريت في مايو/ أيار وأكتوبر/ تشرين الأول، كانت غالبية الفئة الأصغر من الجيل “زد” لا يزالون طلابًا أو غير عاملين بدوام كامل، وأعربوا عن شعور أكبر بعدم الاستقرار المالي والإحباط من وضع البلاد. وربما ساهمت قلة خبرتهم في مواجهة عالم أكثر اضطرابًا مما واجهته الفئة الأكبر من الجيل “زد” في هذا التحول.
وستكون لهذه الاختلافات تأثير كبير على الانتخابات الأمريكية المقبلة، وعلى السياسة بشكل عام؛ فقد كان جزء كبير من النقاشات التي دارت خلال العامين الماضيين حول الشباب الأمريكي متشائمة أو تتسم بنزعة حتمية إلى حد كبير فيما يتعلق بآرائهم الأيديولوجية أو وضعهم كناخبين متأرجحين، حيث قيل إنهم لا يمكن الوثوق بهم كناخبين ديمقراطيين، أو أنهم يحتاجون ببساطة إلى مزيد من التواصل التقدمي، أو أنهم أصبحوا الآن ناخبين جمهوريين متشددين أو “غرويبرز“، ولكن اتضح أن الناخبين الشباب، والشباب على وجه التحديد، مثلهم مثل المجموعات الفرعية الأخرى، ليسوا كتلة متجانسة.
المصدر: فوكس



