من الصعب التعامل مع التصريحات الصحفية التي أدلى بها بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوصفها نتائج حاسمة للزيارة الخامسة لرئيس الوزراء الإسرائيلي إلى الولايات المتحدة، ولا سيما أنها جاءت محمّلة بتعابير فضفاضة ومجاملات سياسية متبادلة، أكثر مما حملت مواقف تنفيذية واضحة.
غير أن القراءة الأهم تكمن في الخطوط العامة التي أعلنها دونالد ترامب، والتي منحت نتنياهو هامش ارتياح سياسي، عبر إعفائه من الحرج أو القيود العلنية التي اعتاد الرئيس الأمريكي تثبيتها كأمر واقع في مؤتمراته الصحفية، لا سيما في الملفات الأكثر حساسية.
ولم تكن ترتيبات الزيارة يسيرة، سواء في ظل ضيق الوقت المتاح بسبب احتفالات رأس السنة في الولايات المتحدة، أو بفعل جدول القضايا المزدحم الذي سعت “إسرائيل” إلى هندسته بما يتوافق مع منظور نتنياهو. منظور يدرك أن الزيارة لن تخلو من ضغوط أمريكية كبيرة في ملفات تسعى واشنطن إلى تسويقها كإنجازات في سجل ترامب، مقابل ملفات أخرى تتحصّن فيها “إسرائيل” لتحصيل مواقف أمريكية متقدمة تخدم رؤيتها العدوانية في المنطقة.
ملفات متعددة
تأتي زيارة بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة في توقيت تتزايد فيه مؤشرات الاستعصاء في عدد من ملفات المنطقة، ولا سيما في ضوء نتائج الجولات الحربية الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت الأراضي الفلسطينية واللبنانية والسورية، إضافة إلى المواجهة المباشرة مع إيران، والتي لم تُنتج حتى الآن تحولات استراتيجية مستقرة.
وإلى جانب هذه الملفات المشتعلة، يقف نتنياهو على أعتاب عام انتخابي، ما يجعل حساباته السياسية تتجاوز الاعتبارات الأيديولوجية أو الرؤية الاستراتيجية لحكومته اليمينية، لصالح أولويات مرتبطة بالمؤشرات الانتخابية، ومحاولة ترميم موقعه الداخلي في ظل أزمات سياسية وقضائية متراكمة.
وعلى خلاف التركيز الإعلامي السائد على مناقشة المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، كشفت التغطية العبرية أن جدول أعمال الزيارة أوسع وأكثر تعقيدًا، إذ يتصدره الملف الإيراني بوصفه العنوان الأكثر حساسية، فقد سعى نتنياهو إلى تحصيل دعم أمريكي لخيارات عسكرية وسيناريوهات تصعيد جديدة ضد إيران، في ظل تقارير تتحدث عن استئناف البرنامجين النووي والصاروخي الباليستي، بما يهدد بتبديد نتائج حرب “الاثني عشر يومًا”.
وبحسب هيئة البث الإسرائيلية، حمل نتنياهو معه “معطيات استخباراتية” قال إنها تُثبت نجاح إيران في ترميم برنامجها للصواريخ الباليستية، في مسعى للحصول على “ضوء أخضر أمريكي” لشن هجوم ضد أهداف إيرانية.
أما في ما يتعلق بقطاع غزة، فقد كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت عن أجواء قلق تسود أوساط المسؤولين الإسرائيليين من احتمال أن تُجبر تل أبيب على الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة دون استعادة “جثة الأسير الأخير”، ودون التزامات واضحة بنزع سلاح حركة حماس وتجريد القطاع من السلاح.
وأشارت الصحيفة إلى أن الانتقال إلى المرحلة الثانية يُعد أحد أبرز نقاط الخلاف بين “إسرائيل” والولايات المتحدة، لافتة إلى تزايد الاستياء داخل إدارة ترامب مما تعتبره واشنطن “ردود فعل إسرائيلية متسرعة ومتهورة”، وعرقلة لتنفيذ الاتفاق.
وفي هذا السياق، يسعى نتنياهو إلى مناقشة تفاصيل عمل “قوة الاستقرار الدولية” المزمع نشرها في غزة بقيادة الولايات المتحدة. ووفق الصحيفة، يقر مسؤولون إسرائيليون بأن نتنياهو قد يضطر، مجددًا، إلى التسليم بإرادة ترامب إذا ما أصبح الوجود التركي عاملًا حاسمًا في إنجاح خطته.
إلى جانب غزة وإيران، يبرز الملف السوري كأحد عناوين الخلاف بين الطرفين، إذ ترى الولايات المتحدة ضرورة منح القيادة السورية الجديدة فرصة، في حين تخشى “إسرائيل” من ضغوط أمريكية للانسحاب من مناطق تصفها بأنها ذات أهمية استراتيجية. ويأتي ذلك في ظل توغلات إسرائيلية شبه يومية في ريف القنيطرة جنوبي سوريا، تتخللها اعتقالات، وإقامة حواجز، وتدمير مزروعات.
أما في ما يخص لبنان، فتشير يديعوت أحرونوت إلى تقارب واسع في الموقفين الأمريكي والإسرائيلي، حيث تعتبر تل أبيب أن الجيش اللبناني يتحرك ببطء شديد في ملف نزع سلاح حزب الله جنوبًا، وتلوّح بإمكانية توجيه ضربة جديدة إذا لم يظهر “بديل فعّال”. ووفق الصحيفة، تميل إسرائيل حاليًا إلى الحفاظ على سيطرتها على مناطق محددة، ومواصلة الغارات عند الحاجة، مع مراقبة التطورات عن كثب.
وفي السياق ذاته، رأت القناة 13 الإسرائيلية أن “رياح الحرب في لبنان تزداد قوة”، وأن قضية نزع سلاح حزب الله باتت أكثر إلحاحًا بالنسبة لإسرائيل.
وإلى جانب هذه الملفات، يظل ملف المساعدات العسكرية الأمريكية حاضرًا على طاولة البحث، في إطار حرص واشنطن وتل أبيب على الحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل في المنطقة.
غير أن خلافات برزت مؤخرًا بشأن احتمال بيع الولايات المتحدة مقاتلات من طراز “إف-35” لدول إقليمية، بينها تركيا والسعودية. وفي هذا السياق، نقلت يديعوت أحرونوت عن وثيقة لسلاح الجو الإسرائيلي تأكيدها أن التفوق الجوي الإسرائيلي “يعتمد على الحفاظ على الوصول الحصري إلى طائرات الجيل الخامس”.
وفي بعدٍ داخلي لا يقل أهمية، يسعى نتنياهو إلى تعظيم استثماره في الدعم الأمريكي، وخصوصًا من الرئيس دونالد ترامب، للضغط على الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ من أجل منحه عفوًا في قضايا الفساد التي يواجهها.
فقد طلب ترامب رسميًا، في 12 نوفمبر الماضي، من هرتسوغ إصدار عفو عن نتنياهو، قبل أن يتقدم الأخير بطلب رسمي، أثار انتقادات واسعة داخل إسرائيل، واتهامات لترامب بالتدخل في الشؤون الداخلية والإضرار بمبدأ المساواة أمام القانون.
ويواجه نتنياهو ثلاث قضايا فساد تتعلق بالرشوة وإساءة الأمانة، قد تفضي إلى سجنه في حال إدانته، ما يجعل هذا الملف حاضرًا بقوة في حساباته السياسية خلال الزيارة.
المغازلة السياسية حاضرة
تنفّس بنيامين نتنياهو الصعداء خلال المؤتمرين الصحفيين اللذين سبقا الاجتماع مع دونالد ترامب وتلاه، إذ حرص الرئيس الأمريكي على إظهار دعم كامل لرئيس وزراء الاحتلال على مختلف المستويات، مغدقًا عليه من المديح السياسي ما يحتاجه نتنياهو داخليًا في هذه المرحلة الحساسة.
وقد بلغ هذا المديح ذروته عندما وصف ترامب نتنياهو بـ”منقذ إسرائيل”، قائلًا إنه “كان بحاجة إلى رجل مميز جدًا ليقود ويساعد إسرائيل على تجاوز هذه الأزمة الرهيبة”، قبل أن يضيف عبارة كانت الأثقل وقعًا حين أشار إلى أنه “لولا نتنياهو لما كانت إسرائيل موجودة حتى الآن”.
في المقابل، لم يكن نتنياهو بعيدًا عن ملامسة “الأيجو” المفضل لدى الرئيس الأمريكي، الذي يحرص دائمًا على تقديم نفسه بوصفه أكثر الرؤساء دعمًا لإسرائيل وأعظم أصدقائها. وفي هذا السياق، منحت الحكومة الإسرائيلية ترامب “جائزة إسرائيل للسلام”، في خطوة عكست حجم الرهان السياسي على العلاقة الشخصية بين الطرفين.
وردّ ترامب على هذا التكريم بتصريح لافت، حين توقّع أن يفوز نتنياهو قريبًا “بجائزة خاصة به”، في إشارة مباشرة إلى العفو الرئاسي في قضايا الفساد التي يواجهها. وكرر الرئيس الأمريكي أنه حثّ الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ على منح نتنياهو عفوًا، في تدخل علني غير مسبوق في مسار قضائي داخلي.
ويبدو أن حفلة المغازلات السياسية بين الرجلين تقوم على فهم متبادل لطبيعة كل منهما؛ فنتنياهو يدرك جيدًا حساسية ترامب تجاه الإطراءات المرتبطة بصورته كـ”صانع سلام” وصاحب “بصمات تاريخية”، وما يمكن أن يترتب على ذلك من مواقف علنية سريعة. وفي المقابل، لم يكن رد فعل ترامب بعيدًا عن تلبية هذا النمط من الخطاب الذي يخدم الطرفين.
أما الرئيس الأمريكي، فيبدو واعيًا بعمق تأثير المشهد الداخلي الإسرائيلي على سلوك نتنياهو السياسي، الذي يزن مواقفه دائمًا بميزان استطلاعات الرأي والأصوات الانتخابية. ولذلك، لم يبخل ترامب بالمديح الذي تطرب له آذان نتنياهو، مقرونًا بتأكيد واضح على دعمه لفكرة العفو الرئاسي في قضايا الفساد، وهي الورقة التي يراها نتنياهو بوابة أمان سياسي حاسمة في المرحلة المقبلة.
دعم علني ومساحات رمادية
إلى جانب وصلات المديح المتبادلة، قدّم دونالد ترامب علنًا معظم المواقف التي كان يسعى إليها بنيامين نتنياهو، ما خلق شعورًا غير متوقّع بالارتياح لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي، لا سيما إذا ما قورن ذلك بملامحه المتحفّظة خلال الاجتماعات التحضيرية مع وزير الخارجية الأمريكي والمبعوث الخاص بالرئيس.
ومع أن ما يُقال في المؤتمرات الصحفية لا يعكس بالضرورة كامل المشهد، إلا أنه شكّل دفعة سياسية ومعنوية مهمة لنتنياهو في غالبية الملفات الحساسة المطروحة على جدول البحث. غير أن هذا الارتياح ظلّ محدودًا، في ظل إدراك عميق لطبيعة رئيس مثل ترامب، لا يمنح التزامات نهائية بقدر ما يترك الأبواب مفتوحة على احتمالات متناقضة.
في هذا السياق، تقول المراسلة السياسية لصحيفة معاريف، آنا برسكي، إن “الاستماع المتأني إلى تصريحات ترامب في مستهل اللقاء، ووضعها في سياق الخلفية التي سبقته، يرسم صورة أكثر تعقيدًا؛ فنحن لا نتحدث عن انقلاب أو استسلام، بل عن مزيج غير مريح من إنجازات فعلية، وفجوات مبدئية، ومساحة رمادية واسعة ما زال كل شيء فيها مفتوحًا”.
وتكمن إشكالية هذه “المساحات الرمادية” في كونها سمة شبه دائمة لإدارة مثل إدارة ترامب، التي تركز على العناوين الكبرى وتسجيل الإنجازات السياسية السريعة، فيما تُرحّل التفاصيل الدقيقة – وغالبًا المتفجرة – إلى مراحل لاحقة تُدار بمعالجات موضعية ومتدرجة، ما يجعل جميع الأطراف في حالة ترقّب وحذر دائمين.
وقد أظهرت التجربة أن تجاوز التفاصيل في المقاربات الأمريكية للملفات المشتعلة كان سببًا مباشرًا في انفجارات لاحقة؛ كما في الضربة ضد إيران، وفي حالة الاستعصاء اللبناني، وفي المقاربة غير الحاسمة للأزمة السورية، حيث تتعامل واشنطن بمنطق “إدارة الأمر الواقع”. وينسحب المنطق ذاته على قطاع غزة، وعلى ملفات دولية أخرى، حيث تُترك المسارات مفتوحة على تفسيرات متعددة.
هذا الواقع يدفع مختلف الأطراف إلى محاولة ملء الفراغات بما يخدم مشاريعها، وإعادة تأويل الرؤى الأمريكية وفق مصالحها الخاصة. وهو ما يفسر توتّر نتنياهو في أكثر من محطة، حين أدرك أن إسرائيل لم تعد تحتكر قناة التغذية المعلوماتية للإدارة الأمريكية، وأن فريق ترامب بات أكثر انفتاحًا على مقاربات مغايرة، من بينها المقاربات التركية.
وفي هذا الإطار، دفع نتنياهو بالفيتو الإسرائيلي على أي حضور تركي إلى أعلى مستوياته، في محاولة لوقف هذا التأثير، غير أن الخلاف برز علنًا حتى خلال المؤتمر الصحفي، مع تمسّك ترامب بدور تركي ومحاولة فرضه بصورة مباشرة على نتنياهو، الذي يدرك أن قدرته على الاعتراض في عنوان كهذا تتآكل أمام حجم الدعم والإغداق السياسي الذي يبديه سيد البيت الأبيض تجاهه.
مقاربات ومقايضات
بعيدًا عن الكاميرات، كانت التفاصيل أوسع وأعمق، ولا سيما في الاجتماعات التحضيرية وما تبقى من أيام زيارة بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة، إذ بدت الأجندة أثقل من أن تُحسم، كما وصفها دونالد ترامب، في “لقاء من خمس دقائق”.
لكل من الرجلين معادلته الخاصة، وكل منهما يعمل على تكييف المرحلة المقبلة بما يخدم هذه المعادلات. وفي هذا السياق، يشير الكاتب الإسرائيلي ناحوم برنياع في صحيفة يديعوت أحرونوت إلى أنه “على جانبي الطاولة ستلتقي أربع منظومات مصالح: المصالح الأميركية، والمصالح الإسرائيلية، والمصالح الشخصية لترامب، والمصالح الشخصية لنتنياهو”.
ويوضح برنياع أن المصالح الأميركية تتمحور حول إنهاء الحروب في المنطقة، بما فيها إيران، وإعادة ضبط المشهد إلى ما كان عليه قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، والدفع باتفاقيات تُكرّس استقرارًا إقليميًا تحت القيادة الأميركية. في المقابل، تنشغل إسرائيل بتفكيك سلاح “حماس” و”حزب الله”، وفرض قواعد اشتباك جديدة في سوريا ولبنان، ومنع إعادة بناء القدرات العسكرية الإيرانية.
أما على مستوى تداخل الشخصي بالسياسي، فيلفت برنياع إلى أن ترامب يستثمر أجندته الشخصية في الدفع باتجاه دول “قريبة من قلبه وجيبه” مثل السعودية وقطر وتركيا، وهي دول تتقدم، في حساباته، على إسرائيل. فالسرعة والمظهر العلني للإنجازات عنصران حاسمَان لديه، وهو يطالب بحصاد سياسي فوري وشخصي، إذ إن صبره قصير.
في المقابل، لا تقل منظومة المصالح الشخصية لنتنياهو تعقيدًا. ففي غزة، يواجه صعوبة بالغة في الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، في ظل بقاء قتيل إسرائيلي في القطاع، وهو ما يتناقض مع تعهداته الداخلية. والأهم أن هذه المرحلة تعني، عمليًا، إدخال عنصر فلسطيني إلى الحكم في غزة، وهو ما يفتح الباب أمام حضور السلطة الفلسطينية، باعتبار أنه لا يوجد “خيار ثالث”. كما أن مسار نزع السلاح سيكون بطيئًا وجزئيًا، بخلاف ما وعد به، ما يضعه في مواجهة مباشرة مع شركائه في الائتلاف، ويعيد شبح تقديم موعد الانتخابات.
هذه المعادلة الدقيقة دفعت نتنياهو إلى الذهاب إلى واشنطن بجعبة مرنة، تأخذ في الحسبان كل ما سبق، مع رفع سقف بعض القضايا مسبقًا، وفي مقدمتها الملف الإيراني. فهو يدرك أن الإدارة الأميركية لن تتنازل عن تحصيل مرونة إسرائيلية واضحة في ملفي غزة وسوريا على وجه الخصوص، وهو ما لا يريد تقديمه مجانًا.
في هذا الإطار، وجد الطرفان نفسيهما أقرب إلى اعتماد مقاربات مشتركة تقوم على ترحيل جزء كبير من التفاصيل إلى مراحل لاحقة، إذ تراهن إسرائيل في هذا المسار على انشغال الإدارة الأميركية ومللها التدريجي، بما يتيح لها إعادة تشكيل الوقائع ميدانيًا، مع الإبقاء على “مسامير جحا” في مختلف الساحات.
في المقابل، يسعى الطرف الأميركي إلى تثبيت إنجازات سريعة يحتاجها ترامب لتقديمها نموذجًا على “نجاعة” سياسته الخارجية في إيقاف الحروب، وتسويق “صفقاته” باعتبارها مدخلًا لسلام فعلي في أكثر الملفات تعقيدًا.
هنا، تبرز إيران بوصفها العنوان الجامع بين الطرفين؛ فهي تمنح نتنياهو ذريعة استراتيجية يضعها على طاولة ائتلافه الحكومي لتبرير مرونة في ساحات أخرى، وتمنح ترامب في المقابل أداة للجم اندفاعة إسرائيل نحو إعادة إشعال غزة وسوريا، مع الإبقاء على هامش أوسع لاعتداءات منخفضة الوتيرة في قطاع غزة بحكم “خصوصية الحالة”.
وفق هذه المقايضة، قدّم نتنياهو مرونة محسوبة للانتقال نحو نموذج جزئي من المرحلة الثانية في غزة، وخفض مستوى التدخل في سوريا، مقابل موقف أميركي علني داعم لتحركات عسكرية ضد إيران بالدرجة الأولى، وتوسيع هامش العدوان على “حزب الله” في لبنان بالدرجة الثانية، وقد أنجز ترامب الغطاء السياسي العلني في هذين الملفين، مع تثبيت ملف “سلاح غزة” كعنوان رئيسي يخدم نتنياهو دون تحويله إلى عائق أمام استكمال مراحل الاتفاق.
غير أن هذه المقايضة ليست بالضرورة ثابتة أو طويلة الأمد؛ فكلا الطرفين معني بتمرير الأشهر القليلة المقبلة، فيما يترك نتنياهو لنفسه هامش مناورة إضافي في حال أقدم ترامب على زيارة الأراضي الفلسطينية المحتلة لتسلّم “جائزة السلام الإسرائيلية”، وهي خطوة قد تمنحه دفعة سياسية غير مسبوقة، مع رصيد خمس زيارات إلى الولايات المتحدة، وزيارتين للرئيس الأميركي للأراضي المحتلة خلال النصف الأول من ولايته، تزامنًا مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، حيث يسعى نتنياهو إلى الاقتراب أكثر من “منطقة الأمان السياسي”.
وفيما كانت تعبيرات ترامب العلنية واضحة وصريحة في دعم نتنياهو، وأُرفقت بصفقة تسليحية تضمن التفوق العسكري الإسرائيلي، عبر منح وزارة الدفاع الأميركية شركة بوينغ عقدًا بقيمة 8.6 مليارات دولار لتزويد “إسرائيل” بـ25 طائرة مقاتلة متقدمة من طراز F-15 مع خيار شراء 25 طائرة إضافية، تبقى الأسئلة الحقيقية معلّقة حول ما سيقدمه رئيس وزراء الاحتلال فعليًا في التفاصيل التنفيذية للرؤية الأميركية للمنطقة، وهي تفاصيل يُنتظر أن تتكشف تدريجيًا مع اختتام الزيارة مطلع العام الجديد.
