تمتلك مدينة نيويورك، على الساحل الشرقي للولايات المتحدة، رمزيةً مهمة لا على صعيد اقتصاد البلاد فحسب، بوصفها حاضنة “وول ستريت”، بل أيضًا بسبب تركيبتها الفريدة وحجمها الوازن وتأثيرها العميق في الحياة السياسية والاجتماعية الأميركية عمومًا؛ فهي مدينة الـ3.1 مليون مهاجر، والثمانية ملايين مواطن، يشكّل الملوّنون نحو 70% منهم. وهي مدينة الفن والإعلام والدبلوماسية العالمية وحقوق الإنسان، ما يجعلها مرآة للسياسات التقدمية في الولايات المتحدة، وأداة قياس لاتجاهات الجمهور الأميركي حيال القضايا المحلية والدولية.
غير أن أهم ما يميز المدينة على الصعيد العالمي اليوم هو كونها تمثّل ثاني أكبر تجمع حضري ليهود العالم بعد إسرائيل؛ إذ يقطنها نحو 1.3 مليون يهودي في أحيائها المختلفة، في مقابل قرابة مليون مسلم، ما يجعلها مدينة دائمة الاحتكاك بين أتباع الأديان المختلفة، ولا سيما منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وقد صوّت قرابة 33% من يهود المدينة لصالح زهران ممداني، المرشح المسلم المعادي لإسرائيل، وهو ما يمثّل نسبة مرتفعة تنبئ بطلائع انقسام حاد داخل المجتمع اليهودي في نيويورك، ذلك المجتمع الذي لطالما صوّرته جماعات الضغط الصهيونية بوصفه كتلة واحدة متماسكة، قادرة على التأثير وتمتلك المال والنفوذ اللازمين لإملاء أجندتها الموالية لإسرائيل على السياسيين والعاملين في الإدارات الأميركية على مختلف المستويات.
فأي علاقة تربط ممداني بالمجتمع اليهودي في نيويورك؟ وأي واقع يعكسه انتخاب عمدة مناهض للسياسات الإسرائيلية؟ هل يمكن اعتبار انتخابه مؤشرًا على انقسام حاد بين اليهود، كرّسه السابع من أكتوبر؟ وهل ينبئ ذلك ببداية أزمة تواجه الصهيونية وجماعات الضغط الموالية لإسرائيل في الولايات المتحدة؟ أم أنها مجرد التقاء مصالح سرعان ما يذوب أمام الولاء الأكبر لإسرائيل؟ يجيب هذا المقال عن هذه الأسئلة وغيرها.
تحوّل للأنماط التقليدية للتصويت
لم تكن الحملة الانتخابية لممداني بالسهولة المتخيّلة، على الرغم من الكاريزما والشعبية التي يتحلّى بها الشاب الاشتراكي ذو الـ34 عامًا؛ إذ واجه فئات صعبة للغاية، من بينها رأسماليو المدينة الذين توعّدهم بزيادة الضرائب، وجهاز الشرطة الذي نادى يومًا ما بحلّه، انسجامًا مع أجندة منظمة الديمقراطيين الاشتراكيين في أميركا (DSA). غير أن أصعب تلك الفئات كانت يهود المدينة، الذين تفرّقوا بين مخاوفهم من العداء الظاهر لممداني لإسرائيل، وبين هويته الدينية والفكرية وما قد تعنيه لأمنهم وسلامتهم في المدينة، مدفوعين بحملة إعلامية ومجتمعية ضخمة قادتها المؤسسة الصهيونية الرسمية في الولايات المتحدة.
من ناحية انتخابية، ينقسم يهود مدينة نيويورك، البالغ تعدادهم ما يقارب 1.3 مليون يهودي، أي نحو 15% من مجموع الأصوات الانتخابية في المدينة، إلى يهود يصوّتون في الغالب للحزب الديمقراطي، وهم العلمانيون وغير المنتمين للطوائف، إلى جانب الإصلاحيين والمحافظين. في المقابل، يصوّت اليهود الأرثوذوكس المتشدّدون، الذين يتركّزون في مدينة بروكلين، للحزب الجمهوري، بينما ينقسم اليهود الأرثوذوكس المعتدلون بين الحزبين بحسب المرشّح والأجندة المطروحة. علمًا أنه، ووفقًا لإحصاءات وكالة الأنباء اليهودية (JNS)، فإن 20% من يهود المدينة هم من الإصلاحيين، و19% أرثوذوكس، و15% محافظون، بينما يشكّل السواد الأعظم، بنسبة 47%، علمانيين أو غير منتمين إلى طائفة يهودية بعينها.
هذه الأنماط التقليدية في التصويت لم تُسعف ممداني تمامًا، إذ إن السباق الانتخابي، ولأول مرة، لا ينحصر بين مرشّح ديمقراطي وآخر جمهوري، بل ينطوي على مرشّح مسلم معادٍ بشدة لإسرائيل ومتحمّس للحق الفلسطيني. وقد أشارت استطلاعات الرأي المبكرة إلى أن أغلبية أصوات يهود المدينة ستتجه إلى أندرو كومو، المرشّح المستقل، الذي مُني بهزيمة نكراء أمام ممداني في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في يونيو/حزيران من العام 2025.

يرى البعض أن حملة ممداني الانتخابية لم تُحدث صدعًا حقيقيًا بين مجتمعات اليهود في المدينة بقدر ما كشفت عن تصدّع قائم فعليًا، تُعدّ الفجوة العمرية من جهة، والتوجّهات الأيديولوجية من جهة أخرى، أبرز فصوله. بينما يذهب آخرون إلى القول إن ممداني، بهوياته المركّبة وأجندته الصادمة لمدينة مثل نيويورك، أحدث نوعًا من البلبلة داخل الصفوف اليهودية، وكانت فئة اليهود المعروفين بتوجّهاتهم “الصهيونية الليبرالية” من أكثر الفئات حيرة عشية انتخابات عمادة مدينة نيويورك.
يشير صامويل أبراهامز، الباحث في مؤسسة American Enterprise Institute” (AEI)”، إحدى أبرز خزانات الفكر ومنظمات السياسات العامة في الولايات المتحدة، إلى أن انتخاب ممداني فضح، إلى حدّ بعيد، الانقسام الأخلاقي داخل مجتمع لطالما صُوِّر ككتلة واحدة قوية، هو مجتمع يهود نيويورك.
ويرى أبراهامز أن النسبة التي دعمت ممداني تكشف ما هو أبعد من الانقسام السياسي، لتدلّ على انقسام جغرافي–أخلاقي داخل أوساط يهود المدينة، وعلى معنى أن تكون يهوديًا في نيويورك اليوم. ففي أحياء بارك سلوب وبروسبيكت هايتس وكلينتون هيل، بلغت نسبة التصويت لممداني نحو 90% بين يهود يشكّلون شريحة شبابية متعلّمة تعليمًا عاليًا ومهنيًا ومبدعًا، معظمهم غير منتمين إلى الطائفة الأرثوذكسية، ويميلون إلى اليسار، وتحتلّ وسائل التواصل الاجتماعي موقعًا مركزيًا في تشكيل وعيهم، في وقت تراخت فيه قبضة المؤسسة اليهودية الرسمية الجامعة.
في المقابل، وعلى الضفة الأخرى من النهر، في بورو بارك وكراون هايتس والجانب الشرقي العلوي من مانهاتن، وصلت نسبة التصويت لكومو إلى نحو 80%. وهؤلاء يهود تقليديون، أثرياء، غزيرو الإنجاب، خرّيجو مدارس دينية، ومرتبطون عضويًا بإسرائيل، ولا تزال القيم الجمعية والمؤسسة اليهودية تشكّل وعيهم السياسي والاجتماعي.
وكانت الفجوة العمرية بين يهود المدينة عاملًا حاسمًا في مقاربتهم لإسرائيل؛ إذ أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة “Pew Research Center” عام 2024 أن 45% من اليهود الذين تقل أعمارهم عن 35 عامًا في الولايات المتحدة يحملون منظورًا إيجابيًا تجاه حكومة إسرائيل وسياساتها، مقابل 64% ممن تزيد أعمارهم على 50 عامًا.
View this post on Instagram
وبالمثل، أظهر استطلاع رأي أجرته صحيفة “The Washington Post” أن 56% من يهود الولايات المتحدة يشعرون بنوع من الارتباط بإسرائيل، بينما تهبط هذه النسبة إلى أدنى مستوياتها، عند 38%، بين اليهود الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا.
من ناحية أخرى، كان الانتماء الطائفي لليهود عاملًا مؤثرًا في علاقتهم بإسرائيل، وفي مدى الأهمية التي تحتلها «الدولة اليهودية» ضمن سلّم أولوياتهم؛ ففي استطلاع رأي آخر أجرته مؤسسة “Pew Research Center” عام 2021، تبيّن أن 58% من يهود الولايات المتحدة مرتبطون بإسرائيل، إلا أن هذه النسبة ترتفع إلى أكثر من 82% بين اليهود الأرثوذوكس المتدينين، وتهبط إلى ما دون 60% بين اليهود الإصلاحيين وغير المنتمين إلى طوائف دينية.
وبرغم هذا الارتباط العام والفضفاض بالدولة اليهودية، لا تحتل إسرائيل، بالنسبة لكثير من يهود المدينة، رأس قائمة أولوياتهم؛ إذ تتقدّم عليها هموم المعيشة اليومية والقدرة على تحمّل التكاليف الباهظة للحياة في نيويورك، ففي استطلاع رأي أجرته منظمة “Democratic Jewish Polling” في سبتمبر/أيلول 2024، قال 9% فقط من يهود الولايات المتحدة إن إسرائيل تقع ضمن أول أولويتين في حياتهم، بينما صوّت 44% لصالح مستقبل الديمقراطية بوصفه أولوية أولى، و28% لصالح حقوق الإجهاض، تلتها قائمة طويلة من القضايا الاقتصادية والمناخية والأمنية، في حين جاءت إسرائيل فعليًا في ذيل سلّم الأولويات لدى يهود الولايات المتحدة.
حملات التخويف والدفع المضاد
لعبت الحاخامية الموالية لإسرائيل، وبإسناد من كبريات الوكالات الإعلامية الأميركية، على وتر التخويف من “الخطر” الذي يمثّله ممداني على المجتمعات اليهودية في نيويورك. وقاد هذه الحملة الترهيبية الحاخام إليوت كوسجروف، قائد كنيس “Park East Synagogue”، وأحد أشهر الأصوات الصهيونية في المدينة، ليؤيّده في ذلك نحو ألف حاخام صهيوني في الولايات المتحدة. وقد انتشرت هذه الحملة انتشار النار في الهشيم عبر وسائل إعلام كبرى مثل “The Wall Street Journal” و”The New York Times” و”The Washington Post”، وغيرها من المنابر الصاخبة في الإعلام الأميركي.
وربطت هذه التهديدات، شأنها شأن الخطاب الصهيوني عمومًا، بين انتقاد السياسات الإسرائيلية المتعلقة بالاحتلال وحرب الإبادة وسياسات الفصل العنصري، وبين “معاداة السامية”، مدّعية أنها مؤامرة يحيكها أنصار الحق الفلسطيني وتستهدف أمن وسلامة اليهود في المدينة وبقية الولايات الأميركية.
ودعا كوسجروف، في رسالته إلى المجتمع اليهودي في مدينة نيويورك، اليهود إلى تقديم انتمائهم الديني لليهودية وحبّهم لإسرائيل على سائر الهموم التي تدفعهم نحو ممداني. وبذلك خاطب اليهود الذين لم يحسموا أمرهم بعد، واليهود التقدميين الذين ناصروا ممداني، واليهود المنتقدين لسياسات بنيامين نتنياهو وحكومته، واليهود من ذوي الدخل المحدود، إضافة إلى أولئك المتأثرين بوسائل التواصل الاجتماعي، على حدّ وصفه. وهي فئات يرى كوسجروف أنها غير منخرطة بما يكفي في مواجهة “الخطر الممداني”، ليعيد بذلك إنتاج خطاب المؤسسة الصهيونية الرسمية التي لا تتصوّر فصلًا بين اليهودية والانتماء إلى الصهيونية؛ ذلك الفصل الذي ما فتئ يتّسع ويزداد حدّة، مدفوعًا بالفظائع المرتكبة في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر.
يقف على قارعة الطريق، يحمل لافتات توعي بحقيقة ما يجري في غزة وأعلام لفلسطين.. يهودي في #أمريكا يدعم #فلسطين وحده. pic.twitter.com/zZozLS2Ixd
— نون بوست (@NoonPost) July 4, 2024
كان المرشّح الأبرز لليهودية الصهيونية هو أندرو كومو، الذي حاول الاصطياد في الماء العكر والتلاعب بمشاعر يهود المدينة لكسب أصواتهم؛ إذ أعلن أنه “مناصر عتيد لإسرائيل”، مؤكّدًا أن معاداة الصهيونية تعني بالضرورة معاداة السامية، ومتعهّدًا بالانضمام إلى الفريق القانوني لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام المحكمة الجنائية الدولية.
كما هاجم ممداني واصفًا إياه بـ”المتعاطف مع الإرهاب”، وهو خطاب لاقى أصداءً واسعة لدى صهاينة ومسؤولين أميركيين، على رأسهم دونالد ترامب، وعضو الكونغرس الجمهورية إليس ستيفانيك، وعضو الكونغرس الديمقراطية لورا جيلين، اللتين وصفتا ممداني بأنه “جهادي” و”مناصر لحماس” و”داعٍ لذبح اليهود”. وقد حصد كومو بالفعل، عقب حملته العنصرية المشبعة بالإسلاموفوبيا، 63% من أصوات يهود المدينة، مقابل 33% ذهبت لممداني.
View this post on Instagram
غير أن اليهود التقدميين لم يتركوا الميدان لقادة الصهيونية الذين يدّعون أنهم “يهود المدينة الأساسيون” ويتحدثون باسم الجميع، في محاولة لإقصاء المعارضين والتعمية على الانقسامات الحادّة داخل المجتمع اليهودي، فقد لعبت الشبكات والمؤسسات اليهودية الناشطة في مجال العدالة الاجتماعية دورًا طليعيًا في توجيه الناخبين اليهود؛ إذ أثنت جيمي بيرن، الرئيسة التنفيذية لمنظمة “Bend the Arc: Jewish Action”، إحدى أهم وأكبر الشبكات اليهودية التقدمية في المدينة، على جهود ممداني وأجندته الهادفة إلى حماية الأقليات الدينية، بمن فيهم اليهود.

ممداني يقتنص الفرص
مواقف ممداني الرافضة ليهودية الدولة والداعمة لحركة المقاطعة والمناصرة داخل المدينة دفعت مئات من الحاخامات التقليديين إلى حشد الطاقات لمعارضته، وتحريك المجتمع اليهودي للتصويت لصالح كومو، غير أن هذا التوجّه لم يثنِ ممداني عن مواصلة بناء الجسور مع يهود المدينة؛ إذ حضر صلوات الأعياد اليهودية في كبريات كنس المدينة، مثل كنيس كولوت حايينو وكنيس لاب/شول، وزار قادة يهودًا حسيديين في عيد المظلة جنوب ويليامزبرغ، وألقى كلمة أمام أعضاء كنيس بيت ألوهيم، وأجرى مقابلة مع مجلة “دير مومنت” اليهودية الصادرة باللغة اليديشية، كما نشر مقالًا باللغة اليديشية الحسيدية شرح فيه خططه لمناهضة معاداة السامية وتحسين مستويات المعيشة.
والتقى ممداني سرًّا وعلانية بقادة يهود متشدّدين في المدينة، من بينهم مجلس حاخامات مدينة نيويورك، وخصومه البارزون مثل الحاخام إليوت كوشوجروف، قائد كنيس بارك أفنيو، والحاخام إيميل هيرسش، قائد كنيس ستيفن وايز، والحاخام جوزيف بوتاسنيك، المدير التنفيذي للمجلس، وجميعهم حاخامات معروفون بانتمائهم إلى التيار الصهيوني.
كما تمكّن ممداني، بمساعدة أنصاره من اليهود اليساريين المتحمّسين لعمادته والمناصرين بطبيعة الحال للحقوق الفلسطينية، من الوصول إلى عدد من المجتمعات اليهودية المؤثرة في نيويورك، وإن جمعته بكثير منهم لقاءات مغلقة وذات خصوصية، خشية حملات التخوين والانتقام التي تقودها الحركة الصهيونية الرافضة له بالمطلق.
📍أظهر استطلاع جديد أجرته وزارة إسرائيلية، أن أكثر من ثلث المراهقين الأمريكيين اليهود الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و18 سنة يتعاطفون مع حمـ.ـاس.
📍وجاء في نتائج الاستطلاع الذي نشرته “وزارة شؤون الشتات الإسرائيلية”، أن %36.7 من المراهقين إمّا “اتفقوا” أو “اتفقوا بشدة” مع عبارة “أنا… pic.twitter.com/VZhpBHon3l
— نون بوست (@NoonPost) November 23, 2024
وقد أثمرت هذه اللقاءات عن تطمينات قدّمها ممداني لقادة المجتمع اليهودي بشأن الحماية ومناهضة معاداة السامية وخطاب الكراهية الذي يستهدف اليهود؛ غير أنه، في الوقت نفسه، لم يهادن في مواقفه الناقدة لإسرائيل والمؤيّدة لحركة المقاطعة والحراك الشعبي المناصر للقضية الفلسطينية، مع تعهّده بتجنّب شعارات قد تُفسَّر، من منظور قادة يهود المدينة، على أنها تحريضية أو تنطوي على عنف، مثل “الموت لجيش الاحتلال” و”عولموا الانتفاضة”.
إذ أكّد ممداني، خلال لقائه مع شرائح واسعة من مجتمعات اليهود في نيويورك، عزمه على زيادة الوجود الشرطي خارج الكنس اليهودية، ومضاعفة الاستثمار في برامج مناهضة الكراهية. كما أبقى، في بادرة حسن نية، على رئيسة جهاز الشرطة في المدينة، جيسكا تيسش، في إشارة إلى أن معاداة الصهيونية لن تكون معيارًا في اختيار فريق إدارته.
وبكاريزميته الجذّابة ودبلوماسيته المعهودة، استطاع ممداني تشكيل تحالف نادر بين بعض أوساط المجتمع الحسيدي واليهود التقدميين، وكذلك شريحة ممّن يُعرفون بـ«الصهاينة الليبراليين»، مؤمّنًا دعم مسؤولين يهود رفيعي المستوى في المدينة، في مقدّمتهم روث ميسنيجر، إحدى أبرز السياسيات اليهوديات في نيويورك، التي رأت في أجندة ممداني الاقتصادية أملًا لسكان المدينة الأقل حظًا، بمن فيهم اليهود محدودو الدخل.
كما أيدته أسماء يهودية لامعة في عالم السياسة والحزب الديمقراطي، مثل مراقب مدينة نيويورك براد لاندر، والنائب في الكونجرس جيري نادلر، بينما التزم بعض الديمقراطيين اليهود مثل تشاك شومر، رئيس حزب الأقلية في مجلس النواب الحياد في السباق الانتخابي، في إشارة إلى الانقسام الذي يعيشه السياسيون اليهود بين الانتماء الحزبي والوطني من جهة، والانتماء الديني والأيديولوجي من جهة أخرى.
تصدّع قديم وتحولات جديدة
تسلّط فيليسا ويسدم، مديرة منظمة “Jewish New York Agenda”، الداعمة بقوة لما تسميهم “الصهاينة الليبراليين” المؤمنين بيهودية وديمقراطية إسرائيل، الضوء على الصراع الذي بات يحكم أذهان يهود مدينة نيويورك وضمائرهم، مدفوعين بالفظائع القادمة من قطاع غزة وغياب المخرج الذي كان يعنيهم سابقًا بحلّ الدولتين. ووفقًا لويسدم، فقد عبّدت غزة الطريق أمام ممداني؛ فما لم يكن يومًا واردًا في ذهن يهودي التصويت لشخصية معادية للصهيونية مثل ممداني قد حدث بالفعل، بل إن بعض الصهاينة المعادين لنتنياهو صوّتوا له رغم كل شيء.
وفي مقال ساخر نشرته وكالة CNN بعنوان “أكره خياراتي: كيف قسّم ترشّح ممداني يهود نيويورك”، عرضت الوكالة شهادات حيّة ليهود صهاينة في المدينة انقسموا حول ما إذا كان ينبغي التركيز على سياسات مدينتهم باعتبار ممداني عمدةً لنيويورك لا سفيرًا لتل أبيب، وحول ما إذا كان الخوف من حملات انتقامية مدفوعة بسياسات ممداني ومواقفه المعلنة من الصهيونية سيطالهم. وتوزّعت أصوات هذه الفئة بين قلة صوّتت لممداني، وأغلبية اختارت كومو مع اعترافهم صراحة بفساده وبغضهم له بوصفه “أهون الشرّين”، وأخيرًا قلة صوّتت للمرشّح الجمهوري سليوا أو امتنعت عن التصويت نهائيًا.
لا تزال توجّهات الصهاينة اليهود في نيويورك تميل بقوة إلى حماية إسرائيل؛ غير أن صدعًا بدأ بالفعل يهزّ مواقف كانت موحّدة في ما مضى. ورغم تصويتهم الكثيف لكومو، فإن إحجامهم عن الإفصاح عن توجهاتهم الشخصية أو الإدلاء بمعلومات حول تفضيلاتهم يشير إلى عمق الأزمة التي يعانونها بين واقع يرفض الصهيونية وحلمٍ قديم مثّلها بوصفها درع اليهود الحامي.
أما بقية يهود المدينة، فالصدع بينهم أعمق وأوضح للعيان؛ وقادم الأيام ينذر بتحوّلات جذرية في ما عُرف طويلًا بـ”المجتمع اليهودي الموحّد” في نيويورك وسائر الولايات، فما إن أُعلن فوز ممداني بانتخابات العمادة حتى سارع قادة كُنس تقدّمية في المدينة إلى إصدار رسالة مفتوحة ليهودها تدعو إلى تنفيذ وصية النبي إرميا “بالعمل لسلام المدينة”، ومدّ يد التعاون بنيّة حسنة لمن يدير شؤونها، في إشارة إلى التعاون مع ممداني خلال السنوات الأربع المقبلة.
وفي السياق نفسه، اعتبرت منظمة “Bend the Arc: Jewish Action” أن مرحلة ما بعد الانتخابات تمثّل فرصة لإعادة بناء الجسور داخل المجتمعات اليهودية، وإصلاح الرتق الذي كشفت عنه حملة ممداني، مؤكدة ضرورة التوصّل إلى حلّ وسط وبناء تحالف لا تكسره الصدوع الأيديولوجية والعمرية بين يهود المدينة، وأن يجد المجتمع اليهودي في عمادة ممداني عونًا على المصالحة ونبذ الخلافات، ومناهضة من يعاديهم بحق، دون تخويف مبالغ فيه أو في غير محلّه، وهو ما يؤكد أن الرتق اتّسع على الراتق، ولم يعد ثمّة ما يُسمّى “الكتلة اليهودية التصويتية الموحّدة” التي تهدّد عروشًا وترفع أقوامًا وتُسقط آخرين.