مع مطلع كل عام، يعود الصوت نفسه، صوت إسماعيل الأزهري، خارجًا من تسجيل قديم مشحونًا بحماسة لحظة لا تزال حاضرة في الذاكرة الجمعية: إعلان استقلال السودان في صباح الأول من يناير/كانون الثاني 1956. يتكرر الخطاب، تعاد اللقطة، وتُستحضر الكلمات بوصفها طقسًا وطنيًا ثابتًا، لا يكاد يتغير.
لكن الصوت الذي كان يومًا إعلانًا لدولةٍ تولد، يصل اليوم إلى آذان سودانيين في أماكن متباعدة، وفي ظروف لم تخطر على بال جيل الاستقلال، يصل إلى منفيين أثقلتهم الحرب التي تقترب من عامها الثالث، وإلى نازحين في طويلة أو الدبة، يبحثون عن مأوى قبل أن يبحثوا عن معنى السيادة، وإلى لاجئين في معسكر كرياندنغو بأوغندا، صارت فكرة الدولة بالنسبة لهم أبعد من خطاب قديم.
بين صوتٍ يتحدث عن السيادة، وواقعٍ تمزقه الحرب تتباين طريقة استقبال ذكرى الاستقلال، وتختلف دلالاتها، بل ويعاد طرح السؤال نفسه، بإلحاح أكبر: ماذا يعني الاستقلال اليوم؟
استقلال يتنازع مع الحرب
هذا العام، تأتي ذكرى الاستقلال والسودان غارق في حرب أعادت تعريف كل المفاهيم، بما فيها مفهوم الدولة نفسه، شعارات الاستقلال تُستدعى من جديد، بينما ترفع أطراف في الصراع الحالي خطابًا مضادًا، يصل حد الطعن في “دولة 56″ بوصفها أصل الأزمة، كما يردد مقاتلو الدعم السريع.
في هذا السياق، لا يبدو الاستقلال ذكرى متفقًا عليها، بل مفهومًا متنازعًا عليه، تتعدد حوله التأويلات، بين من يراه لحظة تأسيس لم تكتمل، ومن يعتبره مشروعًا أُجهض منذ بدايته.
“هكذا تتحقق الدولة”
يرى الناشط السياسي مهادن الزعيم أن جيل الاستقلال شكّل مرجعية وطنية يمكن استلهامها اليوم، رغم اختلاف السياق. ويقول في حديثه لـ“نون بوست” إن ذلك الجيل، على الرغم من واقعه الطائفي، امتلك قدرة على توحيد الصف الوطني، في مقابل واقع حالي “أقرب للانحدار نحو القبلية“.
ويضيف أن الجيل الحالي، خصوصًا جيل ثورة ديسمبر، هو من أكثر الأجيال تمسكًا بمفاهيم السيادة والاستقلال، وهو ما تجلّى في الشعارات الرافضة للتبعية والمنادية بوحدة الشعب، ويرى أن بث خطاب وطني جامع لا يزال ممكنًا، شريطة الابتعاد عن تغذية خطاب القبيلة، مختصرًا فكرته بالقول: “سنصير دولة حين ننسى ما تقوله لنا القبيلة“.
عقلية السيطرة.. لا الدولة
على النقيض من ذلك، يذهب الناشط السياسي عزام عبد الله إلى أن روح الاستقلال نفسها لم تكن قائمة على وعي وطني جامع، بل وُلدت متشظية منذ مخاضها الأول، ويقول إن كل تيار نظر إلى حكم السودان من زاويته الخاصة، لا بوصفه دولة تُبنى على أساس مشترك، بل كمشهد يمكن إعادة تشكيله وفق مصالحه.
وبحسب عزام، فإن النزاعات التي انفجرت لاحقًا لم تكن طارئة، بل نتيجة مباشرة لذلك الخلل المبكر، بدءًا من صراعات الهوية والعروبة، وصولًا إلى حرب جنوب السودان التي انتهت بالانفصال، دون أن تُحسم الأسئلة الوجودية الكبرى: من يملك حق تعريف السودان؟ وكيف يُدار؟
ويربط عزام بين هذا المسار التاريخي والحرب الحالية، معتبرًا أنها ليست حدثًا معزولًا، بل امتدادًا لأزمة مزمنة، تقوم على فهم مشوّه للسيادة، وعقلية استعمارية أُعيد إنتاجها داخليًا، قوامها السيطرة والاستحواذ.
ويرى عزام أن الخطاب السياسي كثيرًا ما وجّه غضب الشارع نحو “المؤامرات الخارجية“، متجاهلًا أن المصالح والتقاطعات الإقليمية أمر طبيعي في السياسة الدولية، وأن السودان نفسه كان طرفًا في تدخلات إقليمية متعددة.
المشكلة، بحسبه، لا تكمن في وجود هذه التدخلات، بل في غياب الوعي بمعنى السيادة وحدودها، وسوء توظيفها داخليًا وخارجيًا. ويؤكد أن الخروج من الأزمة يبدأ بوقف الحرب، ثم التوافق على صيغة حكم تضمن الحقوق المتساوية، وفصل المؤسسة العسكرية عن السياسة، معتبرًا أن الحرب – رغم كلفتها الفادحة – كشفت وهم إدارة السودان عبر فئة واحدة أو أيديولوجيا واحدة.
سيادة نسبية
من زاوية أخرى، يرى المحلل السياسي صلاح الدومة أن استدعاء خطابات رموز الاستقلال وتوظيفها سياسيًا بات أداة استقطاب درج الإسلاميون على استخدامها. ويعتبر أن مفهوم السيادة المطلقة قد تلاشى، سواء في زمن الحرب أو السلم، لتحل محله سيادة نسبية، مع تنامي دور المنظمات الدولية والقانون الدولي.
ويشدد الدومة على أن تحقيق الحرية والعدالة يمر بالضرورة عبر الديمقراطية، التي لا يمكن أن تنمو دون مجتمع ليبرالي يشكل حاضنتها الطبيعية.
بدوره، يميّز الباحث في القانون الدولي ضياء الدين حسين بين السيادة القانونية والسيادة الفعلية، ويوضح في حديثه لـ“نون بوست” أن سيادة السودان بعد الاستقلال كانت مكتملة شكليًا وقانونيًا، مع سيطرة مركزية واحتكار لاستخدام القوة، وقدرة مستقلة على إدارة العلاقات الخارجية.
لكن الحرب الحالية، وفقًا له، أفرغت السيادة من مضمونها العملي، مع ضعف السيطرة الحكومية، وتفشي ظاهرة تعدد الجيوش والميليشيات، بعضها برعاية الدولة نفسها، إضافة إلى تدخل فاعلين خارجيين.
ورغم أن السودان لم يفقد سيادته قانونيًا، ولا يزال يحتفظ باعتراف دولي ومقعد في الأمم المتحدة، إلا أنه بات دولة هشة، عاجزة عن القيام بمهامها الأساسية، ما يفتح الباب أمام المساءلة الدولية في حال الإخفاق في حماية المدنيين وضمان الحقوق الأساسية.
وبين خطاب الأزهري الذي يُعاد كل عام، وواقعٍ يزداد تعقيدًا، يبدو أن الاستقلال لم يعد ذكرى متفقًا عليها، بل سؤالًا مفتوحًا، سؤالٌ لا يبحث عن تسجيل قديم، بقدر ما يبحث عن إجابة جديدة: كيف يمكن لدولة أنهكتها الحروب، وتنازعتها النخب، أن تعيد تعريف استقلالها؟