مع نهاية 2025، وجدت أوروبا نفسها تعيد تقييم علاقتها بواشنطن بعد عام واحد من عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ظهر فيه توتر متعدد الجبهات: أمنًا (أوكرانيا والناتو)، واقتصادًا (حرب الرسوم)، وسيادةً رقمية (صدام مع منصات أمريكية).
هذا التقرير يغوص في تفاصيل هذا التحول ويفككه: كيف تداخلت السياسة والأمن والاقتصاد والتقنية في إعادة تعريف علاقة ضفتي الأطلسي خلال 2025، وما الذي تعنيه هذه التحولات لمستقبل أوروبا نفسها؟
أولًا: عزلة أوروبية
خلال 2025، تصاعد في وسائل الإعلام ولدى النخب الأوروبية خطاب “عزلة أوروبا” و”موت الغرب”، مع شعور بأن واشنطن تتعامل مع القارة كمجرد طرف آخر في لعبة القوى العالمية مع تراجع التزامها بالدفاع عن بروكسل.
السفير الفرنسي السابق في واشنطن جيرار أرود لخّص المزاج الحالي بقوله إن “الغرب لم يعد موجودًا فعليًا… نحن وحدنا في الدفاع عن مصالحنا”.
على الجانب الأمريكي، لم يتورع مسؤولون عن وصف أوروبا بالحليف الضعيف، وأنها “فاقدة للأهمية بسبب دفاعاتها الواهنة، وعجزها عن ضبط الهجرة، وبيروقراطيتها المرهِقة، ولجوئها إلى الرقابة على الأصوات الوطنية المحافظة لإبقائها خارج السلطة”.
ووجدت أوروبا نفسها أمام حقيقة مرة: عالم اليوم لم يعد يعرف تحالفًا غربيًا متماسكًا، والقارة العجوز باتت وحيدة في مواجهة تحديات أمنية تتعاظم، وفق صحيفة لوبوان الفرنسية.
هذا الواقع تجلى عمليًا في مواقف إدارة ترامب منذ أيامها الأولى. ففي يوليو/تموز 2025، عندما اجتمع الرئيس الأمريكي برئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين بأسكتلندا، لم يكن اللقاء وديًا أو رمزيًا كما اعتادت ضفتا الأطلسي، بل جاء تتويجًا لأشهر من التوتر والندية الصارخة. فماذا فعل؟
- شكّك ترامب في جدوى حلف “الناتو” بالنسبة لأمريكا ولوّح بإمكانية تجاهل مبدأ الدفاع المشترك.
- أعاد إحياء فكرة شراء جزيرة غرينلاند من الدنمارك كأنها سلعة معروضة.
- لم يتردد في فرض رسوم جمركية عقابية على واردات الاتحاد الأوروبي وبريطانيا.
ثانيًا: إستراتيجية أمن قومي قاسية
ذروة الصدمة الأوروبية جاءت في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 مع صدور إستراتيجية الأمن القومي الأمريكية التي قدّمت أوروبا كشريك ضعيف يجب “إعادة تشكيله”، وأكدت أن زمن اعتماد العالم على الولايات المتحدة كـ”عملاق للنظام الدولي” انتهى، مطالبةً الأوروبيين بتحمل عبء دفاعهم.
الأسوأ بالنسبة للأوروبيين كان ما تضمنته تلك الإستراتيجية من رؤية سوداوية لقارتهم: اقتصاد متداعٍ ومجتمعات هشة. وحسب الوثيقة:
- تراجعت حصة أوروبا من الناتج العالمي من 25% عام 1990 إلى 14% فقط اليوم.
- القارة تعاني “تآكلًا حضاريًا” يجعلها مهددة بالاختفاء ككيان ثقافي سياسي خلال 20 عامًا.
- البيروقراطية في بروكسل والمؤسسات فوق الوطنية تُضعف سيادة الدول.
- سياسات الهجرة الأوروبية “تغيّر هوية القارة وتولّد صراعات”.
- “الرقابة على حرية التعبير وقمع المعارضة” تؤدي إلى خنق الديمقراطية.
بكلمات أخرى، رسمت أمريكا صورة أوروبا كمريض في حالة حرجة يرفض الإقرار بخطورة وضعه. لكنها لم تقف عند التشخيص، بل قدمت وصفة علاج نشرتها صحيفة لوبوان الفرنسية، وحددت فيها سبع أولويات أو “أوامر” لأوروبا إذا أرادت البقاء حليفًا معتبرا لواشنطن:
- إنهاء حرب أوكرانيا بسرعة وبأي ثمن
- إعادة تعريف أوروبا كـ”أمم ذات سيادة” لا كتكتل فوق-وطنية
- تشجيع الحركات الشعبوية لـ”مقاومة المسار الحالي لأوروبا”
- فتح الأسواق الأوروبية على مصراعيها للمنتجات الأمريكية
- توجيه التعاون نحو دول شرق وجنوب أوروبا “الصحية”
- إيقاف توسع الناتو وعدم ضم أي أعضاء جدد
- الاصطفاف مع واشنطن لمواجهة الصين اقتصاديا وتكنولوجيا
وعلّق تيري بريتون المفوض الأوروبي السابق للسوق الداخلية: الإستراتيجية نسفت افتراضات سابقة حول متانة العلاقات مع واشنطن، ووضعت الأوروبيين أمام واقع ضرورة الاعتماد على أنفسهم دفاعيًا وتكنولوجيًا بشكل عاجل.
ثالثًا: حرب رسوم جمركية وابتزاز اقتصادي
انتقلت الأزمة إلى الاقتصاد عندما أعلن ترامب في أبريل/نيسان 2025 رسوما واسعة شملت واردات الاتحاد الأوروبي (20%) ورفع رسوم الصلب والألمنيوم (25 ٪ ثم 50 ٪).
أمام هذه الصدمة، اتخذ الاتحاد إجراءات مضادة شملت قوائم رسوم انتقامية على بضائع أمريكية بقيمة 72 مليار يورو، وهددت بروكسل باستخدام “أداة مكافحة الإكراه” الجديدة ضد الولايات المتحدة.
لكن اعتماد أوروبا الأمني على واشنطن في خضم حرب أوكرانيا قلّص هامش مناورتها، لتنتهي الأزمة بصفقة في يوليو/تموز 2025 وصفها قادة أوروبيون بأنها مذلة وتمثل إذعانا صريحات لواشنطن. وقد تضمنت ما يلي:
- ألغى الاتحاد الأوروبي معظم رسومه الصناعية أمام المنتجات الأمريكية.
- أبقت واشنطن رسومًا بنسبة 15% على الصادرات الأوروبية (ثلاثة أضعاف ما كانت قبل الحرب التجارية).
- وافق الأوروبيون على ضخَّ استثمارات بـ 600 مليار دولار في أمريكا، وشراء ما قيمته 750 مليار دولار من الطاقة الأمريكية بحلول 2028.

وبعد العاصفة، بدأت أوروبا تلملم جراحها الاقتصادية وتسعى لتقليل اعتمادها على واشنطن عبر تنويع شركائها بعيدًا عن قيود الرسوم الأمريكية والصينية، واتخذت عدة خطوات منها مثالا:
- أُبرمت اتفاقيات مع دول خليجية ومغاربية لتوريد الطاقة واستثمارات مشتركة في البنية التحتية.
- عاود الاتحاد إحياء مفاوضات اتفاقيات تجارة حرة مجمدة مع تكتلات كبرى في الجنوب العالمي.
رابعًا: صراع على السيادة الرقمية
على الجبهة الرقمية، اشتبكت بروكسل مع عمالقة التكنولوجيا الأمريكيين وإدارة ترامب التي ترعاهم منذ تفعيل قانون الخدمات الرقمية (DSA) وقانون قانون الأسواق الرقمية (DMA)، وفتح تحقيقات تتعلق بالمحتوى المضلّل وانتشار خطابات الكراهية لا سيما خلال حربي غزة وأوكرانيا.
على إثر ذلك، فتحت المفوضية الأوروبية تحقيقات رسمية ضد منصة إكس واتهمتها بعدم الامتثال لقواعد إزالة المحتوى غير القانوني. وفي 5 ديسمبر/كانون الأول 2025، وجهت صفعة قوية لها بفرض غرامة قدرها 120 مليون يورو لانتهاكها قواعد المحتوى الأوروبية.
وجاء ذلك ضمن حملة أوسع لكبح هيمنة شركات التقنية الكبرى، إذ سبقتها بأشهر غرامة قياسية تقارب 3 مليارات يورو على غوغل بسبب ممارسات احتكارية.
أزعجت التحركات الأوروبية إدارة ترامب التي رأت فيها استهدافًا متعمدًا للشركات الأمريكية وتقويضًا لمبادئ الحرية على الإنترنت، ولم يتأخر ردها طويلًا، فماذا فعلت واشنطن؟
- ربطت تخفيف بعض رسومها التجارية (مثل رسوم الصلب) بتراجع الأوروبيين عن تشريعاتهم الرقمية الجديدة.
- أطلقت الخارجية الأمريكية حملة ضغط دبلوماسي على الحكومات الأوروبية لكبح أو تعديل قوانين الـDSA وDMA.
- في سبتمبر، ندّد ترامب بالغرامة الأوروبية على إكس ووصفها بأنها “فعل حقير”، معتبرًا أن “أوروبا تسير في طريق جنوني لتقييد الإنترنت”.
- أواخر ديسمبر، فرضت الخارجية الأمريكية حظرًا على منح تأشيرات دخول لخمس شخصيات أوروبية منخرطة في تنظيم المحتوى الرقمي.
وربط وزير الخارجية ماركو روبيو القرار الأخير برؤية إستراتيجية تعتبر أن أوروبا تكبت المعارضة اليمينية وتُخاطر بـ”محو حضاري” لهويتها عبر سياساتها الحالية، فيما نددت المفوضية الأوروبية وقادة أوروبيون بالخطوة وحذروا من أنهم قد يردون بشكل حازم إذا لم تتراجع واشنطن.
التبعية أم الاستقلال؟
مع انقضاء هذا العام المضطرب، تجد أوروبا نفسها أمام مفترق طرق تاريخي في علاقتها مع الولايات المتحدة بعد أن أدركت أن الضمانات الأمريكية التي لطالما اعتُبرت ركيزة أمنهم وازدهارهم باتت مشروطة – أو حتى زائفة.
عمليًا، دفعت صدمات 2025 أوروبا باتجاه عدة خطوات:
- إحياء مشاريع الدفاع المشترك وتسريع خطوات بناء قاعدة صناعية وتقنية ذاتية وتجديد الدعوات لتأسيس قول تدخل مستقلة.
- زيادة ميزانيات الدفاع في معظم دول الاتحاد، لتبلغ مجتمعة 381 مليار يورو متوقعًا لعام 2025 (زيادة 19% عن العام السابق).
- إعادة إطلاق مبادرات لدعم شركات التكنولوجيا الأوروبية الناشئة، وتطوير بدائل للمنصات الأمريكية.
- السعي لتنويع سلاسل توريد المواد الخام والمعادن النادرة بالتعاون مع إفريقيا وآسيا بعيدا عن قيود الصين وأمريكا.
- تدرس بروكسل آليات دفع باليورو وتقليل في المعاملات الدولية، ضمن مساعٍ لحماية الاقتصاد الأوروبي من العقوبات أو الضغوط الأمريكية.
ويمكن القول إن التوجه نحو “سيادة أوروبية” أكبر بات إستراتيجية معلنة في بروكسل الآن، ولو أن ترجمتها الفعلية ستحتاج تعاونًا غير مسبوق بين دول لطالما اختلفت مصالحها.
ورغم إبداء فرنسا وألمانيا استعدادًا أكبر لقيادة مبادرات دفاعية واقتصادية أوروبية، يبقى الطريق طويلًا لتحقيق تكامل حقيقي. إذ تصطدم هذه الجهود بمعوقات منها تباين الرؤى بين دول أوروبا الشرقية المتمسكة بالمظلة الأمريكية ودول غرب أوروبا الساعية لمزيد من الاستقلالية.
وفي المحصلة، لم تكن صدمات 2025 سلسلة خلافات عابرة بين ضفتي الأطلسي، بل لحظة “إعادة تعريف” لشروط الشراكة نفسها، فهل تنجح بروكسل في توحيد مواقفها وتخفيف انقسامها؟ أم يبتلعها اختلاف المصالح وتكتفي بردود الأفعال؟