في هذا العالم، لا شيء مؤكد سوى الموت والضرائب، كما قال أحد أبرز مؤسسي الولايات المتحدة بنجامين فرانكلين قبل قرنين ونصف، غير أن تاريخ البشرية يضيف حقيقة ثالثة لا تقل ثباتًا، وهي الحرب، فمنذ أن دوّن الإنسان أولى سجلاته، لم يخلُ عصر من صراع، ولم تنجح أي حضارة في كسر هذه الحلقة بشكل دائم.
في صيف 2025، حين أحيا قادة العالم الذكرى الثمانين لانتهاء الحرب العالمية الثانية بعرض عسكري ضخم في بكين تخلله إطلاق 80 ألف حمامة سلام، بدا الاحتفال أقرب إلى وقفة تأمل حزينة للأسلحة النووية منه إلى مناسبة للاطمئنان، فالحرب الأكثر دموية حتى اليوم في تاريخ البشرية التي أنهت حياة ما بين 70 و85 مليون إنسان، والتي يفترض أن تكون تذكيرًا بثمن الانزلاق إلى الهاوية، لم تغلق باب العنف، بل دشّنت مرحلة جديدة أقل شمولاً وأكثر تفككًا، لكن لا تقل دموية.
ورغم الفترات التي وُصفت منذ ذلك الحين بأنها أكثر سلمية نسبيًا، لم يتوقف العنف المنظم عن حصد الأرواح، فمنذ عام 1945، تشير التقديرات إلى أن نحو 231 مليون إنسان لقوا حتفهم في حروب ونزاعات في عالم كان يُفترض أنه تعلم الدرس، لكن الواقع أنه يبدو، بعد 8 عقود، أقل قدرة على تجنّب المسار نفسه، وإن بأشكال أكثر تعقيدًا وتشظيًا.
واليوم، ومع دخول العالم مرحلة تتقاطع فيها انتقالات سياسية حساسة مع اضطرابات اقتصادية متفاقمة، وتآكل منظومة الردع التقليدية، وتسارع حدة التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت النزاعات ستندلع، بل أي منها سيحمل في طياته القدرة على التحول إلى مواجهة أوسع قد تعيد العالم إلى دوامة حرب شاملة ظنّ كثيرون أنها أصبحت جزءًا من الماضي؟
عالم أكثر عنفًا.. لماذا تتصاعد النزاعات؟
مع دخول عام 2026، يبدو أن العالم يدخل أيضًا مرحلة أكثر اضطرابًا مما عرفه منذ عقود، مع تضاعف عدد النزاعات المسلحة النشطة خلال السنوات الخمس الأخيرة وانخراط نحو 50 دولة في صراعات مسلحة بشكل مباشر أو غير مباشر، فيما تغلي أزمات أخرى كامنة تحت السطح، لا تحتاج سوى شرارة سياسية، أو حادث عسكري، أو انهيار اقتصادي لتحويلها إلى مواجهات مفتوحة.
هذا التصاعد لا يمكن فهمه بوصفه نتاج حدث واحد أو أزمة بعينها، بل هو حصيلة تراكم طويل لعوامل سياسية واقتصادية وأمنية وتكنولوجية تفاعلت معًا لتنتج عالمًا أكثر قابلية للاشتعال، في وقت تآكلت فيه قدرة المؤسسات متعددة الأطراف على الردع والوساطة والاحتواء.
أحد أبرز أسباب تصاعد النزاعات يتمثل في التحول البنيوي الذي يشهده النظام الدولي نفسه، فمرحلة ما بعد الحرب الباردة، التي اتسمت بهيمنة غربية نسبية وقواعد اشتباك شبه مستقرة، دخلت مرحلة الأفول دون أن يواكبها تشكّل نظام بديل قادر على فرض قواعد جديدة أو توفير مظلة ردع فعّالة، ما أفضى إلى عالم يبدو نظريًا متعدد الأقطاب لكنه عمليًا شديد السيولة، تختبر فيه القوى الكبرى والإقليمية حدود القوة والنفوذ في ظل غياب ضوابط واضحة.
وتزداد الصورة قتامة مع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، وهي عودة أضافت طبقة جديدة من عدم اليقين إلى عالم مضطرب أصلاً. فسياسات “أمريكا أولاً” في نسختها المتجددة، وما تحمله من نزعة انعزالية انتقائية وتفضيل الصفقات الثنائية واستخدام الضغط الاقتصادي والعسكري المباشر بدل الدبلوماسية متعددة الأطراف، أسهمت في إضعاف الثقة داخل التحالفات الغربية نفسها، ودفعت قوى إقليمية ودولية منافسة، مثل روسيا والصين، إلى توسيع هامش المناورة، واختبار حدود الردع الأمريكي، سواء في أوروبا الشرقية أو شرق آسيا أو الشرق الأوسط.
في عالم يبدو فيه السلام أقل ربحًا من الحرب، شهدت صناعة السلاح العالمية ازدهارًا غير مسبوق، فقد أظهرت بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن عائدات صناعة السلاح العالمية بلغت مستويات قياسية، مدفوعة بالطلب المتزايد الناتج عن الحرب في أوكرانيا وغزة، وتصاعد التوترات الجيوسياسية عالميًا.
هذا الازدهار في صناعة السلاح ليس مجرد مؤشر اقتصادي، بل علامة سياسية وأمنية على عالم يستعد لمزيد من العنف، خاصة أن التدفق الهائل للأسلحة لا يقتصر على الجيوش النظامية، بل يمتد إلى الفاعلين غير الحكوميين، ما يزيد من تعقيد الصراعات ويطيل أمدها، ويجعل تسويتها أكثر صعوبة.

ولا يقل العامل الاقتصادي أهمية في تفسير تصاعد احتمالات النزاعات، فالعالم يواجه حالة من عدم اليقين الاقتصادي، تتجلى في تباطؤ النمو، وارتفاع الديون، وتفاقم الفوارق الاجتماعية داخل الدول وبينها، وغالبًا ما تُترجم هذه الضغوط الاقتصادية إلى أزمات سياسية داخلية، تدفع الحكومات إلى تبني سياسات خارجية أكثر عدوانية لصرف الانتباه عن الأزمات الداخلية، أو لتعزيز الشرعية عبر الخطاب القومي والأمني، وتزيد من هشاشة الدول الضعيفة أصلاً، وتفتح المجال أمام الجماعات المسلحة والجريمة المنظمة لتوسيع نفوذها.
إلى جانب ذلك، تلعب التكنولوجيا دورًا محوريًا في تغيير طبيعة الصراع، فمع انتشار الطائرات المسيّرة، والأسلحة الذاتية، والحرب السيبرانية، باتت المسافة بين حادث عسكري محدود وتصعيد واسع أقصر من أي وقت مضى، وأصبح تنفيذ الهجمات أقل كلفة سياسية وبشرية على الفاعلين المنفذين، وأكثر إغراءً من حيث تحقيق المكاسب السريعة.
وتشير تقارير مراكز أبحاث معنية برصد النزاعات، إلى أن هذا المناخ يزيد من احتمالات الخطأ أو سوء التقدير، ويقلّص هامش المناورة الدبلوماسية، وقد يشعل نزاع واسع خلال ساعات، في ظل غياب قنوات اتصال فعالة، وتآكل الثقة بين الخصوم.
وفي وقت أصبحت فيه أدوات الحرب أكثر فتكًا وأقل كلفة سياسية، لا يمكن إغفال أثر تراجع الدبلوماسية الوقائية، فالمؤسسات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، باتت أقل قدرة على التدخل المبكر أو فرض تسويات، بسبب الانقسامات بين القوى الكبرى، واستخدام حق النقض، وتراجع الالتزام بتمويل عمليات حفظ السلام.
كل هذه العوامل تجعل من عام 2026 عامًا مرشحًا لأن يكون أكثر عنفًا، ليس بالضرورة عبر اندلاع حرب عالمية شاملة، ولكن عبر توسع رقعة الحروب الإقليمية المتداخلة، وازدياد عدد بؤر التوتر القابلة للاشتعال.
بؤر الصراع المشتعلة.. حروب بلا أفق واضح
يدخل العالم عام 2026 حاملاً إرثًا ثقيلاً من النزاعات المجمدة، والحروب غير المحسومة، وبؤر الصراع القائمة، التي تبرز في قلبها، الحرب بين روسيا وأوكرانيا بوصفها نموذجًا لحرب استنزاف كلاسيكية طويلة الأمد، تستنزف الموارد البشرية والاقتصادية والعسكرية للطرفين، وتعيد رسم توازنات الأمن الأوروبي مع تحولها إلى مختبر لتكتيكات عسكرية جديدة، ومسرح لتنافس استراتيجي أوسع بين روسيا والغرب.
ورغم تغير خطوط التماس مرارًا، فإن أفق التسوية السياسية لا يزال مسدودًا، في ظل إصرار موسكو على فرض وقائع ميدانية، وتمسك كييف بدعم غربي يتعرض بدوره لتقلبات السياسة الداخلية في أمريكا وأوروبا، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة، تتراوح بين تجميد الصراع، أو تصعيده، أو انزلاقه إلى مواجهة أوسع في حال تورط أطراف جديدة.
وفي الشرق الأوسط، لا تزال الحرب الإسرائيلية على غزة تمثل بؤرة توتر مفتوحة على كل الاحتمالات، وتتجاوز حدود القطاع لتلقي بظلالها على الإقليم بأسره. فرغم فترات التهدئة الهشة، يبقى خطر انهيار وقف لإطلاق النار قائمًا، في ظل غياب حل سياسي جذري، واستمرار الحصار، وتراكم الغضب الشعبي في المنطقة.

وتواجه “إسرائيل” في الوقت نفسه ضغوط حرب متعددة الجبهات، من الحدود الشمالية مع لبنان حيث يلوح شبح مواجهة أوسع مع حزب الله، إلى الساحة السورية التي تشهد احتكاكات متكررة، وصولاً إلى التوتر مع إيران، واحتمالات التصعيد في اليمن حيث لا تزال جماعة الحوثي تمتلك القدرة على تهديد الملاحة الإقليمية في البحر الأحمر. هذا التشابك يجعل أي تصعيد محدود قابلاً للتحول سريعًا إلى مواجهة إقليمية أوسع.
أما في السودان، فتتواصل الحرب الأهلية الكارثية التي اندلعت بين الجيش وقوات الدعم السريع، وأوقعت ملايين الضحايا والنازحين، وقد دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا مع انتقال القتال إلى مناطق جديدة، مثل كردفان، وتزايد مخاطر ترسخ الانقسام الجغرافي والسياسي.
ومع غياب أي مسار جدي للتسوية، واستبعاد شبه كامل لإمكانية التوصل إلى اتفاق سلام شامل في الأمد القريب، يلوح خطر تحول السودان إلى دولة إلى دولة مقسّمة فعليًا، ما ينذر بتداعيات إنسانية وإقليمية تتجاوز حدوده، وتفتح الباب أمام صراعات بالوكالة.
نزاعات على حافة الاشتعال
إلى جانب بؤر الصراع المشتعلة بالفعل، تحمل مناطق أخرى في طياتها فرص نشوب صراعات جديدة قد تكون أكثر خطورة وتأثيرًا، فبحسب التقييم السنوي لمخاطر النزاعات الصادر عن مجلس العلاقات الخارجية (CFR)، قد يشهد عام 2026 انتقال عدد من الصراعات من مستويات “العنف المنخفض” أو “الاحتواء الهش” إلى مراحل أكثر اتساعًا وخطورة، بفعل تداخل عوامل السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا العسكرية.
وتشير خريطة الصراعات العالمية إلى أن أخطر التهديدات للأمن الدولي قد لا تنبع بالضرورة من الحروب المشتعلة فحسب، بل من تلك المناطق التي تتراكم فيها عوامل الانفجار من دون أن تبلغ بعد نقطة اللاعودة. وتقع هذه المناطق غالبًا على خطوط تماس بين قوى كبرى أو إقليمية، أو في دول تعاني هشاشة داخلية عميقة تجعلها عرضة للتحول السريع من التوتر إلى الصراع المفتوح.
في أوروبا الشرقية، تبرز العلاقة المتوترة بين روسيا ودول البلطيق بوصفها أحد أخطر اختبارات حلف شمال الأطلسي “الناتو” منذ نهاية الحرب الباردة، حيث يمكن لأي حادث حدودي أو تحركات عسكرية محدودة أو عملية استفزازية أن تضع الناتو أمام معضلة الرد العسكري المباشر بما يحمله من خطر التصعيد مع قوة نووية، أو الاكتفاء بردود محدودة تقوض مصداقيته.
هذا التوازن الخطير يجعل منطقة البلطيق واحدة من أكثر النقاط قابلية للاشتعال هذا العام، وهذا ما يذهب إليه مشروع “بيانات مواقع وأحداث الصراعات المسلحة” (ACLED)، الذي يكشف أن أن أوروبا، على نحو صادم لكثيرين، باتت من أكثر مناطق العالم كثافة في الصراع، وهو تحول تاريخي يعكس انتقال الحرب من “الأطراف البعيدة” إلى قلب النظام الدولي الغربي نفسه.
وفي جنوب آسيا، يظل التوتر بين الهند وباكستان أحد أخطر النزاعات الكامنة المحكومة بتوازن ردع هش، ليس فقط بسبب التاريخ الطويل من العداء، بل لأن الطرفين يمتلكان أسلحة نووية، ويعيشان في بيئة سياسية داخلية تضغط باتجاه التصعيد القومي، وقد يدفعهما أي هجوم محدود أو خطأ في التقدير إلى حافة مواجهة أوسع، سيكون لها تأثير يتجاوز جنوب آسيا إلى النظام الدولي بأسره.
ورغم أن المواجهات الصاروخية المحدودة التي شهدها عام 2025، أظهرت قدرة نسبية على ضبط التصعيد، فإن هذا الضبط ليس مضمونًا دائمًا، خصوصًا في ظل تراجع قنوات الاتصال السياسية الفعالة، وتصاعد الخطاب الشعبوي، وازدياد نشاط الجماعات المسلحة.
🧵تصعيد نووي محتمل بين #الهند وباكستان.. هل يقترب الكابوس من التحقق؟ 👇
🔹اندلع توتر خطير بين الهند و #باكستان في مايو 2025، بعد أن قصفت الهند 3 مدن باكستانية منها مظفر آباد، مما أسفر عن مقتل 26 مدنيًا وتدمير منشآت دينية ومدنية، بحجة استهداف بنى “إرهابية”.
🔹باكستان ردّت بقوة،… pic.twitter.com/36PhNAocDR
— نون بوست (@NoonPost) May 8, 2025
وإلى جانب توترها مع الهند، تواجه باكستان تحديات أمنية متفاقمة مع تصاعد العنف السياسي والنشاط المسلح، في مناطق مثل إقليم بلوشستان، واستمرار وجود ملاذات آمنة للجماعات المسلحة عبر الحدود الأفغانية، ما ينذر بتوسع دائرة العنف خلال 2026. ومع هشاشة الوضع الاقتصادي، يصبح العنف وسيلة تعبير عن أزمات أعمق، ما يجعل البلاد عرضة لانفجارات أمنية قد تمتد آثارها خارج حدودها.

وفي شرق آسيا، تتصدر العلاقة بين الصين وتايوان قائمة السيناريوهات الأكثر إثارة للقلق، ويُنظر إلى تايوان بوصفها “الغزو الأكثر إثارة للقلق” في الحسابات الاستراتيجية العالمية. فالتصعيد العسكري الصيني، سواء عبر المناورات المكثفة أو الضغوط الاقتصادية والسياسية، مقابل الالتزامات الأمريكية الغامضة، يخلق معادلة شديدة الحساسية، حيث يمكن لأي خطأ في الحسابات أن يشعل نزاعًا سيكون من الصعب احتواؤه أو عزله إقليميًا.
ولا يقل التوتر بين الهند والصين خطورة، حيث تمتد بينهما واحدة من أكثر الحدود عسكرة في العالم. ومع تصاعد القومية في كلا البلدين وتقاطعها مع التنافس الجيوسياسي، وتزايد الاستثمارات العسكرية في المناطق الحدودية، يظل خطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع قائمًا، حتى وإن لم يكن مرجحًا على المدى القريب.
ولا تقل شبه الجزيرة الكورية خطورة، إذ تظل الحرب الكورية “التي لم تنتهِ” مصدرًا دائمًا لعدم الاستقرار، مع استمرار تجارب الصواريخ الكورية الشمالية، وتصلب المواقف، وتشديد العقوبات والتدريبات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. وفي ظل غياب أي مسار دبلوماسي فعال، يبقى خطر الانفجار قائمًا، سواء عبر تجربة صاروخية تتجاوز الخطوط الحمراء، أو حادث عسكري غير مقصود.
وفي الشرق الأوسط، يظل العنف الطائفي وهشاشة التوازن القائم عاملين يهددان بانفجار جديد في سوريا، رغم تراجع حدة القتال المفتوح، لكن الضغوط الاقتصادية، وغياب إعادة الإعمار، واستمرار الانقسامات المجتمعية، تجعل من احتمالات عودة العنف الواسع أمرًا قائمًا، خصوصًا إذا ما اختل أحد عناصر هذا التوازن الهش. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل مستقبل سوريا عن صراعات أوسع في الإقليم، حيث تظل ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية.

وفي أفريقيا، يتخذ الصراع شكلاً مختلفًا، حيث تتصاعد الحرب الاقتصادية والعسكرية في منطقة الساحل، بالتوازي مع تمدد الجماعات المسلحة والصراع على الموارد وتراجع نفوذ الدول، وكلها عوامل تغذي هذا التمدد، الذي لم يعد محصورًا في دول بعينها، بل يهدد بالانتقال إلى مناطق جديدة. ورغم الطابع المحلي لهذا النوع من الصراع، إلا أنه يحمل آثارًا عالمية عبر الهجرة والإرهاب وعدم الاستقرار الإقليمي.
أما البحر الأحمر والقرن الأفريقي، فيمثلان بؤرة تنافس جيوسياسي متصاعدة الخطورة، حيث تتقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية، وتتعرض التجارة العالمية لمخاطر متزايدة. ومن شأن اضطرابات الملاحة، والصراعات بالوكالة، والتوترات بين دول الإقليم، أن تجعل هذا الممر الحيوي عرضة للتصعيد، وتجر أطرافًا متعددة إلى مواجهة غير محسوبة.
في نصف الكرة الغربي، تبدو أمريكا اللاتينية عمومًا أقل حضورًا في النقاشات حول الصراعات العالمية، لكنها تحمل مؤشرات مقلقة على تصاعد التوترات، مع بقاء فنزويلا بؤرة اشتعال رئيسية، حيث تهدد التلويحات الأمريكية بالتدخل بزعزعة النظام الداخلي، وتكرار أخطاء غزو العراق عام 2003، مع احتمال امتداد التداعيات إلى دول الجوار.

ويجسد تصاعد موجات العنف في دول مثل الإكوادور وكولومبيا، مع تداخل الجريمة المنظمة، وتفكك العصابات، مثالاً على صراعات لم تنفجر بعد إلى حروب أهلية، لكنها تحمل كل مقومات الانفجار، لا سيما مع تزايد التدخلات الدولية، سواء عبر الدعم الأمني أو الضغوط السياسية، التي تعقد المشهد بدل احتوائه، وتزايد المخاوف من عسكرة قضايا الجريمة والهجرة، ما قد يؤدي إلى تفجّر توترات جديدة بين الحكومات والمجتمعات، وربما بين الدول نفسها.
في المحصلة، لا تمثل هذه المناطق المرشحة لاندلاع صراعات جديدة مجرد نقاط على خريطة التوتر، بل تعكس مسارًا عالميًا يتجه نحو مزيد من التفكك والتنافس، وما يجعلها خطيرة على نحو خاص هو أنها تقع عند تقاطع هشاشة داخلية ومنافسة دولية، حيث يمكن لأي شرارة محلية أن تشعل حريقًا أوسع، في عالم لم يعد يمتلك ترف الخطأ أو الوقت لاحتوائه.
ومع ذلك، لا تزال هناك فرص، وإن كانت محدودة، للوقاية من النزاعات وتسويتها، وكبح الانزلاق نحو مواجهات أوسع، عبر تعزيز آليات الإنذار المبكر، وإعادة الاعتبار للدبلوماسية الوقائية والعمل متعدد الأطراف، وضبط تجارة السلاح، ودعم مسارات التسوية المحلية.
غير أن هذه الفرص تصطدم بواقع دولي يميل أكثر إلى إدارة الأزمات بدل حلها، وإلى احتواء الصراعات بدل معالجة جذورها. ومع استمرار هذا النهج، قد يتحول عام 2026 إلى محطة جديدة في مسار تصاعدي من العنف، يعيد تشكيل ملامح النظام العالمي ببطء، ولكن بثمن إنساني واقتصادي باهظ.