في قلب محنةٍ لم يعرف لها قطاع غزة مثيلًا على مر التاريخ، وخلال حرب شرسة طالت الحجر والبشر، وجد طلبة الطب في غزة أنفسهم بأقسام الطوارئ وغرف العمليات، يسبُقهم إحساسٌ ثقيل بالمسؤولية ونداءٌ إنساني لا يُقاوَم . بادروا قبل تخرجهم بسنوات، لا يحملون سوى معاطفهم البيضاء وإصرارهم، ليواجهوا ساعات عمل طويلة وقرارات مصيرية في ظل حرب إبادة أنهكت الطواقم الطبية وقلّصت الإمكانات، فهم لم يدخلوا المستشفى كتدريب أكاديمي عابر، بل كطوق نجاة، يُسابقون الزمن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ويكتبون فُصولًا جديدة من الشجاعة والإرادة في واحدة من أصعب اللحظات الإنسانية التي يعيشها القطاع.
من قاعات الدراسة إلى غرف الطوارئ
طالبُ الطبّ عزّالدين اللولو، في سنته الدراسية الخامسة بتخصص الطب البشري، واحدٌ من هؤلاء الطلبة الذين وجدوا أنفسهم يتنقّلون بين إسعاف المصابين والجرحى في أقسام الطوارئ والعمليات، حيث يقدّم الخدمات الطبية لأبناء شعبه.
ففي الثالث عشر من نوفمبر 2024، تلقّى عزّالدين مكالمة هاتفية تُخبره باستهداف منزل عائلته واستشهاد 20 فردًا، بينهم شقيقه ووالده الدكتور سمير اللولو، وإصابة والدته بجروحٍ خطيرة، وكانت هي الناجية الوحيدة من تلك المجزرة.
ويتابع عزّالدين بأن هذه المجزرة كانت أصعب مأساة عاشها خلال الحرب، إذ استقبل أفراد عائلته في المستشفى الذي يعمل به شهداء. إلا أنه لم يكن الطبيب الوحيد في غزة الذي ذاق هذا الوجع، فغالبية أطباء غزة ذاقوا ويلات الحرب بين استشهاد بعضهم، واعتقال آخرين، وتعرّض بعضهم للضرب والتنكيل، بعدما دفعوا ثمن إنسانيتهم ووطنيتهم.

أما طالبة الطب الدكتورة دنيا أبو موسى، في سنتها الدراسية الخامسة أيضًا، فتقول لـ”نون بوست” إنه خلال مشاهدتها للفيديوهات والصور التي كانت تُنشر حول المجازر التي كان يرتكبها الاحتلال بحق المدنيين إبان الحرب، شعرت أن مكانها لا يجب أن يكون إلا بين الجرحى والمصابين لمداواتهم وإسعافهم.
وتُضيف: “ذهبتُ كإنسانة، وليس كطالبة طب فقط؛ فأنا درستُ الطب لأجل رسالة سامية، وهذا هو الوقت الفعلي والحقيقي لأداء هذه الرسالة، والواجب المهني والإنساني والوطني تجاه أبناء شعبي”.
وعن التعلّم تحت الضغط والحالة النفسية الصعبة، تقول الدكتورة دنيا إن كل معلومة حصلنا عليها في الميدان دفعنا ثمنها غاليًا من وقتنا ونفسيتنا، إضافة إلى خوفنا وقلقنا على عائلاتنا من الاستهداف، أو أن نستقبلهم شهداء، لا قدّر الله. فإلى جانب الحرب العسكرية، كانت هناك في دواخلنا حروب شتّى، لكننا، ورغم كل الويلات، واصلنا أداء رسالتنا وتقديم الرعاية الطبية للجميع.
وتوضح الدكتورة أبو موسى أن ظروف النزوح المتكررة لعائلتها من مكان إلى آخر، في سبيل النجاة، وضيق السبل حيث لا توجد أماكن يمكن النزوح إليها، أجبرتها على النوم في الشارع هي وعائلتها، إذ لم تتمكن من الوصول إلى المستشفى، إضافة إلى تعرّضها للإغماء نتيجة سوء التغذية خلال فترة المجاعة.
عودة التعليم الوجاهي في بعض الجامعات
قال أ.د. بسام السقا، نائب رئيس الجامعة الإسلامية للشؤون الأكاديمية، إن الجامعة بطبيعتها جامعة وجاهية، وإن التعليم الإلكتروني كان خيارًا استثنائيًا فرضته ظروف الحرب، مشيرًا إلى أن التفكير بالعودة إلى التعليم الوجاهي جاء رغم الدمار شبه الكامل الذي طال مباني الجامعة والبنية التحتية الأكاديمية، بما في ذلك المختبرات وشبكات الإنترنت والكهرباء.
وأوضح السقا أن هدف الجامعة من استئناف التعليم الوجاهي لم يكن أكاديميًا فحسب، بل إنسانيًا ومجتمعيًا أيضًا، مؤكدًا أن التعليم يمثل أولوية أساسية للشعب الفلسطيني، وأن عودة الطلبة إلى مقاعد الدراسة ساهمت فعليًا في إعادة نبض الحياة إلى العديد من المرافق المعيشية في قطاع غزة.
وأشار إلى أن العدوان أدى إلى تدمير 12 مبنى بشكل كامل من أصل 16 مبنى جامعيًا، إضافة إلى تضرر أربعة مبانٍ جزئيًا، فضلًا عن استشهاد عدد كبير من الكوادر الأكاديمية والإدارية، وعلى رأسهم رئيس الجامعة أ.د. سفيان تايه.
وأكد أنه، رغم هذه الخسائر الجسيمة، تمكنت الجامعة، وبإمكانات متواضعة جدًا، من ترميم خمس قاعات دراسية وبعض الغرف الإدارية، ما أتاح استئناف التعليم الوجاهي الجزئي.
وأضاف السقا أن الجامعة تفاجأت بالإقبال الكبير وغير المسبوق من الطلبة وأهاليهم، لافتًا إلى أن الشغف والحماس الواضحين لدى الطلبة دفعا إدارة الجامعة إلى افتتاح قاعتين تدريسيّتين جديدتين في المنطقة الوسطى عند مدخل مخيم النصيرات، وقاعة أخرى في مدينة خانيونس جنوب القطاع.
وأوضح أن التعليم الوجاهي خلال الفصل الدراسي الأول اقتصر على بعض تخصصات المستوى الأول، وتحديدًا تخصصات الطب، والتمريض، والهندسة، والعلوم، والعلوم الصحية، وتكنولوجيا المعلومات، إضافة إلى الشريعة والقانون.
وأكد نائب رئيس الجامعة أن الجامعة استهدفت في المرحلة الأولى أكثر من 4000 طالب وطالبة ضمن التعليم الوجاهي، مشيرًا إلى وجود خطة للتوسع التدريجي بدءًا من الفصل القادم، في حين استمرت باقي التخصصات في التعليم الإلكتروني بشكل مؤقت.
وختم السقا بالتأكيد على أن الظروف الاقتصادية القاسية التي يعيشها قطاع غزة، والتي أثرت على دخل معظم العائلات، دفعت الجامعة إلى عدم تحصيل أي رسوم دراسية من الطلبة، معربًا عن أمل الجامعة في أن يقف الأشقاء والأصدقاء والجامعات الشريكة إلى جانبها للمساهمة في تغطية هذه الرسوم، دعمًا لصمود الطلبة وتمكينهم من مواصلة تعليمهم داخل قطاع غزة، الذي فقد الكثير من الأطباء والمحامين والمهندسين والمعلمين، والعديد من القامات العلمية التي تحتاجها غزة للنهوض من جديد.
واقع التعليم العالي بغزة
قال الدكتور عبدالحميد اليعقوبي، المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم العالي في غزة، إن قطاع التعليم العالي في غزة يواجه واحدة من أخطر مراحله التاريخية منذ بدء حرب الإبادة في السابع من أكتوبر 2023، حيث لم يعد يسعى إلى التطوير، بل بات يكافح من أجل البقاء في ظل دمارٍ ممنهج طال الجامعات والبنية التعليمية بشكل غير مسبوق.
وأوضح اليعقوبي أن التقييمات الرسمية الصادرة عن الوزارة، وبالتعاون مع منظمة اليونسكو، أظهرت تضرر أو تدمير أكثر من 63 حرمًا وموقعًا جامعيًا في قطاع غزة، خرجت عن الخدمة بالكامل لكونها غير صالحة للاستخدام الأكاديمي، وتشمل كليات ومختبرات ومكتبات وإدارات جامعية.
وأشار إلى أن الخسائر البشرية كانت كبيرة، إذ تعطلت الدراسة الجامعية لما يقارب 88 ألف طالب وطالبة، حيث ارتقى أكثر من 1362 طالبًا وطالبة، وأُصيب أكثر من 2931 من الطلبة الجامعيين، في وقت تشير فيه التقديرات إلى استشهاد نحو 246 من الكادر الأكاديمي والإداري، وإصابة أكثر من 1491 آخرين، في حين لا تتوفر إحصائية دقيقة للمعتقلين والمفقودين خلال الحرب.
وبيّن اليعقوبي أن قطاع التعليم العالي تكبّد خسائر مادية مباشرة تُقدّر بأكثر من 373 مليون دولار أمريكي، شملت تدمير مئات المختبرات والمرافق البحثية، وفقدان آلاف الأجهزة التعليمية والحواسيب والخوادم الإلكترونية، دون احتساب الخسائر طويلة الأمد التي ستطال البحث العلمي والتنمية البشرية.
وحول الواقع الحالي، أوضح أن التعليم الوجاهي توقّف بشكل شبه كامل في معظم الجامعات، مع محاولات محدودة للعودة الجزئية إلى التعليم الحضوري أو المدمج في بعض المؤسسات، ضمن ظروف استثنائية وإمكانات محدودة، إلى جانب اعتماد جزئي على التعليم الإلكتروني كحل طارئ لا يغطي سوى نسبة محدودة من الطلبة.
وأضاف أن وزارة التربية والتعليم العالي اضطرت إلى اعتماد خطط طوارئ لإنقاذ الطلبة، خاصة جيلي 2006 و2007، شملت دعم التعليم الرقمي بالتعاون مع اليونسكو والمنظمات الدولية، ووضع آليات دعم أكاديمي عبر شراكات خارجية لاستكمال التدريب العملي، إلى جانب تسهيل التخرج من خلال دعم الرسوم المتأخرة وتسديد ديون الطلبة.
وفيما يخص المنح الدراسية، أوضح أن عددًا من طلبة غزة حصلوا على منح خارجية في دول عدة، إلا أن تنفيذها يواجه عراقيل كبيرة بسبب إغلاق المعابر وبطء إجراءات السفر والتأشيرات، في حين أصبحت المنح الداخلية محدودة للغاية نتيجة انهيار الاقتصاد والضغط الواقع على المؤسسات التعليمية.
وأشار اليعقوبي إلى أن بعض الجامعات بدأت العودة الجزئية إلى التعليم الوجاهي في مساحات مؤقتة وبموارد محدودة، مؤكدًا أن الجامعة الإسلامية وجامعة الأزهر وجامعة فلسطين والكلية الجامعية للعلوم التطبيقية شرعت في تطبيق التعليم الوجاهي والمدمج، خصوصًا في التخصصات الطبية والهندسية.
واختتم بالتأكيد على أن استهداف التعليم العالي في غزة لا يمثّل دمارًا ماديًا فحسب، بل يشكّل استهدافًا مباشرًا لمستقبل جيل كامل، وانتهاكًا واضحًا للحق في التعليم الذي تكفله القوانين والمواثيق الدولية.
إذ إن تدمير إسرائيل للقطاع التعليمي في قطاع غزة لا يستهدف الحاضر فحسب، بل يسعى إلى كسر قدرة الأجيال القادمة على المعرفة والبناء والنهوض، وضرب الوعي الفلسطيني وتقويض مستقبل المجتمع الفلسطيني ككل، لكن يبقى السؤال: كم من الوقت تحتاج غزة للنهوض من جديد على كل المستويات وفي كل المجالات؟!