عاش السوريون خلال نحو 60 عامًا من حكم آل الأسد للبلاد، علاقة مضطربة مع المؤسسة الأمنية في بلادهم، وعشش الخوف داخلهم لدرجة أنْ حَمَلَه من هاجر منهم ونُفي إلى منافيهم والمهجر، فترى السوريّ يتوجس من التعامل مع أي رجل شرطة ولو كان شرطي مرور، ويستصعب فكرة الدخول للمؤسسات الحكومية ولو كان في بلد إسكندنافي.
لم يَلِد هذا الخوف من فراغ، فنظام الأسد حوّل السوريين إلى موضوع للاضطهاد والتعذيب والتنكيل الذي تفاقم بصورة فاقعة خلال سنوات الثورة، وما تزال التقارير والتحقيقات الصحفية تكشف مزيدًا من وجوهه وفصوله حتى اليوم، وهي مسألة تدرك حساسيتها وزارة الداخلية الجديدة التي سارعت منذ تشكيلها إلى دمج الأجهزة الأمنية والشرطية في جسم واحد، وهو جهاز الأمن الداخلي.
إجراءات لتطوير آلية العمل
خلافًا لما كان عليه الحال، قبل تحرير سوريا، حين كان النظام المخلوع، منذ عهد حافظ الأسد، يضعف وزارة الداخلية ويمد الأجهزة الأمنية بكل سبل القوة، اتجهت الوزارة الجديدة لرفع كفاءة عملها، إلى جانب إعادة تعريف نفسها أمام الشارع الذي يحمل ذكريات لا تمحى فيما يتعلق بالتعامل مع قوى الأمن، فاتجهت إلى خطوات عملية على الأرض، كان منها طرح تطبيق حمل اسم “صوتك وصل” في 21 ديسمبر/كانون الأول 2025، وهو تطبيق رقمي جديد يسهل على المواطنين الوصول إلى خدمات الوزارة بسرعة وسهولة ومن أي مكان، وفق تعريفها للتطبيق.
ويتيح “صوتك وصل” الاستعلام عن منع السفر ومعرفة الوضع القانوني للشخص قبل سفره، بالإضافة إلى متابعة حالة الموقوفين بشفافية وسرعة، مع إمكانية تقديم الشكاوى ومتابعتها بشكل مباشر، حيث قال وزير الداخلية، أنس خطاب، تعليقًا على هذه الخطوة، إن الوزارة تأخذ على عاتقها تسهيل الإجراءات وتبسيط الخدمات وتعزيز الشفافية والمحاسبة وتقديم كل ما يخفف الأعباء عن المواطنين، معتبرًا التطبيق نافذة للتواصل بين المواطنين ووزارة الداخلية لتوفير عدة خدمات، وتقديم الشكاوى العامة بكل سهولة ويسر، كما دعا لاحقًا لعدم تحميل التطبيق إلا من المنصات الرسمية للوزارة.
مشاهد جوية من عرض الهوية البصرية الجديدة لسيارات الأمن الداخلي والشرطة في العاصمة دمشق. pic.twitter.com/HbtfvjMLVT
— نون سوريا (@NoonPostSY) November 29, 2025
واستعرضت الوزارة في 29 أكتوبر/ تشرين الثاني الماضي، أسطول عرباتها بالهوية البصرية الجديدة ضمن مسار رسمي في العاصمة دمشق، وقالت في بيان لها، إن هذا الاستعراض يعكس الانضباط المؤسسي وكفاءة كوادرها ويجسد التزامها الراسخ بمعايير المهنية والاحترافية في حفظ الأمن والنظام العام، ويؤكد حرصها الدائم على تطوير قدراتها وتعزيز هويتها الوطنية، بما يعكس رسالتها المستمرة في تقديم الخدمات للمواطنين بكفاءة وانضباط راسخين.
كما يمثل أسطول سيارات الشرطة الجديد بالهوية البصرية الحديثة خطوة نوعية نحو تعزيز الجاهزية الميدانية ورفع كفاءة الأداء الأمني، وفقًا للوزارة، ويشمل عربات مخصصة لمختلف الإدارات، ومزودة بتجهيزات تشغيلية وتقنية متقدمة تمكن الوحدات من أداء مهامها بسرعة أكبر وانضباط أعلى تعزيزًا لفعالية العمل المؤسسي وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
ويعكس التحديث توجه الوزارة نحو أسلوب عمل عصري يتماشى مع متطلبات سوريا الجديدة، الأمر الذي من شأنه الإسهام في بناء مؤسسات حديثة ترتقي بمعايير الأمن والخدمة العامة، كما وعد وزير الداخلية بلباس عصري لكوادر الوزارة في سبيل الوصول إلى صياغة هوية بصرية شاملة تستمد روحها من هوية سوريا.
يوفر تطبيق وزارة الداخلية “صوتك وصل” خدمة الاستعلام عن موقوف، لتمكين المواطنين من الاطلاع بسهولة وسرعة على أقاربهم الموقوفين في سجون وزارة الداخلية، عبر وكيل من الدرجة الأولى حصرًا، وفق الإجراءات القانونية، بما يعكس حرص الوزارة على تقديم المعلومات بدقة وموثوقية لجميع المواطنين. pic.twitter.com/cVn1IhtwQw
— وزارة الداخلية السورية (@syrianmoi) December 30, 2025
وتماشيًا مع الخطوات السابقة، أصدرت الوزارة في 21 نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، مدونة سلوك من ست صفحات، لاعتمادها كميثاق قواعد وسلوك تلتزم به كوادرها خلال تأدية مهامها الوظيفية أو خارجها، موضحة أن أهداف المدونة تتلخص في ضمان احترام القانون ومبادئ العدالة وتعزيز الثقة بين المواطنين و”الداخلية”، بالإضافة إلى تعزيز النزاهة وتحصين كوادرها ضد الفساد، وتحسين مستوى الخدمات المقدمة.
وشملت المدونة تقسيمًا للواجبات على العاملين في الوزارة، وتفصيلًا في حماية حقوق الإنسان وتعزيزها، وتنفيذ الأوامر والتعليمات والتقيد بأوقات الدوام وحماية الأرواح والممتلكات والحفاظ على المال العام والمعدات والحراسة والمراقبة والإبلاغ عن الفساد وتنفيذ المهام بكفاءة ونزاهة، والتقيد بالزي والمظهر اللائق والتعاون والاحترام المتبادل داخل المؤسسة، بينما جاءت المحظورات في 25 مادة من أصل 45 مادة شكّلت قوام المدونة كلل.
ومن المحظورات التي حددتها الوزارة لكوادرها، المعاملة السيئة مع الموقوف والعصيان ورفض الأوامر ومسائل تتعلق بارتداء اللثام واستخدام السلطة بشكل غير مشروع وتسريب أو تداول للمعلومات السرية والاستخدام غير المشروع لوسائل الاتصال لتبادل معلومات حساسة وتصوير ونشر أي نشاط أو عنصر أمني أو إداري يتبع للوزارة، كما شملت أيضًا استخدام القوة والعنف خارج الحالات التي يجيزها القانون وفي أضيق الحدود، مع حظر تلقي أو طلب الهدايا أو التبرعات، كما يحظر أيضًا رفع رايات أو شعارات على المقرات أو الآليات غير الشارات والرايات والشعارات الرسمية المعتمدة، بالإضافة إلى بنود أخرى.
السجون والمعتقلون وحوادث تستدعي الحذر
تضع وزارة الداخلية على جدول أعمالها أيضًا ملف السجون ومراكز التوقيف، ففي 24 ديسمبر/كانون الأول الماضي، افتتح محافظ درعا، أنور الزعبي، مركز الشرطة في بلدة صيدا بريف درعا الشرقي، وجاء تصميم المخفر مغايرًا لصورة السجون في سوريا بما يحاكي الطراز الغربي للسجون، على مستوى التصميم والهيكلة العمرانية، وقد أكد المحافظ حينها أهمية انتشار نقاط ومراكز قوى الأمن الداخلي في مختلف مناطق المحافظة لما لها من دور في تعزيز الأمن والاستقرار، بينما شدد قائد شرطة درعا، العميد بدر النعيمي، على أن هذه المراكز باتت مصدر أمان وطمأنينة للمواطنين كونها تختلف جذريًا عما كانت عليه في زمن النظام المخلوع
وكان المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، أعلن في 24 مايو/أيار 2025، تأسيس إدارة خاصة للسجون والإصلاحيات، لتكريس مبادئ حقوق الإنسان، وإعادة تأهيل السجين ليصبح فردًا نافعًا لنفسه، وحتى تكون السجون وسيلة لإنفاذ القانون وتقويم السلوك، بما يحفظ كرامة السجين ويضمن حقوقه ويصون كرامته.
“نحن دولة قانون، جئنا بقيم الحرية والعدالة والكرامة”.. المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، وهو يتحدث إلى مجموعة من المتظاهرين في حمص. pic.twitter.com/dHM5PPzsGp
— نون سوريا (@NoonPostSY) November 25, 2025
وبعد توليه مهامه نهاية مارس/آذار الماضي، قال وزير الداخلية، أنس خطاب، في 16 أبريل/نيسان، في إطار استعراض رؤيته للوزارة وفيما يتعلق بملف السجون، إن الملف يرتبط لدى السوريين بذكريات أليمة، لافتًا إلى الاتفاق مع إدارة الإنشاءات على إعادة تأهيل السجون الحالية بشكل مؤقت، ريثما يتم تجهيز مراكز توقيف جديدة تسهم في تحقيق العدالة، وتكفل احترام حقوق الموقوفين، كما زار خطاب في أغسطس/آب 2025 سجونًا في إدلب، واطلع على واقعها واستمع إلى مطالب بعض السجناء، مؤكدًا أن السجن لتقييد الحرية لا للمساس بالكرامة.
ورغم هذه الخطوات ومحاولات إحداث فارق يغير المفاهيم والمشاعر عن المؤسسة الشرطية والأمنية، لكن حوادث عدة ألقت بظلالها على المجتمع السوري وأعادت بعض المواطنين إلى مربع الحذر الأول، ومنها قضية الشاب يوسف اللباد الذي جرى توقيفه من الجامع الأموي نهاية يونيو/تموز 2025، ليخرج في اليوم التالي جثة هامدة، نتيجة ضربه لرأسه بأجسام صلبة وفق ما قالته الوزارة، في حين تعهد وزير الداخلية لوالدة الشاب بمتابعة القضية بعد صدور تقرير الطب الشرعي دون أن تقدم الوزارة أي توضيحات أخرى حيال القضية بعد ذلك.
زنازين لم تفتح في إدلب
ومؤخرًا، صدر حكم بالسجن عشر سنوات بحق عبد الرزاق المصري، وهو عضو في “حزب التحرير” اعتقل عدة مرات لدوره في تنظيم احتجاجات إدلب عام 2024، ما أثار جدلًا واسعًا، وخصوصًا أنه تزامن مع قرارات قضائية متتابعة جرى بموجبها الإفراج عن العشرات من عناصر النظام المخلوع، وهي مسألة ولّدت لدى الكثيرين قلقًا حول معايير المحاسبة وحدود العدالة الانتقالية في الوقت الراهن.
ويعتبر “حزب التحرير” حزبًا إسلاميًا لا يعترف بحدود الدولة الوطنية ويطالب بخلافة إسلامية، كما أنه لم يكن على وفاق مع “هيئة تحرير الشام” (جرى حلها بعد إسقاط النظام) ما تسبب باعتقال العشرات من كواده في سجون إدلب.
ورغم الاحتجاجات التي شهدتها إدلب في 2024 للمطالبة بالمعتقلين، وإطلاق سراح جميع المعتقلين من سجون الأسد الفار، بالإضافة إلى مطالبات شرعية ومدنية بإطلاق معتقلي الرأي من سجون إدلب، فالملف لم يحقق تقدمًا ملموسًا، ففي فبراير/شباط من العام الماضي، اعتبر الداعية والشرعي عبد الرزاق المهدي، أن تبييض السجون في إدلب “واجب المرحلة” منتقدًا في الوقت نفسه ما وصفه بـ”التسامح والتلطف مع أبواق النظام البائد”، كما صدر نداء عن نشاط الحراك الثوري السوري بعد إسقاط النظام المخلوع بنحو أسبوعين، وكان موجهًا لأحمد الشرع (قائد العمليات العسكرية حينها)، للمطالبة بإطلاق سراح من يثبت عدم تورطه بدماء السوريين من سجون إدلب.
العقيد المنشق، فايز الأسمر، أكد لـ”نون بوست” أن الداخلية تسعى فعلًا لتغيير الصورة النمطية عن الوزارة، لكن قدرتها أو عدم قدرتها على ذلك تتوقف على إمكانية صياغة قرارات تنسجم مع الوضع السوري بالإضافة إلى المتابعة الميدانية الدقيقة للأوامر والتعليمات التي تصدرها بغية تنفيذها بمسؤولية، ومراقبة انعكاسها على المواطن والشارع، سيما أن المواطن لم يعد خائفًا ولا يريد من الجهات المسؤولة أن تصدر تعليمات مزخرفة لا يتم تطبيقها.
وحول الملفات المتأخرة في عمل الوزارة، أشار الأسمر إلى أن كثيرًا من الضباط الأكاديميين المنشقين لم ياخذوا أدوارهم القيادية التي يستحقونها، وتحولوا إلى أماكن هامشية لا تنسجم مع قدراتهم القيادية لصالح التزكية التي ينالها آخرون لشغل مناصب قيادية حساسة تفوق قدراتهم، وفق قوله، كما لفت أيضًا لعدم وجود آلية محددة وقضائية ناظمة في التعامل مع التوقيف العرفي، على مستوى الوقت، لتقديم الموقوفين للمحاكم المختصة، ما يعبر عن قلة المحاكم وكثرة الجرائم والمعتقلين من فلول النظام.
الأسمر دعا أيضًا لإجراء دراسة دقيقة وسريعة من قبل أصحاب الشأن والقضاة الاختصاصيين لمتابعة الملفات الجرمية للمعتقلين في سجون إدلب، وإبداء الرأي واتخاذ القرارات الحاسمة بما يتوافق مع القوانين والأنظمة مع مراعاة عامل الوقت في التوقيف والأحكام الصادرة مقارنة مع المتبع بحق فلول النظام.
من جهته، بيّن المحامي غزوان قرنفل لـ”نون بوست” أن الإجراءات التي اتخذتها الوزارة في السابق جيدة، لكن الأهم حسن التعامل مع الناس بلا تمييز وألّا يتم توقيف الشخص إلا بموجب أمر قضائي امتثالًا للقانون، فمن المهم أن يعرف الموقوف وأهله سبب التوقيف أصلًا ومكانه وأن تتاح لهم فرصة للاتصال بمحامٍ، رغم أن الناس تلمس تغييرًا إيجابيًا في الحالة بالمجمل، وفق رأيه، موضحًا في الوقت نفسه أن الكثير من التوقيفات تتم قبل صدور أمر قضائي، وهي مسألة تستدعي مساءلة العناصر أو الضباط المسؤولين.
وبالنسبة لملف المعتقلين في سجون إدلب، فهو ملف يجب إغلاقه، وفق المحامي غزوان قرنفل، الذي استنكر إطلاق سراح مشتبه بارتكابهم جرائم حرب بينما يوجد معتقلي رأي في السجون منذ ما قبل سقوط النظام، وبعضهم صدر بحقهم أحكام مغلظة بسبب معارضتهم لـ”هيئة تحرير الشام”.
اجتماعيًا.. التجربة أقوى من الخطاب
الدكتور في الدراسات النفسية والاجتماعية، طلال المصطفى، فسّر المسألة من زاوية بحثية، حيث بيّن لـ”نون بوست” أن صورة وزارة الداخلية لا تقاس بما تعلنه فقط، بل بما يتراكم في الوعي الجمعي، فمن منظور علم الاجتماع، لا تمحى صورة مؤسسة أمنية بمجرد حل شكلي للأجهزة أو إعادة هيكلتها تنظيميًا، بل عندما يشعر المجتمع أن العقيدة الأمنية تغيّرت وسلوك عنصر الشرطة والأمن ومنطق العلاقة مع المواطن تغيّر.
ورأى أن الخطوات اللوجستية التي اتخذتها الوزارة (تطبيق إلكتروني وهوية بصرية ومدونة سلوك) تمثّل تحولًا في الخطاب المؤسسي لكنها لا تمثّل تحولًا إدراكيًا واسعًا لدى الشارع، فالناشطون والحقوقيون وفئات مدنية متعلمة أخرى بدأت تفصل ذهنيًا بين الداخلية الحالية والأجهزة الأمنية المنحلة، لكن الشارع الواسع ما يزال يرى المؤسسة الأمنية امتدادًا ثقافيًا وسلوكيًا للمنظومة السابقة، وذلك لأن التجربة اليومية للمواطن مع العنصر الأمني غير متجانسة، وعلم الاجتماع يرى أن التجربة المباشرة أقوى من أي خطاب رسمي.
الأمن الداخلي يقوم بتأمين المشيعين في وادي الذهب بحمص. pic.twitter.com/r9k42GiwxE
— نون سوريا (@NoonPostSY) December 27, 2025
كما يرى المصطفى أن الثقة بالمؤسسة الأمنية من أصعب أنواع الثقة في المجتمعات الخارجة من صدمة أمنية طويلة مثل الحالة السورية، على اعتبار أن النظام المخلوع أورث الشعب ذاكرة خوف جمعية على مدار عقود، بالإضافة إلى تجارب شخصية مؤلمة، وتعليم اجتماعي سلبي قائم على مبدأ أن الأمن يُتجنب لا يُقصد، وهذا يعني أن الثقة لا تستعاد بتغيير اللباس والشعارات والبيانات الإعلامية، بل من خلال شروط أهمها، وجود قابلية محاسبة فعلية لا استثنائية، واتساق في السلوك حتى تكون التجربة الإيجابية هي القاعدة لا الاستثناء، بالإضافة إلى زمن طويل بلا انتكاسات كبيرة، مع مراعاة أن الثقة تبنى ببطء وتهدم بسرعة.
كما أن الخطر الحقيقي وفق المصطفى لا يتخلص في وقوع التجاوزات بل في أن تصبح المحاسبة قائمة على ذيوع المخالفة، أي أن تنتشر الحادثة فتسبب غضبًا يتبعه وعد بالمحاسبة، ثم العودة إلى الصمت، وهذا يقدم رسائل سلبية مفادها أن المحاسبة تحصل فقط عند افتضاح المخالفة.
وعليه، يقول الدكتور طلال المصطفى، يجب الانتقال من أمن السلطة إلى أمن الخدمة، فعنصر الأمن ليس ممثلًا للقوة بل مقدم للخدمة العامة، والوصول إلى هذه الفكرة يتطلب تدريبًا سلوكيًا نفسيًا لا عسكريًا فقط، مع إنشاء آليات شكوى مستقلة ومرئية، فالناس لا تريد مجرد خط ساخن للشكاوى، بل جهة معروفة لتقديم الشكوى وإجراءات واضحة، وتقديم نتائج معلنة دوريًا دون أسماء حتى يتيقنوا من وصول شكاويهم.
ومن الضروري أيضًا الوصول إلى محاسبة مؤسسية لا فريدة فقط، فالاكتفاء بمعاقبة العنصر المخالف بمعزل عن الضابط أو نمط العمل في الفرع أو القسم يعني إعادة إنتاج المشكلة، مع ضرورة كسر ثقافة الاستثناء، فالتطمين لا يأتي من القول إن هذه حالة فردية، بل من الاعتراف بأن ما جرى مخالفة وهذه القاعدة وهذه إجراءات يجب منع تكرارها، مع أهمية إشراك المجتمع لا مراقبته وإجراء لقاءات دورية وشراكة مع نقابات ومنظمات ووجود شرطة مجتمعية حقيقية لا اسمية فقط.
فوزارة الداخلية اليوم بدأت مسار تغيير حقيقي على مستوى الشكل والخطاب، لكن المجتمع لم يمنحها بعد الثقة الكاملة رغم كونه إيجابي تجاهها إلى حد ما، لكن النجاح لا يتوقف على الإجراءات بل على تحويلها إلى ممارسة يومية متسقة، فالمجتمعات المتألمة لا تسأل حول ما تقوله الوزارة بل حول إمكانية طرق بابها بلا خوف وهذا هو المعيار الحقيقي للنجاح، وهو متوفر إلى حد ما، وفق المصطفى.