لم يكن عام 2025 عامًا عابرًا في تاريخ السياسة الإسرائيلية، بل شكّل محطة اختبار قاسية لمنظومة الحكم والأمن والمجتمع معًا، في ظل حرب مفتوحة بلا أفق، وانكشاف عميق في بنية الردع، وتراكم أزمات داخلية جرى ترحيلها قسرًا تحت ضغط المعركة، فمنذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، دخلت إسرائيل في مسار سياسي مأزوم، حاولت خلاله إدارة الفشل أكثر مما سعت إلى معالجته، وتثبيت الوقائع بالقوة بدل تقديم إجابات استراتيجية عن الأسئلة التي فجّرها الحدث.
على امتداد العام، بدت الحكومة الإسرائيلية منشغلة بتأمين بقائها السياسي بقدر انشغالها بإدارة الحرب، فيما تصاعد التوتر بين المستويين السياسي والأمني حول المسؤوليات والخيارات، وتعمّقت الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي، الذي وجد نفسه عالقًا بين خطاب تعبوي يَعِدُ بالحسم، وواقع ميداني واقتصادي واجتماعي يزداد ثِقلاً واستنزافًا. وفي المقابل، غابت أي مقاربة سياسية حقيقية تجاه الفلسطينيين، لصالح محاولات “حسم الصراع” بالقوة.
خارجيًا، واجهت إسرائيل عامًا صعبًا على مستوى صورتها ومكانتها، مع تصاعد الانتقادات الدولية، وتآكل سرديتها التقليدية، وتحوّل الحرب على غزة إلى عبء سياسي وقانوني وأخلاقي متزايد، رغم استمرار الدعم الأميركي بأشكال مختلفة. وبين الداخل المتصدع والخارج المتحوّل، انتهى عام 2025 من دون أن تحمل السياسة الإسرائيلية إجابات واضحة عن “اليوم التالي”، بقدر ما راكمت مؤشرات على أزمة أعمق مرشحة للانفجار أو لإعادة التشكل في المرحلة المقبلة.
حكومة الاحتلال الإسرائيلي: تماسك قسري وانقسام بنيوي
دخلت حكومة الاحتلال عام 2025 وهي محمّلة بإرث ثقيل من الإخفاقات السياسية والأمنية، لكن الحرب شكّلت لها في الوقت ذاته مظلة حماية مؤقتة من الانفجار الداخلي، فمنذ اللحظة الأولى، تعامل رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو مع استمرار الحرب بوصفه ضرورة سياسية بقدر ما هي خيار أمني، إذ وفّرت “حالة الحرب” ذريعة لتجميد الاستحقاقات الداخلية، وتأجيل محاسبة القيادة، وإعادة ترتيب الأولويات حول هدف واحد: البقاء.
ظاهريًا، حافظ الائتلاف الحكومي على تماسكه، ولم يشهد تفككًا رسميًا رغم حدّة الخلافات، غير أن هذا التماسك كان أقرب إلى تماسك اضطراري فرضته معادلة الخوف المتبادل بين مكونات الحكومة.
نتنياهو، الذي يواجه أزمات ثقة داخلية وملفات قانونية مؤجلة، لم يكن قادرًا على الذهاب إلى انتخابات مبكرة، فيما أدرك شركاؤه من اليمين المتطرف أن إسقاط الحكومة في ذروة الحرب قد يرتد عليهم سياسيًا وشعبيًا، أو يحمّلهم مسؤولية مباشرة عن الفشل.
في العمق، كشفت إدارة العام عن انقسام بنيوي داخل الحكومة نفسها، بين منطقين متعارضين: منطق سياسي يهدف إلى توظيف الحرب لتعزيز الخطاب الأيديولوجي اليميني، وتوسيع نطاق القوة، وفرض وقائع ميدانية جديدة، ومنطق براغماتي أمني أكثر حذرًا، يدرك حدود القوة وتكلفة الاستنزاف الطويل. هذا التناقض ظهر بوضوح في الخلافات المتكررة حول انفلات المستوطنين، وفرض السيادة الرسمية على الضفة الغربية، وحدود التصعيد الإقليمي، وأزمة تجنيد الحريديم، ومستقبل غزة، دون أن يُحسم لصالح رؤية استراتيجية واضحة.
View this post on Instagram
المؤسسة الأمنية والعسكرية: من عقيدة الردع إلى إدارة الفشل وتسييس المعالجة
شكّل عام 2025 عامًا مفصليًا للمؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، ليس فقط بفعل استمرار الحرب، بل نتيجة الانكشاف العميق الذي أصاب منظومة الأمن القومي منذ لحظة السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
فالمؤسسة التي لطالما قُدِّمت بوصفها “جيش الشعب”، والعمود الفقري للدولة، وحارسة الردع والاستقرار، وجدت نفسها أمام أحد أكبر الإخفاقات الاستخبارية والعملياتية في تاريخ إسرائيل، واضطرت خلال العام إلى إدارة تداعيات الفشل أكثر من قدرتها على استعادة صورتها أو فرض معادلة ردع جديدة.
على المستوى البنيوي، دخل كل من جيش الاحتلال الإسرائيلي وجهاز الشاباك في مسار مراجعات داخلية غير مكتملة، طغى عليها الطابع الدفاعي وتبادل المسؤوليات، في ظل ضغوط سياسية حالت دون الذهاب إلى لجان تحقيق مستقلة وشاملة.
وبينما حاولت هيئة الأركان خوض مسار مراجعة ومحاسبة داخلية شاملة، سعى المستوى السياسي إلى تفكيك المسؤولية وتوجيهها بما يخدم إعادة ترتيب موازين القوة داخل الدولة، لا مساءلة شاملة للمنظومة بشقيها السياسي والعسكري والأمني.
عمليًا، كشفت إدارة العمليات العسكرية خلال عام 2025 عن تراجع واضح في قدرة المؤسسة العسكرية على تحقيق حسم سريع أو إنجازات نوعية قابلة للتسويق الداخلي، فالحرب الطويلة، القائمة على القضم التدريجي والاستنزاف، استهلكت القدرات البشرية واللوجستية، دون إمكانية ترجمة خطاب “الحسم” بالمعنى العملي، وهو تحوّل مسّ جوهر العقيدة الأمنية الإسرائيلية القائمة على الضربة الخاطفة ونقل المعركة إلى أرض الخصم.
وفرضت هذه الوقائع على القيادة العسكرية الإسرائيلية إعادة طرح تساؤلات جوهرية حول مدى إمكانية الالتزام بالعقيدة الأمنية المتدحرجة، التي جرى الترويج لها بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، والقائمة على فكرة المبادرة والضربات الاستباقية، والانتقال إلى الهجوم الضاري، وبناء منظومة ردع تعتمد على حدود متعددة الطبقات، فهذه العقيدة، بطبيعتها، تتطلب تنبّهًا استخباريًا دائمًا، وانتشارًا واسعًا للقوات على امتداد حدود الأراضي المحتلة، وصولًا إلى دور قيادة “العمق” في الضربات البعيدة، بما يحمله ذلك من أعباء تشغيلية هائلة واستنزاف متواصل للموارد البشرية واللوجستية.
ومع طول أمد الحرب، وتعدد الجبهات، باتت ديمومة هذه الاستراتيجية محل شك متزايد داخل الدوائر العسكرية والأمنية نفسها، خصوصًا في ظل شرق أوسط متغير، وحالة تشكك إسرائيلية متنامية في نجاعة الردع، بعدما فشل الحسم في تحقيق أهدافه على مختلف الجبهات، رغم الحجم غير المسبوق للضربات العسكرية التي نُفذت، وهو ما جعل المؤسسة العسكرية تعمل في بيئة ضاغطة، لا تختبر فقط حدود القوة، بل حدود القدرة على الاستمرار.
واجهت المؤسسة العسكرية خلال العام تآكلًا إضافيًا في صورتها الخارجية، بفعل الاتهامات المتزايدة بارتكاب انتهاكات وجرائم حرب وملاحقة جنودها في دول العالم، ما أدخلها في مواجهة قانونية وإعلامية دولية لم تكن ضمن حساباتها التقليدية
وبالتوازي مع إدارة الفشل العملياتي، استثمر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو هذا المناخ المضطرب لدفع مسار موازٍ، تمثل في محاولة فرض هيمنة سياسية مباشرة على مؤسسات الجيش والأمن من بوابة الفشل ومعالجاته.
تعامل نتنياهو مع الإخفاق الأمني لا بوصفه أزمة تستدعي مساءلة شاملة ومستقلة، بل فرصة لإعادة تشكيل مراكز القوة داخل ما يتعامل معه باعتباره “مؤسسات الدولة العميقة” في إسرائيل، بما يضمن انسجامها مع خطه السياسي وخياراته الاستراتيجية.
في هذا السياق، برزت توترات مبكرة بين نتنياهو ورئيس الأركان الجديد إيال زامير، الذي أظهر في أكثر من محطة تقديرات عملياتية أكثر حذرًا وأقل انسجامًا مع الخطاب السياسي التصعيدي لرئيس الحكومة. وقد واجه زامير ضغوطًا متزايدة من المستوى السياسي، في محاولة لتطويع التقديرات العسكرية وتقييد استقلالية القرار العسكري، لا سيما في ما يتعلق بإدارة الحرب وحدودها ومسألة “اليوم التالي”.
بالتوازي، شكّلت المواجهة المفتوحة مع رئيس جهاز الشاباك السابق رونين بار إحدى أبرز معارك نتنياهو مع المؤسسة الأمنية خلال العام، إذ تجاوز الخلاف أبعاده المهنية إلى صراع سياسي–قضائي استقطب المستويات العليا في إسرائيل.
وقد انتهت هذه المواجهة عمليًا لصالح نتنياهو، الذي مضى في إعادة هندسة قيادة الجهاز عبر تكليف العسكري اليميني ديفيد زيني رئيسًا للشاباك، في خطوة عززت من هيمنة رئيس الحكومة على واحدة من أكثر المؤسسات حساسية في منظومة الأمن الإسرائيلي، وضمن تحييد أي معارضة داخلية محتملة لخطه السياسي وخطابه العام.
على المستوى المجتمعي، انعكست هذه التحولات على صورة المؤسسة الأمنية نفسها، حيث تصاعدت انتقادات عائلات الجنود والاحتياط، ودوائر النخبة العسكرية السابقة، التي شككت بجدوى استمرار الحرب وبغياب رؤية سياسية تُترجم التضحيات العسكرية إلى مكاسب استراتيجية.
كما واجهت المؤسسة العسكرية خلال العام تآكلًا إضافيًا في صورتها الخارجية، بفعل الاتهامات المتزايدة بارتكاب انتهاكات وجرائم حرب وملاحقة جنودها في دول العالم، ما أدخلها في مواجهة قانونية وإعلامية دولية لم تكن ضمن حساباتها التقليدية، وقيّد هامش حركتها، ورفع من تقدير المخاطر وربطها باعتبارات سياسية وقانونية متزايدة.
المجتمع الإسرائيلي: تصدعات الداخل وتآكل فكرة “الملاذ”
لم يكن المجتمع الإسرائيلي بمنأى عن تداعيات عام 2025، بل شكّل إحدى الساحات الأكثر هشاشة وتأثرًا بمسار الحرب والأزمة السياسية، فبعد اندفاعة تعبئة أولية أعقبت السابع من أكتوبر/تشرين الأول، بدأ الإجماع الداخلي يتآكل تدريجيًا، لتحلّ مكانه حالة مركّبة من الإنهاك، والشك، وتضارب السرديات حول جدوى الحرب وأهدافها وحدودها.
تجلّت هذه التصدعات في اتساع الهوة بين الحكومة وشرائح اجتماعية متزايدة، وفي مقدمتها عائلات الجنود والأسرى والاحتياط، التي انتقلت من موقع الدعم الصامت إلى موقع الضغط العلني، مطالبة بإجابات واضحة حول مصير أبنائها، ومعنى الاستمرار في حرب بلا أفق سياسي. ومع غياب رؤية “اليوم التالي”، باتت هذه العائلات تشكك في سردية التضحية المفتوحة، وفي قدرة القيادة السياسية على تحويل الكلفة البشرية إلى إنجازات استراتيجية ملموسة.
في هذا السياق، برزت خلال عام 2025 ظاهرة الهجرة السلبية بوصفها أحد أخطر المؤشرات على تآكل التماسك الاجتماعي، وتراجع الثقة بمستقبل “الدولة”، وتشير المعطيات السكانية إلى تسجيل إسرائيل أدنى معدل نمو سكاني منذ قيامها، بلغ نحو 0.9% فقط، وهو رقم لا يعكس أزمة ديموغرافية طبيعية بقدر ما يعكس أزمة سياسية مجتمعية عميقة. فمكوّنا الولادات والوفيات بقيا إيجابيين، بينما جاء التراجع الحاد نتيجة اختلال ميزان الهجرة.
ووفق تحليل البروفيسور سيرجيو دلا-برغولا، فإن عام 2025 شهد خروج نحو 69 ألف مقيم لم يعودوا إلى إسرائيل بعد تسعة أشهر أو أكثر، مقابل عودة قرابة 25 ألفًا فقط، إلى جانب تراجع حاد في أعداد المهاجرين الجدد، التي انخفضت إلى نحو 20 ألفًا مقارنة بنحو 30 ألفًا في العام السابق. وبمحصلة هذه الأرقام، خسرت إسرائيل قرابة 30 ألف نسمة خلال عام واحد، في ظاهرة غير مسبوقة من حيث دلالاتها السياسية والاجتماعية.
View this post on Instagram
الأخطر في هذه المعطيات لا يكمن في الرقم المجرد، بل في تركيبته، فالهجرة السلبية طالت بشكل أساسي فئة الشباب المتعلّم، ولا سيما من تتراوح أعمارهم بين 25 و40 عامًا، وهي الفئة الأعلى تأثيرًا على الناتج القومي والابتكار والقطاعات الحيوية.
ويربط دلا-برغولا هذه الظاهرة بمزيج من عوامل متداخلة: الحرب المستمرة وما تولده من إرهاق وتوتر، عدم اليقين الاقتصادي، والانقسام السياسي الحاد، إضافة إلى ما يصفه بتمييز بنيوي في ملف التجنيد، حيث يخدم بعض جنود الاحتياط مئات الأيام، فيما تُعفى فئات أخرى كليًا، ما يفاقم الإحساس بعدم العدالة.
اقتصاديًا، وعلى الرغم من وجود مؤشرات كلية إيجابية نسبيًا، مثل انخفاض البطالة أو قوة الشيكل، فإن الواقع المعيشي اليومي يرسم صورة مختلفة. فغلاء المعيشة، وارتفاع أسعار السكن، وتآكل القدرة الشرائية، شكّلت عوامل طاردة، خصوصًا حين تقاطعت مع فرص عمل مجزية في الخارج. ويحذّر خبراء من أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى نزيف أدمغة حقيقي، يطال قطاعات حساسة كالصحة والتكنولوجيا، ويُضعف على المدى الطويل قدرة الدولة على الصمود الاقتصادي والاجتماعي.
في موازاة ذلك، عاد الانقسام البنيوي داخل المجتمع الإسرائيلي إلى الواجهة بحدة أكبر، فالشرخ بين التيارات اليمينية والدينية من جهة، والوسط واليسار والعلمانيين من جهة أخرى، لم يُجمَّد بفعل الحرب كما جرى الترويج، بل أُعيد إنتاجه داخلها. وامتد هذا الانقسام إلى الجاليات اليهودية في الخارج، التي باتت أكثر ترددًا في التماهي مع حكومة تُتهم بتقويض استقلال القضاء، وتوظيف الحرب لأهداف سياسية داخلية.
السياسة تجاه الفلسطينيين: إدارة الصراع بالقوة وإعادة هندسة الجغرافيا والإنسان
عكست السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين خلال عام 2025 استمرار المقاربة الأمنية بوصفها الإطار الحاكم الوحيد لإدارة الصراع، دون أي محاولة جدية لإنتاج أفق سياسي قابل للحياة، فبعد أكثر من عام على اندلاع الحرب، لم تقدّم إسرائيل تصورًا واضحًا لـ”اليوم التالي”، بقدر ما عملت على تثبيت وقائع ميدانية جديدة، وإعادة تنظيم العنف بما يخدم أهدافها الاستراتيجية، لا معالجة جذور الصراع.
في قطاع غزة، لم تتجه إسرائيل نحو إنهاء الحرب أو الانتقال إلى مسار سياسي، بل عملت على تحويل اتفاق وقف إطلاق النار، المستند إلى مبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المكوّنة من عشرين بندًا ومرتكزات مجلس الأمن، إلى نمط لإدارة عدوان منخفض الوتيرة.
وقد جرى توظيف الاتفاق بوصفه أداة لتنظيم العنف لا وقفه، عبر إعادة تغليف واقع الإبادة وتحويله من حدث صادم إلى حالة مستدامة، تُدار فيها مستويات القتل والتجويع والتدمير بشكل محسوب، بما يحقق أهدافًا إسرائيلية تدريجية، دون تحمّل كلفة سياسية أو قانونية لحرب مفتوحة.
وفي الضفة الغربية، تجاوز التصعيد الإسرائيلي حدود العمليات الأمنية التقليدية، ليتخذ خلال عام 2025 طابعًا بنيويًا واسعًا، خصوصًا عبر العملية العسكرية المركّزة في شمال الضفة الغربية. فقد استهدفت هذه العملية إعادة هيكلة شاملة للبنية الجغرافية والديموغرافية لمخيمات شمال الضفة، وفي مقدمتها مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، عبر تدمير واسع للبنية التحتية، وتفكيك الفضاء العمراني للمخيمات، وتهجير قسري يُقدَّر بنحو 60 ألف نازح من سكانها.
وهدفت هذه السياسة إلى تبديد نموذج المخيم بوصفه فضاءً للاجئين والذاكرة السياسية، وتحويله قسرًا إلى نمط حضري مندمج مع المدن، بما يُفقده طابعه الرمزي والوظيفي، ويُسهم في شطب قضية اللجوء من المجال المكاني والوعي الجمعي.
بالتوازي، جرى تحويل الضفة الغربية عمليًا إلى مجموعة كانتونات ممزقة، مفصولة بمئات الحواجز العسكرية ونقاط التفتيش، ما ألغى وحدة المجال الجغرافي، وحوّل حياة الفلسطيني إلى دوامة يومية من التنقل القسري بين الحواجز.
وفي القدس، بلغت سياسات التهويد خلال عام 2025 مستويات غير مسبوقة، فقد شهد المسجد الأقصى اقتحام أكثر من 70 ألف مستوطن، إلى جانب إدخال طقوس تلمودية جديدة في باحاته، وتصعيد واسع في قرارات الإبعاد، حتى بات الدعاء لغزة في خطبة الجمعة سببًا للعقاب.
كما استمرت سياسة الأسرلة المنهجية للتعليم عبر إغلاق عشرات المدارس، وفرض المناهج الإسرائيلية، بالتوازي مع وقف عمل وكالة الغوث في القدس ومخيماتها، ولا سيما مخيم قلنديا ومخيم شعفاط، في مسعى واضح لشطب صفة اللجوء سياسيًا وقانونيًا، وإعادة تعريف المدينة بهوية استيطانية خالصة.
أما في الخليل، فقد تعززت خطوات فرض السيطرة على الحرم الإبراهيمي، عبر نقل الإشراف عليه إلى “مجلس الأديان” في مستوطنة كريات أربع، بما يفتح الباب أمام سيطرة إسرائيلية شبه كاملة على قلب المدينة القديمة، وإلحاقها فعليًا بالإدارة الاستيطانية، في خطوة تتجاوز إدارة المكان الديني إلى إعادة هندسة المجال الحضري والسيادي للمدينة.
ويشكّل هذا المسار التعبير الأوضح عن سياسة “الضم الزاحف” التي كانت العنوان الفعلي لعام 2025، انسجامًا مع تعهّد وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش باعتبار العام “عام السيادة على الضفة الغربية”. إذ جرى تنفيذ الضم فعليًا عبر شرعنة البؤر الاستيطانية، وتسريع الزحف الاستيطاني، والانتقال التدريجي من مناطق (ج) إلى مناطق (ب) الخاضعة إداريًا للسلطة الفلسطينية، في عملية ضم واقعي للأرض بأقل كلفة سياسية وقانونية ممكنة.
البلطجة في الإقليم: ارتداد غير محسوب وحدود القوة الإسرائيلية
اتسم عام 2025 بتصاعد غير مسبوق في نمط السلوك الإسرائيلي إقليميًا، تجاوز منطق الردع التقليدي إلى ما يمكن توصيفه بـ”البلطجة الإقليمية”، القائمة على توسيع دائرة الضربات والعمليات العسكرية خارج فلسطين، وتطبيع فكرة استباحة المجال الجغرافي والسيادي لدول المنطقة بوصفه أقل ما يمكن لإسرائيل فعله في سياق إدارتها للصراع.
فمن الأراضي الفلسطينية إلى لبنان وسوريا، مرورًا باليمن، وصولًا إلى الاحتكاك المباشر مع إيران، بدت إسرائيل وكأنها تتحرك وفق منطق الانفلات غير المحدود، في محاولة لفرض صورة قوة قادرة على الضرب في كل اتجاه، دون كوابح سياسية أو استراتيجية.
بلغ هذا النمط ذروته في الغارة على الدوحة، التي استهدفت اغتيال وفد حركة حماس التفاوضي، في خطوة شكّلت تجاوزًا خطيرًا لكل الأعراف السياسية والدبلوماسية، إذ لم تكن الغارة معزولة عن سياقها، بل حملت رسالة واضحة مفادها أن إسرائيل ترى في استباحة العواصم الإقليمية أداة ضغط مشروعة، وأنها مستعدة لتوسيع نطاق الاشتباك إلى قلب المسارات السياسية نفسها، في محاولة لفرض معادلة ردع نفسية وسياسية تتجاوز الميدان العسكري.
في هذا الإطار، برز نمط جديد في السلوك الإسرائيلي يمكن توصيفه بـ”الدفع القسري للتطبيع”، يقوم على فرضية أن لا أفق لأي تهدئة أو تسوية في الإقليم، وخصوصًا في لبنان وسوريا، إلا عبر التطبيع والقبول بالاشتراطات الأمنية والسياسية الإسرائيلية.
ويشمل ذلك السعي لفرض ترتيبات أمنية تتضمن سيطرة إسرائيلية فعلية أو غير مباشرة على عمق في جنوب لبنان وجنوب سوريا، بوصفها مدخلًا لـ”هدوء جزئي” يخدم المصالح الإسرائيلية، دون أي مقابل سياسي حقيقي للطرف الآخر.
غير أن حصاد عام 2025 أظهر بوضوح فشل هذه المقاربة في تحقيق أهدافها، فلم تنجح إسرائيل في تجريد حزب الله من سلاحه، ولا في فرض مناطق منزوعة السلاح في سوريا بموافقة الدولة، ولا في تحييد كامل للنظام الإيراني أو برامجه التسليحية.
وعلى العكس، يسهم هذا السلوك في إعادة ترميم سردية إقليمية مضادة، تقوم على ضرورة بناء معادلات قوة وردع جماعي في مواجهة الانفلات الإسرائيلي، بدل الانخراط في مسارات تطبيع تُفرض تحت التهديد.
فيما أشعلت غارة الدوحة، على وجه الخصوص، صفارات إنذار حقيقية لدى دول المنطقة، بما فيها دول حليفة للولايات المتحدة، إذ لم تُقرأ فقط كرسالة موجهة إلى خصوم إسرائيل، بل كتهديد محتمل لمنظومة الاستقرار الإقليمي برمتها.
وقد انعكس ذلك في ضغوط متزايدة مارستها هذه الدول على الحليف الأميركي المشترك، سواء للجم السلوك الإسرائيلي أو للحصول على ضمانات أمنية إضافية، تمثلت في طلبات واسعة لصفقات سلاح نوعية، وعلى رأسها طائرات F-35، إضافة إلى توسيع نطاق الاتفاقيات الأمنية الثنائية والمتعددة الأطراف.
في هذا السياق، تشكّلت حالة ضغط معاكسة على إسرائيل، بدلاً من حالة الردع التي سعت إلى فرضها. ويمكن قراءة الانخراط الإقليمي الواسع، الذي شمل ثماني دول عربية وإسلامية، في الدفع باتجاه اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بوصفه أحد تجليات هذا الضغط. فقد بات هذا الانخراط عنصر إزعاج حقيقي لمحاولات إسرائيل تحويل خطط دونالد ترامب إلى ربح إسرائيلي صافٍ، لا سيما مع الأدوار التفصيلية التي اضطلعت بها تركيا ومصر وقطر في ملف “اليوم التالي” وترتيبات الاتفاق.
إسرائيل والعالم: تراجع المكانة وتآكل السردية الدولية
شكّل عام 2025 أحد أكثر الأعوام كلفة على صورة إسرائيل ومكانتها الدولية منذ عقود، إذ تحوّلت الحرب المستمرة وسياسات القوة المنفلتة إلى عبء دبلوماسي وقانوني وأخلاقي متراكم، فعلى الرغم من التفوق العسكري والدعم الغربي المستمر، فشلت إسرائيل في إدارة علاقتها مع العالم بوصفها “دولة تحت التهديد”، وباتت تُقرأ دوليًا على نحو متزايد كقوة احتلال تمارس عنفًا واسع النطاق بلا أفق سياسي، ما أضعف قدرتها على التحكم بالسردية التي طالما شكّلت أحد مصادر قوتها الاستراتيجية.
– كشف تقرير صادر عن شركة الأبحاث الخاصة BrandIL عن تراجع “إسرائيل” إلى المرتبة الأخيرة عالميًا في مؤشر “العلامة الوطنية” للسنة الثانية على التوالي، بعدما سجّلت أدنى تصنيف لها منذ نحو عقدين.
– أوضح المؤشر أن التراجع شمل ستة مجالات رئيسية، أبرزها الحوكمة، والثقافة، وصورة السكان،… pic.twitter.com/Dco99DOJmW
— نون بوست (@NoonPost) December 26, 2025
على مستوى العلاقة مع الولايات المتحدة، واصلت إسرائيل الاعتماد على الدعم السياسي والعسكري الأمريكي بوصفه ركيزة أساسية، لا سيما في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي وفّرت غطاءً سياسيًا واسعًا للعمليات العسكرية، وسعت إلى إعادة هندسة مسار الحرب واتفاق وقف إطلاق النار بما يحقق “ربحًا إسرائيليًا صافياً”.
غير أن هذا الدعم لم يكن بلا أثمان؛ إذ رافقته محاولات أمريكية متزايدة لضبط السلوك الإسرائيلي، ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة إقليمية شاملة، في ظل قلق متصاعد لدى الحلفاء من تداعيات الانفلات الإسرائيلي على الاستقرار الإقليمي والمصالح الأمريكية الأوسع.
View this post on Instagram
في المقابل، شهدت العلاقة مع أوروبا تآكلًا متسارعًا، فمع طول أمد الحرب واتساع رقعة الدمار، تصاعدت الانتقادات الأوروبية، وتحوّلت من مواقف سياسية متحفظة إلى ضغوط علنية، شملت مطالبات بوقف إطلاق النار، ومراجعة صادرات السلاح، ودعم المسارات القضائية الدولية، والاعتراف بالدولة الفلسطينية. ولم يعد التماهي الأوروبي التقليدي مع السردية الإسرائيلية مضمونًا، بل بات مشروطًا ومتنازعًا عليه داخل البرلمانات والرأي العام، ما عكس فجوة متزايدة بين المواقف الرسمية والمجتمعية في القارة.
على الصعيد القانوني، واجهت إسرائيل خلال عام 2025 تصعيدًا غير مسبوق في الضغوط المرتبطة بالقانون الدولي، سواء عبر مسار محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية. ورغم محاولات تل أبيب التقليل من أهمية هذه المسارات أو تصويرها كتحركات مسيّسة، فإنها أسهمت فعليًا في تقييد هامش المناورة السياسية، وتعزيز صورة إسرائيل بوصفها دولة في موقع دفاعي قانونيًا، لا مبادرة.
إعلاميًا، مثّل عام 2025 ذروة الفشل الإسرائيلي في إدارة الرواية عالميًا، فمع تراجع مصداقية الخطاب الرسمي، وصعود منصات الإعلام الرقمي، ووفرة الأدلة المصورة القادمة من غزة والضفة الغربية، لم تعد الرواية الإسرائيلية قادرة على احتكار تعريف “الدفاع عن النفس”. وعلى العكس، شهدت السردية الفلسطينية حضورًا غير مسبوق في الإعلام العالمي، وفي الفضاءات الأكاديمية والنقابية والحقوقية، ما أعاد تعريف الصراع في الوعي الدولي بوصفه قضية استعمار وحقوق، لا مجرد مواجهة أمنية.
فائض قوة بلا حسم… واستعصاء داخلي يُنذر بتصدير الأزمات
في خلاصة عام 2025، يتضح أن إسرائيل، ورغم استخدامها المكثف لفائض القوة الغاشمة، وحرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني، وسياسة البلطجة الواسعة في الإقليم، لم تنجح في حسم أيٍّ من معاركها الأساسية. فغزة لم تُحسم، والضفة لم تُخضع، والإقليم لم يستقر، والردع لم يُستعاد بصيغته التي رُوِّج لها. وهو ما يجعل حصيلة هذه السياسة العدوانية برمتها في مهب الريح، ويضع الحكومة الإسرائيلية أمام أحد أسوأ كوابيسها مع الدخول إلى عام انتخابي شديد الحساسية.
هذا الفشل المتراكم يُعرّي سردية “النصر المطلق” التي روّج لها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو على مدار عامين، ويُهشّمها من الداخل، في ظل تشكيك كان قائمًا أصلًا بإمكانيتها وجدواها. وإزاء هذا المأزق، تبدو خيارات نتنياهو متجهة نحو تعويم الأزمة لا حلّها، عبر تحويل العام المقبل إلى عام من العدوان المستمر في المنطقة، والقفز فوق التسويات القائمة، أو إعادة هندستها بوصفها تسويات لتقييد خصوم إسرائيل، مقابل منح جيش الاحتلال الإسرائيلي حرية شبه مطلقة في شن غاراته وعملياته العدوانية، دون التزام فعلي بأي مسار سياسي مُلزم.
داخليًا، يتجه المشهد الإسرائيلي، في ضوء الانتخابات المنظورة، إلى حالة متوقعة من الاستعصاء السياسي وعدم اليقين، فوفق آخر استطلاعات الرأي في نهاية العام المنصرم، كما نشرتها صحيفة معاريف، ارتفع معسكر نتنياهو إلى 52 مقعدًا، مستفيدًا من تقدّم حزب الليكود بمقعدين، فيما حصل تكتل معارضي نتنياهو على 58 مقعدًا، وحافظت القوائم العربية على 10 مقاعد مناصفة. وهي خريطة لا تمنح أيًّا من المعسكرين قدرة واضحة على تشكيل ائتلاف حكومي مستقر.
يفتح هذا الواقع الباب واسعًا أمام سيناريو دوّامة انتخابية جديدة، وعدم استقرار سياسي مزمن، في وقت تشخص فيه أنظار نتنياهو نحو استمرار الدعم الأمريكي، ليس فقط لتغطية سياساته الإقليمية، بل أيضًا كرافعة سياسية قانونية تُمكّنه من السعي إلى العفو، أو إلى حالة من “الأمان السياسي” تسمح له بإعادة إنتاج نفسه في موقع رئاسة الحكومة، وتأجيل استحقاقات المحاسبة.
في المحصلة، يثبت المشهد الإسرائيلي الداخلي أن المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من تصدير الأزمات إلى الخارج، وتعزيز صوت المدافع ليغطي على اتساع الشرخ الداخلي، وهو مسار يسعى من خلاله نتنياهو إلى تجميد أزماته لأطول وقت ممكن، سواء ما يتصل بمحاكمات الفساد، أو بلجان التحقيق في المسؤولية عن الفشل الأمني والسياسي، في محاولة لدفنها تحت ركام الزمن والتصعيد. غير أن هذا الخيار، وإن نجح مرحليًا في تأجيل الانفجار، فإنه يُراكم الاحتقان، ويجعل كلفة الاستمرار أعلى، داخليًا وإقليميًا، في عام يبدو أنه سيكون امتدادًا للأزمة لا مخرجًا منها.