ترجمة وتحرير: نون بوست
في جوف الليل، قد يغرق الإنسان أفكار قاتمة. ففي الساعات الأولى من الصباح، قد يسترجع حبًّا ضائعًا، أو يتأمل ندمه الكبير، أو يصارع مع حتمية موته. لكن دونالد ترامب، الذي يظل مستيقظًا قلقًا في ظلام فلوريدا، يبدو أنه يجد عزاءه في تخيّل حرب تحرير في دولة شرق أوسطية يبلغ عدد سكانها 92 مليون نسمة.
في الساعة 2:58 فجرًا بتوقيت الساحل الشرقي (وفقاً للطابع الزمني على منشوره في منصة “تروث سوشيال”) كتب رئيس الولايات المتحدة: “إذا أطلقت إيران النار وقتلت بعنف المتظاهرين السلميين، وهو ما اعتادت عليه، فإن الولايات المتحدة الأمريكية ستأتي لإنقاذهم. نحن جاهزون ومستعدون للتحرك.” ثم أضاف بالطبع: “شكرًا لاهتمامكم بهذا الأمر!”
من المتوقع أن يرسل رجل يقترب من الثمانين، ويصارع الأرق كما يفعل كبار السن أحيانًا، بين الحين والآخر رسائل غريبة عبر هاتفه البسيط. وهو أيضًا معذور في ارتكاب بعض الأخطاء المطبعية، كما نفعل جميعًا. لكن هذا المواطن المسن هو زعيم أقوى دولة في العالم، ويُلمّح إلى أنه سيستخدم القوة ضد بلد سبق أن هاجمه من قبل. على الأقل، قد يتوقع الأمريكيون أن يقوم القائد الأعلى للقوات المسلحة بمراجعة سريعة لمنشوره قبل أن يهدد بعمل عسكري. (وكما جرت العادة في التملق، قام الحساب الرسمي للبيت الأبيض بنقل تحذير ترامب مكررًا الخطأ المطبعي نفسه، وكأن الخطأ مقصود).
وبالنسبة لرجل يرفع شعار “أمريكا أولاً”، يبدو أن لدى ترامب أجندة عسكرية عالمية واسعة: ففي السنة الأولى من ولايته الثانية، استخدم القوة في أمريكا الجنوبية وأفريقيا والشرق الأوسط. وكان الكونغرس في السابق يناقش مسألة تفويض مثل هذه العمليات، لكن مع تحوّل مجلسي النواب والشيوخ الجمهوريين إلى ما يشبه مكاتب تابعة للبيت الأبيض، لم يعد ترامب مضطرًا للتعامل مع مثل هذه “المضايقات”. ويبدو أنه يتردد في استعراض القوة الأمريكية فقط في أوروبا والمحيط الهادئ؛ ففي النهاية، هناك خصوم حقيقيون أقوياء، مثل الصين وروسيا، يخيفونه. أما قوارب الصيد في الكاريبي والقرى الصغيرة في نيجيريا فهي أهداف أسهل. غير أنه الآن يهدد بأمر أكبر بكثير من مجرد إطلاق بعض صواريخ كروز.
فما الذي يحدث هنا؟ الجواب على الأرجح: ليس الكثير. ربما يفكر ترامب في جولة استعراضية أخرى من الضربات الجوية بواسطة طائرات بي-2، والتي لن تفيد كثيرًا المتظاهرين في شوارع طهران، أو ربما كشف للتو عن نوع من عملية استخباراتية ما في إيران، أو ربما لم يستطع النوم فحسب. ويزعم ترامب أن “نحن” جاهزون ومستعدون للقتال، لكن أمريكا ليست مستعدة لخوض حرب تحرير وطنية في إيران.
إحدى الاحتمالات أن ترامب كان يسترجع لقاءه يوم الإثنين الماضي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فبعد ذلك اللقاء، قال ترامب إن إيران “قد تتصرف بشكل سيئ”، وحذّر من أنه إذا “تأكد ذلك” – ويُفترض أنه يقصد أدلة على إعادة بناء برنامجها النووي – فإن “العواقب ستكون قوية جدَا، وربما أقوى من المرة السابقة”. ورغم أن نتنياهو شدّد مؤخرًا على أن التحول السياسي في إيران يجب أن “يأتي من الداخل” وأنه “من شأن الشعب الإيراني”، فإنه في الماضي دفع باتجاه تغيير النظام في طهران. وربما كان يحاول إقناع ترامب بأن يُذكر على أنه “محرر عظيم”، وهو دور تاريخي عالمي من شأنه أن يكون مغريًا لرئيس نرجسي مثل ترامب.
ومن المفارقات المؤلمة هنا أن إيران بحاجة إلى تغيير النظام، ولا شيء أفضل لتلك الأمة من قيام شعبها بطرد الملالي من السلطة. ومن المفارقات الأخرى أن الولايات المتحدة كانت تدعم الإيرانيين من خلال جهود مثل خدمة صوت أمريكا باللغة الفارسية، وهو برنامج منخفض التكلفة كان يقدم لهم أخبارًا ومعلومات حقيقية. لكن ترامب، إلى جانب كاري ليك التي اختارها لإدارة صوت أمريكا، أوقف البث الفارسي لصوت أمريكا في مارس/ أذار الماضي، وهو قرار أحمق أدى إلى إعادة توظيف المتحدثين باللغة الفارسية على عجل قبيل الضربات الأمريكية على إيران في يونيو/ حزيران الماضي. (أدت عمليات التسريح الجماعي منذ ذلك الحين إلى إغلاق صوت أمريكا فعليًا).
إن هذيان ترامب الليلي أمر خطير، ورغم أن العالم ربما يكون قد اعتاد إلى حد ما على تهديدات ترامب الغريبة، لكن تهديد رئيس الولايات المتحدة لدولة أخرى يظل أمرًا خطيرًا للغاية، ولا يستطيع محللو الاستخبارات، سواء كانوا أصدقاء أو أعداء، أن يتجاهلوا أن القائد الأعلى للجيش الأمريكي يمر بليلة سيئة، بل سيتساءلون عما إذا كان هناك شيء ما يحدث وراء الكواليس، وعما إذا كان ترامب قد أفشى شيئًا قد يكون سريًا.
ولا يرجح أن تكون الولايات المتحدة وإسرائيل تخططان لشن حرب تحرير طائشة في إيران، حتى وإن كان نتنياهو وترامب يجعلان استبعاد مثل هذه المغامرة أمرًا مستحيلًا. غير أن الخطر الآخر يتمثل في أن يأخذ المواطنون الإيرانيون العاديون رسالة الرئيس على محمل الجد. فكثيرًا ما ارتكب المحتجون لأجل حريتهم في مناطق مختلفة من العالم، ولا سيما خلال الحرب الباردة، خطأً قاتلًا حين اعتقدوا أن سلاح الفرسان الأميركي على وشك أن يطلّ من وراء التل لينقذهم – كما حدث في بودابست وبراغ، ولاحقًا في جورجيا وأوكرانيا – وقد يؤدي الإيمان بوعود ترامب غير الموثوقة إلى حسابات خطيرة من قبل أناس يائسين.
وجاء أحد أقوى التصريحات بشأن مخاطر مثل هذه الوعود الكاذبة ومخاطر التدخل العسكري قبل وقت غير بعيد من زعيم أمريكي عارض بشدة كل من الخطوط الحمراء الجوفاء واستخدام القوة في الخارج: الرئيس الخامس والأربعون للولايات المتحدة، دونالد ج. ترامب. ففي 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، أعلن ترامب وقف إطلاق النار في سوريا، الذي قال إنه تجنب الحاجة إلى مشاركة عسكرية أمريكية أكثر شمولاً في المنطقة. وقال: “لقد أنقذنا الكثير من الأرواح”.
ثم انتقد سلفه باراك أوباما لقطعه وعداً لم يكن بإمكان أمريكا الوفاء به من وجهة نظر ترامب، الذي قال: “والأهم من ذلك، أننا تجنبنا تدخلًا عسكريًا آخر مكلفًا كان من الممكن أن يؤدي إلى عواقب وخيمة وبعيدة المدى. وكان من الممكن أن يؤدي إلى مقتل آلاف الأشخاص. قالت الإدارة السابقة: “يجب أن يرحل الأسد”. كان بإمكانهم تحقيق هذا الهدف بسهولة، لكنهم لم يفعلوا ذلك. بل رسموا في الواقع خطًا أحمر قويًا في الرمال – تتذكرون جميعًا ذلك الخط الأحمر في الرمال – عندما تعرض الأطفال للقتل بالغاز، لكنهم لم يفوا بالتزامهم عندما مات أطفال آخرون بنفس الطريقة المروعة”.
استخدام الغاز ضد الأطفال في سوريا؟ خط أحمر غير واضح المعالم لا يستحق تدخل الولايات المتحدة ويمكن أن يؤدي إلى حرب فوضوية. وماذا عن قتل المتظاهرين السلميين في طهران؟ “نحن جاهزون ومستعدون!” (لم يكن لدى الرئيس مثل هذه التحفّظات في عام 2020 عندما تعلّق الأمر بإيذاء المتظاهرين السلميين في أمريكا، الذين أراد إطلاق النار على أرجلهم).
قد تستفيد الكثير من الأماكن على هذا الكوكب – الأماكن التي تعاني من الحرب والجوع والعيش تحت قمع مرعب – من التدخل القوي. لكن قلّةً منها ستحظى بذلك، لأن الأميركيين يعرفون أن العمل العسكري، ولا سيما لإسقاط نظام، هو عمل محفوف بالمخاطر، وبالتأكيد ليس شيئًا يمكن التفكير فيه في منتصف الليل.
في زمنٍ أفضل، كان قادة حزب ترامب نفسه سيقومون بواجبهم الدستوري ويمنعون الرئيس من التحدث – والتصرف – بهذه الطريقة المتهورة. لكن الحقيقة الوحيدة في رسائل ترامب المنفلتة، كما في الكثير من تصريحاته، هي أن الولايات المتحدة يقودها الآن شخص لا يستطيع كبح أفكاره أو عواطفه، ولا يزال يعتبر رجال ونساء الجيش الأمريكي مجرد جنود في ألعابه الخاصة.
المصدر: ذا أتلانتيك