ترجمة وتحرير: نون بوست
في عام 1893، وبعد بضعة عقود من مدّ أول كابل عبر الأطلسي، نشر روديارد كبلنغ قصيدة عن روائع “كابلات أعماق البحار”. وبعد أن أصبح الاتصال شبه فوري، مجّد كبلنغ تلك القدرة على التواصل التي كانت في السابق غير متصوَّرة، قائلاً: “فلنكن واحداً!”.
بعد أكثر من قرن، حلّت الكابلات الضوئية محل خطوط التلغراف، لكن وعدها بالوحدة تلاشى تقريبًا. فقد أصبح قاع البحر ساحةً للتنافس بين القوى العظمى والتخريب والمراقبة. تنقل الكابلات الضوئية 99 بالمئة من حركة البيانات الرقمية العابرة للمحيطات، بما في ذلك التدفقات المالية والاتصالات الحكومية والدبلوماسية والعسكرية. ومع تزايد المخاطر وتآكل الثقة، أخذت الشبكات العالمية للكابلات تتجزأ إلى كتل تقودها الولايات المتحدة أو الصين، وأخرى غير منحازة، بحيث باتت المسارات والمناطق التي تصل إليها الكابلات تعكس الاصطفاف الجيوسياسي أكثر مما تعكس المنطق التجاري.
تتضح نقاط ضعف البنية التحتية البحرية الحيوية بشكل خاص في أوروبا، وهو خطر لفتت انفجارات خط أنابيب “نورد ستريم” في بحر البلطيق أنظار العالم إليه في سبتمبر/ أيلول 2022. فقد أظهرت الحوادث اللاحقة في البلطيق، بما في ذلك الأضرار التي توصّل إليها المحققون إلى أنها ناجمة عن سفينة مرتبطة بالصين، كيف يمكن لجهات من منطقة ما أن تهدّد البنية التحتية في منطقة أخرى. كما أدّى تزايد نشاط السفن والغواصات على طول طرق الأطلسي والبلطيق إلى تصاعد المخاوف من المراقبة تحت سطح البحر، إذ يقوم الخصوم برسم خرائط لمسارات الكابلات الحيوية ومتابعتها.
وتواجه آسيا مخاطر مماثلة، وإن كانت تحظى بقدر أقل من الاهتمام. تشير تايوان إلى وقوع سبعة إلى ثمانية انقطاعات في الكابلات سنويًا، معظمها مرتبط بالصين، في إطار حملة الضغط الأوسع التي تمارسها بكين ضد الجزيرة. وفي مارس/ آذار، كشفت بكين عن قاطع كابلات أعماق البحر يُقال إنه متوافق مع الغواصات غير المأهولة وقادر على قطع الكابلات على أعماق تتجاوز 13 ألف قدم، أي ضعف العمق التشغيلي لأنظمة الاتصالات البحرية. لكن، ومع تزايد وتيرة الحوادث وتنامي القدرة على التدخل، تجد الدول صعوبة في إسناد مسؤولية قطع الكابلات إلى جهات محددة ومحاسبة المسؤولين الفعليين عنها.
تتفاقم هذه المخاطر بتحدٍّ بيروقراطي غالباً ما يُغفل عنه: استخدام الضغوط القانونية والتنظيمية لمنع أو تأخير أو تعقيد عمليات مسح الكابلات وتركيبها وصيانتها. ففي بحر الصين الجنوبي، ساعدت مثل هذه الأساليب الصين على توسيع سيطرتها الفعلية على قاع البحر. وقد لجأت بعض الشركات إلى إعادة توجيه الكابلات بعيدًا عن المناطق المتنازع عليها بدلاً من مواجهة مطالب الصين.
على الرغم من الأهمية المتزايدة للكابلات البحرية، إلا أن القوانين والمؤسسات التي تنظّمها لم تواكب التطورات. صيغت أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 لحقبة سابقة، وبُنيت على اتفاقية عام 1884 لحماية كابلات التلغراف البحرية، التي وقّعها ملوك عصر كبلنغ. يتطلب تأمين شرايين العالم البحرية بنية عالمية شاملة تربط بين الجهود الوطنية والإقليمية والدولية، وتعمل على تحديث النظام القانوني والمؤسسي.
تتمتع الولايات المتحدة بموقع فريد لقيادة هذه الجهود. فعلى الرغم من تحدّيها محاولات الصين للهيمنة على مياه بحر الصين الجنوبي من خلال تنفيذ عمليات حرية الملاحة، فإنها تخلّت إلى حد كبير عن قاع البحر. وإذا استمر هذا الإهمال، فإن واشنطن تخاطر بفقدان السيطرة ليس فقط على شرايين الاتصالات والطاقة تحت المياه، بل أيضًا على ميزان القوى فوقها.
اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تحت الضغط
تضمن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار بعض الحريات الأساسية. لكل دولة ساحلية السيادة على مياهها الإقليمية لمسافة تمتدّ لـ 12 ميلًا بحريًا. لكن ما وراء هذا الحد، لجميع الدول حُريّة مدّ الكابلات وصيانتها وإصلاحها، بما في ذلك في المناطق الاقتصادية الخالصة وعلى الجرف القاري- وهو الامتداد المغمور لإقليم الدولة البري. وتنص الاتفاقية صراحةً على حماية عمليات مدّ الكابلات وصيانتها على الجرف القاري، وتؤكد أن الدول الساحلية “لا يجوز لها أن تعيق” هذه الأنشطة، مع مراعاة “تدابير معقولة” تتعلق بتطوير الموارد والسيطرة على التلوّث. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ليست طرفًا في الاتفاقية، إلا أنها تتعامل مع أحكامها الخاصة بالكابلات البحرية باعتبارها جزءًا من القانون الدولي العرفي، وتُعد بمثابة التقنين الموثوق لقواعد الكابلات إلى جانب اتفاقية عام 1884 الأضيق نطاقًا، التي ما زالت تشكل أداة المعاهدات الرسمية للدول غير الأطراف.
لكن التطبيق المحلي للاتفاقية لا يتوافق دائمًا مع متطلباتها. فعلى سبيل المثال، مع أن الصين صادقت على الاتفاقية عام 1996، إلا أن أحكامها الصادرة عام 1989 بشأن مدّ الكابلات البحرية وخطوط الأنابيب تتعارض مباشرة مع الاتفاقية، إذ تشترط على الشركات الأجنبية الحصول على موافقة مسبقة لمسارات الكابلات عبر جرفها القاري، وكذلك لأعمال الصيانة أو الإصلاح.
يعاني الإطار القانوني المنظّم للكابلات البحرية من عيوب هيكلية أيضًا. فكثيرًا ما تواجه الدول صعوبةً في محاسبة المتسببين في الأضرار المتعمدة للكابلات البحرية بسبب القيود القضائية في الاتفاقية، وضعف إنفاذ الدول التي ترفع السفن أعلامها، وصعوبة إسناد الحوادث إلى جهات محددة. فإذا وقعت الحوادث خارج المياه الإقليمية للدولة الساحلية، فإن الدولة التي سُجّلت فيها السفينة المشتبه بها – أي دولة العلم – هي وحدها التي تملك الاختصاص للتحقيق ومقاضاة أي أطراف يُشتبه في تسببها بأضرار للكابلات. لكن العديد من السفن التجارية مسجّلة في أنظمة تفتقر إلى الإرادة أو القدرة على اتخاذ إجراء. وقد تجلّى ذلك بوضوح في أكتوبر/ تشرين الأول، حين أسقطت محكمة فنلندية تهم التخريب ضد طاقم ناقلة “إيغل إس”، المرتبطة بروسيا والمشتبه في قطعها خمسة كابلات حيوية في البلطيق، وذلك لأسباب تتعلق بالاختصاص القضائي، إذ وقع الحادث خارج المياه الإقليمية لفنلندا. ولم تبادر دولة العلم، جزر كوك، إلى اتخاذ أي إجراءات.
حتى عندما تتوافر الإرادة والقدرة على الملاحقة القضائية، فإن النجاح في المقاضاة يظل بعيد المنال. فإسناد المسؤولية – أي ربط الأضرار بسفينة أو طاقم محدد – غالبًا ما يكون صعبًا، ومحاسبة الدولة الراعية أصعب بكثير، إذ يتطلب إثبات أن الفعل نُفِّذ بتعليمات من تلك الدولة أو أنها تتحكم في السفينة أو الطاقم. وتُبرز تجربة تايوان مدى صعوبة إثبات المسؤولية. فعلى الرغم من تكثيف المراقبة استجابةً للأضرار المتكررة التي تلحق بالكابلات، لم تتمكّن تايوان من تحقيق أول محاكمة ناجحة إلا هذا الصيف، حين حُكم على قبطان صيني يقود سفينة تحمل علم توغو بالسجن ثلاث سنوات بعد إدانته بتعمد إتلاف كابلات الاتصالات البحرية على بُعد خمسة أميال بحرية من ساحل تايوان.

ينقسم الخبراء أيضًا حول ما إذا كان ممكنا قضائيا ملاحقة حالات تخريب الكابلات باعتباره قرصنة أو إرهابًا أو حتى استخدامًا للقوة أو هجومًا مسلحًا، وهو ما قد يوفر أسسًا بديلة للإجراءات القانونية. وفي الوقت نفسه، تُدخل المنصات غير المأهولة طبقة إضافية من التعقيد؛ إذ ليس واضحًا ما إذا كانت تُعدّ “سفنًا” وبالتالي تُفعّل التزامات دولة العلم، كما أن غياب الطاقم يزيد من صعوبة مسألة الإسناد المعقدة بالفعل.
وتتضمن اتفاقية قانون البحار ثغرات يمكن للدول استغلالها بسهولة. فعلى سبيل المثال، يتيح اختصاص الدولة الساحلية في حماية البيئة البحرية ضمن مناطقها الاقتصادية الخالصة لها أن تشترط إجراء تقييمات للأثر البيئي، وهو ما قد يؤخر أعمال الكابلات إلى أجل غير مسمى. وعلى الجرف القاري، يخول لها ذلك حق اتخاذ “تدابير معقولة” لحماية الموارد، ما قد يعرقل أو يؤخر أو يقيّد عمليات مدّ الكابلات وصيانتها وإصلاحها. ونظرًا لأن الكابل الواحد غالبًا ما يعبر مناطق بحرية متعددة تخضع لاختصاصات مختلفة، فإن هناك فرصًا متعددة للعرقلة.
يخفي الطابع البيروقراطي العادي لهذه العراقيل عواقب بعيدة المدى. فقد أدّت اعتراضات الصين والعقبات المتعلقة بالتراخيص إلى تأخير مشروع “كابل جنوب شرق آسيا واليابان 2” أكثر من عام قبل إطلاقه في يوليو/ تموز، كما أن مثل هذه التحديات تعيق مشاريع أخرى. وتكشف النقاشات الأخيرة في المنطقة حول موصلات الكهرباء البحرية، التي تُعدّ حيوية لمرونة الطاقة وأمنها، أن الحكومات باتت تختار تجنّب بحر الصين الجنوبي كليًا بدلاً من طلب إذن الصين. وقد أعيد تصميم الأنظمة المرتبطة بالولايات المتحدة، “أبريكوت” و”إيكو”، لتفادي بحر الصين الجنوبي، ما أضاف مسافة وتكلفة إضافيتين وسط مخاوف من تأخيرات الترخيص والمخاطر الأمنية المرتبطة بالعمل في المناطق البحرية التي تدّعي الصين ملكيتها.
أما الحلول بموجب اتفاقية قانون البحار، فهي غالبًا غير عملية. يتعيّن على مالكي الكابلات من الخاصة الاعتماد على حكوماتهم لاتخاذ الإجراءات اللازمة. لكن نظام تسوية النزاعات بين الدول في إطار الاتفاقية بطيء، ومحدود حيث تنطبق الاستثناءات، ومعقّد سياسيًا. وحتى الآن، لم تتقدّم أي دولة بدعوى بموجب الاتفاقية تتعلق بالتدخل في الكابلات البحرية فقط.
تتفاقم هذه المشكلات بسبب الثغرات المؤسسية. فاللجنة الدولية لحماية الكابلات، وهي جمعية صناعية تمثل مالكي ومشغلي الكابلات البحرية في العالم، تركز على توصيات تقنية بشأن تركيب الكابلات وحمايتها وصيانتها. أما الاتحاد الدولي للاتصالات التابع للأمم المتحدة، وهو وكالة متخصصة في التقنيات الرقمية مسؤولة عن وضع المعايير الفنية، فقد أنشأ في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 هيئة استشارية معنية بمرونة الكابلات البحرية لمدة عامين. لكن أياً من المؤسستين لا يملك تفويضًا للتحقيق في أعمال التخريب أو إسناد المسؤولية أو فرض العقوبات أو التوسط في النزاعات بين الدول أو بين الشركات والدول. معالجة الثغرات القانونية والمؤسسية ليست مجرد مسألة شكلية أو إجراء بيروقراطي؛ بل هي ضرورة استراتيجية للولايات المتحدة وشركائها.
حماية متفرقة
يتزايد الوعي بالهشاشة التي تواجه البنية التحتية البحرية الحيوية، لكن الاستجابات الوطنية والإقليمية تختلف كثيرًا من حيث الطموح والنطاق. ففي عام 2025، اعتمدت لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية قواعد صارمة لتأمين مواقع الهبوط – حيث تصل الكابلات البحرية إلى الشاطئ – ومنعت الخصوم الأجانب من الوصول إليها. كما قدّم الكونغرس الأمريكي مشاريع قوانين، منها “قانون السيطرة على الكابلات البحرية” الذي يهدف إلى منع الخصوم الأجانب من الحصول على المواد اللازمة لبناء أو صيانة أو تشغيل مشاريع الكابلات البحرية، و”قانون مبادرة تعزيز مرونة كابلات تايوان البحرية”، الذي يوجّه الحكومة الأمريكية للعمل مع تايوان وشركاء آخرين لتحسين المراقبة والاستجابة السريعة والتنسيق لتعزيز أمن كابلات الاتصالات البحرية الخاصة بتايوان. ومن خلال شراكة “الرباعية” من أجل الاتصال والمرونة في الكابلات، تعمل واشنطن أيضًا مع الحلفاء والشركاء على توحيد معايير الاستثمار والأمن لأنظمة الكابلات الموثوقة.
أما أوروبا، فقد جاءت استجابتها الأكثر تقدمًا على المستوى الإقليمي. اعتمد الاتحاد الأوروبي خطة عمل تحدد إجراءات لمنع وردع واكتشاف والتعامل مع الأعمال الموجهة ضد الكابلات البحرية، فضلاً عن إصلاح أي أضرار. وتشجع الخطة على استخدام تقنية “المراقبة العلمية والاتصالات الموثوقة” (سمارت) التي تزوّد كابلات البيانات بأجهزة استشعار، على الرغم من أن استخدامها لا يزال محدودًا بسبب المخاوف من أن تنتهك هذه الأجهزة السيادة أو تُستغل للتنصت. كما أنشأ حلف الناتو خلية تنسيق ومركزًا بحريًا مخصصًا لأمن البنية التحتية البحرية، وزاد من الدوريات الجوية والبحرية في بحر الشمال والبلطيق، وأطلق مبادرات مثل “هايست” لاكتشاف أضرار الكابلات وتحويل البيانات عبر الأقمار الصناعية.
أما في آسيا، فلا يزال التعاون الإقليمي في مجال أمن الكابلات البحرية في مراحله الأولى نسبيًا، رغم أنه آخذ في التطور. وقد كانت رابطة دول جنوب شرق آسيا تميل حتى وقت قريب إلى النظر في البنية التحتية الحيوية تحت البحر من منظور اقتصادي أكثر منه أمني؛ فقد أصدرت توجيهات لتبسيط تصاريح الإصلاح وشكّلت فريق عمل لتنسيق أعمال الإصلاح والصيانة. لكن هذا النهج بدأ يتغير في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، حين اعتمد وزراء دفاع رابطة دول جنوب شرق آسيا مبادئ للتعاون الدفاعي تتعلق بحماية البنية التحتية الحيوية تحت الماء.
ويتزايد الزخم العالمي أيضًا حول بيان مشترك بشأن أمن ومرونة كابلات الاتصالات والبيانات البحرية، والذي صدر في نيويورك خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 2024، وقد حظي البيان في البداية بتأييد 15 دولة والاتحاد الأوروبي، ثم ارتفع عدد الدول المؤيدة إلى أكثر من 30، بما في ذلك جميع دول مجموعة السبع الكبرى وجميع دول الشمال والبلطيق. ورغم أن هذه المبادئ غير ملزمة، إلا أنها ترسخ معايير مثل منح الأولوية لأن تكون سلاسل التوريد “آمنة وقابلة للتحقق”، مما يستبعد فعليًا المورّدين ذوي المخاطر العالية، وتعزيز “تنوع المسارات” لتقليل المخاطر عند تعرّض كابلات الاتصالات والبيانات للخطر.
ورغم أهمية هذه الجهود الوطنية والإقليمية ومتعددة الأطراف، فإن العالم لا يزال يفتقر إلى أنظمة لرصد التهديدات بشكل مستمر وتبادل المعلومات الاستخباراتية على المستوى الدولي، فضلًا عن بروتوكولات مشتركة للتحقيقات، وتحديد المسؤولية، والاستجابات السياسية المنسقة. ;تزايد الانقسام الجيوسياسي يجعل سد هذه الفجوات أكثر صعوبة ويجعل تجاهلها أكثر كلفة، ويمكن تعزيز الردع عبر إجراء تدريبات منتظمة ومتعددة الجنسيات لاختبار إجراءات الأزمات، بالإضافة إلى تفعيل الآليات التي تسرّع إصدار التصاريح وإجراء الإصلاحات، إلى جانب إصلاح النظام القانوني والمؤسسي الدولي.
نظام جديد تحت سطح البحر
إن إنشاء هيكل عالمي شامل يربط بين القانون الدولي والمؤسسات والعمليات بحيث يعزز كل منها الآخر سيقوي النظام القائم على القواعد في مجال الكابلات البحرية، وستكون الولايات المتحدة المستفيد الأكبر من مثل هذا الهيكل: فاقتصادها وأمنها يعتمدان على شبكات بيانات واسعة النطاق، ويعتمد حلفاؤها بشكل كبير على كابلات البيانات والكهرباء، بينما يستغل خصومها الثغرات القانونية. ورغم أن بعض الاستراتيجيين يشيرون سرًا إلى ضرورة الحفاظ على الغموض القانوني كي تتمكن الولايات المتحدة من الرد بالمثل، فإن هذا النهج سيؤدي إلى تطبيع الردود الانتقامية المتبادلة ويقوض النظام العالمي الذي يدعم مصالح الولايات المتحدة.
يتطلب إنشاء مثل هذا الهيكل قيادة مستمرة لتنسيق الجهود الوطنية والإقليمية والدولية وجهود القطاع الخاص. وبفضل نطاقها العالمي، وشبكة تحالفاتها، وقدرتها على الحشد، فإن الولايات المتحدة مؤهلة للعب دور محوري في بناء هيكل أكثر تماسكًا بالنسبة لقاع البحر. على الصعيد المحلي، يعني ذلك توفير توجيه استراتيجي بشأن أمن ومرونة الكابلات البحرية والتعامل معها كبنية تحتية استراتيجية لا مجرد أصول تجارية؛ ومواءمة الأهداف الدفاعية والدبلوماسية والتجارية والتنظيمية؛ والتنسيق بين الوكالات. أما على الصعيد الخارجي، يتطلب الأمر العمل مع الحلفاء والشركاء والصناعة لربط التدابير الوطنية والأطر الإقليمية والمبادرات الدولية وعمليات القطاع الخاص في نظام أكثر تكاملًا، حتى مع بقاء الولايات المتحدة خارج اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. وسيعتمد قرار واشنطن بشأن ممارسة دورها القيادي في النهاية على الإرادة السياسية.
سيتطلب هذا الهيكل على المستوى التشغيلي تنسيقًا أوثق للدوريات المشتركة في الممرات الحيوية للكابلات البحرية، بما في ذلك بحر الصين الجنوبي ومضيق لوزون. كما سيتطلب توافقًا أكبر بشأن إجراءات إصلاح الكابلات، خصوصًا فيما يتعلق بتسريع إصدار تصاريح الإصلاحات الطارئة، وإتاحة وصول سفن الإصلاح، والتنسيق بين السلطات أثناء الحوادث.
تعد الشراكات بين القطاعين العام والخاص ضرورية نظرًا لأن معظم الكابلات البحرية الدولية مملوكة ومدارة من قبل القطاع الخاص، وذلك غالبًا عبر اتحادات تضم شركات اتصالات ومزودي خدمات سحابية. ورغم عدم وجود شراكة قائمة تركز على الأمن، خاصة أمن الكابلات البحرية، يمكن للحكومات مواءمة بعض النماذج لتعزيز مرونة الاتصالات البرية والإبلاغ عن الحوادث السيبرانية لإنشاء أنظمة مشتركة لتبادل المعلومات عن التهديدات، والإبلاغ عن الحوادث والاستجابة الطارئة. حاليًا، تُكتشف الشذوذات عادةً داخليًا من قبل المشغلين وتُبلّغ بشكل طوعي وغير منتظم، دون وجود عتبة مشتركة لما يشكل نشاطًا مريبًا، أو متى يجب إخطار السلطات، أو كيفية تبادل المعلومات عبر الحدود. ومن شأن وجود قواعد أوضح لتبادل المعلومات عن الأنشطة المريبة والشذوذات الشبكية أن يتيح الكشف المبكر عن التدخل أو المراقبة التي تؤثر على أنظمة الكابلات البحرية.
ينبغي أيضًا أن تحدد الشراكات بين القطاعين العام والخاص مسؤوليات المشغلين بشكل أوضح عبر إسناد التزامات صريحة للشركات أو الاتحادات التي تدير أنظمة الكابلات البحرية، وتشمل هذه المسؤوليات تنويع مسارات الكابلات ونقاط الإنزال لتقليل نقاط الفشل الفردية والحد من تأثير الانقطاعات، وكذلك وضع معايير أمنية أساسية لمحطات إنزال الكابلات لمعالجة الثغرات في هذه العقد الحيوية ولكن سهلة الوصول نسبيًا. ورغم الاعتراف المتزايد بمحطات الهبوط باعتبارها بنية تحتية حرجة، فإنه غالبًا ما يتم تنظيم مواقعها وعملياتها باعتبارها مسائل تجارية، مع توزيع المسؤوليات الأمنية على سلطات متعددة وتفاوت واسع في المعايير الأساسية للأمن المادي والسيبراني، وقد تساعد المعايير الأساسية المشتركة في تقليل التعرض للتدخل والمراقبة في نقاط الوصول هذه.
تأثير الشبكة
سيعتمد التقدم نحو هيكل عالمي شامل أيضًا على تعزيز الروابط الإقليمية والعابرة للإقليم، ويمكن أن تعمل الأطر الإقليمية الأكثر تقدمًا كمقدمة يمكن توسيع نطاقها أو ربطها على الصعيد العالمي في وقت لاحق، ومن شأن إطار عمل أقوى لرابطة دول جنوب شرق آسيا في مجال حوكمة ومرونة الكابلات البحرية أن يدعم منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة من خلال توفير غطاء سياسي ونفوذ جماعي ضد المطالبات القضائية المفرطة.
يمكن لرابطة دول جنوب شرق آسيا تكييف عناصر من النظام التنظيمي للاتحاد الأوروبي لتطوير قواعدها الخاص لحوكمة ومرونة الكابلات، وقد يشمل ذلك عمليات ترخيص أكثر شفافية وتوجيهات أوضح بشأن الرسوم والالتزامات وتوزيع التكاليف عبر الولايات القضائية، مما سيقلص السلطة التقديرية التنظيمية على المستوى الوطني، ويحد من التأخيرات والعراقيل التعسفية، ويحسن القدرة على التنبؤ بالنسبة للمشغلين، ويجعل المشاريع أكثر جدوى تجاريًا، ويعزز المرونة الجماعية ضد الضغوط التنظيمية الخارجية. من شأن ميثاق رابطة دول جنوب شرق آسيا والاتحاد الأوروبي لحوكمة ومرونة الكابلات تخفيف المقاومة القومية التي قد تواجهها مبادرة رابطة دول جنوب شرق آسيا داخل المنطقة، بينما يمكن أن يشكل الدعم الفني والتمويلي من الاتحاد الأوروبي حافزًا للمشاركة ودعم التنفيذ. كما يمكن لرابطة دول جنوب شرق آسيا أيضًا الاستفادة من نماذج التعاون الأمني عبر إنشاء مركز أو توسيع ولاية مركز دمج المعلومات في سنغافورة، لتبادل تقييمات التهديدات، وتنسيق القوات البحرية وخفر السواحل، وتطوير بروتوكولات مشتركة لحماية البنية التحتية الحيوية تحت الماء.
قواعد الأعماق
سيظل التنسيق التشغيلي والجهود داخل الأقاليم وبينها محدودًا ما لم تُعالج أوجه القصور في النظام القانوني الدولي، لذلك ينبغي على الدول أن تسعى إلى توضيح حقوق ومسؤوليات الدول الساحلية والدول التي ترفع السفن أعلامها بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وأن تضع قوانين ولوائح داخلية تنفذ الالتزامات المنصوص عليها فيها لتعزيز الامتثال والمساءلة. ومن بين أمور أخرى، ينبغي أيضًا أن تشجع هذه الجهود على فرض عقوبات أشد على الأضرار المتعمدة في الكابلات، وأن توضح أن مصطلح “السفن” بموجب الاتفاقية يشمل المنصات غير المأهولة بحيث تمتد التزامات دولة العلم لتشملها هي ومشغليها عن بُعد، وأن تُلزم المركبات غير المأهولة بالتسجيل لدى دولة علم وحمل معرّفات فريدة لضمان إمكانية التتبع وتحديد الاختصاص القضائي.
يمكن للدول معالجة الغموض القانوني والثغرات إما من خلال قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو أمر غير مرجح في ظل البيئة الجيوسياسية الحالية، أو من خلال مؤتمر مخصص خارج إطار الأمم المتحدة تدعو إليه مجموعة من الدول ذات التوجهات المماثلة. سيتيح مثل هذا المنتدى للدول المشاركة توضيح المسؤوليات وتطوير معايير مشتركة؛ كما سيسمح للولايات المتحدة بلعب دور قيادي رغم عدم تصديقها على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وسيهدف المؤتمر إلى مشاركة واسعة تشمل المناطق التي لا تحظى بتمثيل كافٍ مثل أفريقيا ودول المحيط الهندي وجنوب شرق آسيا، التي أصبحت عُقدًا متزايدة الأهمية في شبكات الكابلات العالمية، ويمكن دعوة المشغلين وشركات التأمين للمشاركة. وينبغي أن يسعى المؤتمر إلى وضع مدونة تحدد السلوك المسؤول فيما يتعلق بالكابلات البحرية، حتى يتم إدراجها لاحقًا في مداولات الأمم المتحدة.
وأخيرًا، ينبغي على الدول ذات التوجّهات المماثلة إنشاء منظمة حكومية دولية لأمن البنية التحتية لقاع البحر لتعمل على دعم هذه الجهود، وستشمل مهامها الأساسية إجراء تحقيقات فنية محايدة في أضرار الكابلات، مما قد يساعد على الكشف عن أي دولة مسؤولة، ووضع معايير ومراجعتها من خلال برنامج “الكابلات الموثوقة”، الذي يمنح الأعضاء أساسًا مشتركًا لرفض وصول الأنظمة غير الممتثلة إلى السوق. كما يمكنها التوسط في النزاعات التنظيمية عبر آليات بين الدول أو بين الشركات والدول، مما يسهل التوصل إلى اتفاقات مقبولة في الوقت المناسب.
وبالاستفادة من دروس أنظمة الرقابة على الصادرات وهيئات معايير التكنولوجيا، ينبغي على أعضاء المنظمة أن يتوقعوا أن خصوم الولايات المتحدة، مثل الصين وروسيا، قد يردون ببناء أنظمة موازية، أو الطعن في شرعية الهيئة، أو الضغط على دول ثالثة لعدم المشاركة. وقد يسعون أيضًا إلى الانضمام لتخفيف المعايير أو عرقلة اتخاذ القرار من الداخل أو إبطاء التحقيقات، مما يبرز أهمية العضوية المشروطة ومتطلبات الشفافية والضمانات المؤسسية. ويمكن للأعضاء المؤسسين في نهاية المطاف فتح المنظمة لمشاركة أوسع، ولكن فقط بشروط تعزز أهدافها لا تضعفها.
“على أضلاع الأرض”
سيؤدي التقدم على هذه الجبهات المتعددة إلى تقليص فرص التخريب والمراقبة والعراقيل التنظيمية. وسيجعل التنسيق التشغيلي الأقوى والتحقيق وتحديد المسؤولية والمعاقبة تنفيذ التخريب والأنشطة الرمادية أكثر صعوبة وأقل قدرة على الإفلات والتهرب، مما يعزز بدوره الردع. كما أن وجود نظام لتبادل المعلومات، وشبكة لتبادل الاستخبارات، وبرنامج اعتماد للكابلات الموثوقة سيؤدي إلى تقليل مخاطر المراقبة. وسيؤدي تحديد حدود حقوق الدول الساحلية وتعزيز النفوذ الجماعي إلى تقليل العراقيل التنظيمية والميل إلى تجنب المناطق المثيرة للجدل، وستعمل مدونة سلوك فعالة على توضيح السلوكيات المتوقعة من الدول المسؤولة.
من شأن الأطر القانونية والمؤسسية الأقوى ليست علاجًا شاملا – فلا يزال بإمكان الدول انتهاك القانون الدولي، كما فعلت الصين وغيرها. لكن الهدف من هذه التدابير القانونية والمؤسسية هو تغيير معادلة الكلفة والعائد عبر رفع التكاليف السياسية والاقتصادية والسمعية للأعمال العدائية أو غير الممتثلة. إن وجود هيكل عالمي يربط بين الجهود الوطنية والإقليمية والدولية ويحدث القوانين والمؤسسات أمر بالغ الأهمية لحماية هذه الخطوط الحيوية وضمان الوصول إلى قاع البحر. ومن دون هذا الهيكل، سيضعف النظام البحري الذي تعتمد عليه جميع الدول. وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن المخاطر مرتفعة بشكل خاص. فالمنافسة الحاسمة لهذا القرن ستخاض وتحسم “على أضلاع الأرض”، كما قال كبلنغ.
المصدر: فورين أفيرز