على الرغم من البعد الجغرافي الشاسع، نجحت إيران وفنزويلا في بناء علاقة سياسية واقتصادية متينة، فرضتها ظروف دولية متشابهة أكثر مما جمعتهما المصالح التقليدية، فالعقوبات، والضغوط الغربية، والرغبة في كسر العزلة، شكلت الأساس الذي قامت عليه هذه العلاقات المتنامية خلال السنوات الماضية.
إذ إنه ومنذ مطلع الألفية الجديدة، أخذت العلاقات بين طهران وكاراكاس منحى تصاعدياً، مدفوعة بتقارب واضح في الخطاب السياسي المعادي للهيمنة الأمريكية، كما تُرجم إلى تعاون فعلي في ملفات حساسة، جعل من العلاقة بين البلدين واحدة من أبرز التحالفات غير التقليدية على الساحة الدولية.
البعد الشامل للعلاقات بين البلدين
في حين كانت تقتصر علاقات إيران مع فنزويلا في ستينيات القرن الماضي على الدبلوماسية المُرتبطة بسياسات أسعار مُنظمة الدول المنتجة للنفط “أوبك” وكميات الإنتاج، فقد تعمقت علاقتهما تدريجياً وأصبحت أكثر سياسية.
أولاً، حدثت الثورة الإسلامية في إيران (1979)، والتي أدت إلى قطع العلاقات الدبلوماسية الأمريكية الإيرانية، ثم تلتها الثورة البوليفارية في فنزويلا (1999) وصعود الرئيس هوغو شافيز، وبالرغم من اختلاف الثورتين من حيث الأصل والطبيعة، إلاّ أنهما استندتا إلى أُسس أيديولوجية، من خلال خطابهما المُشترك ضد الإمبريالية والاستعمار، وسياسات التدخل، والعولمة، والليبرالية الجديدة. وقد صمد هذا التقارب بين الجانبين في وجه الاختلافات الثقافية واللغوية الدينية، إلى جانب المسافة الجغرافية الكبيرة بين البلدين.
وإذ اعتمدت كل من إيران وفنزويلا على سردية وطنية تستند إلى مواجهة دائمة مع أعداء خارجيين مُشتركين، وبالأخص “نزعة الهيمنة الأمريكية”، فقد حافظ الطرفان على تنسيق مستمر في المحافل الدولية، حيث تبادلا الدعم في قضايا السيادة ورفض التدخل الخارجي، وأسهم هذا التفاهم في ترسيخ صورة البلدين كحليفين يتقاسمان الرؤية نفسها تجاه النظام الدولي، ويدعوان إلى عالم متعدد الأقطاب، أقل خضوعاً للقوة الأمريكية.

أما على المستوى الاقتصادي، فقد شكل قطاع الطاقة العمود الفقري لهذه العلاقة، إذ واجهت فنزويلا التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم تراجعاً حاداً في قدرتها الإنتاجية بسبب العقوبات ونقص الخبرات والاستثمارات. وهنا برز الدور الإيراني من خلال تزويدها بالوقود، والمساعدة في صيانة وتشغيل المصافي، وتقديم الدعم الفني في لحظات حرجة. ولم يقتصر التعاون على النفط، بل امتد إلى مجالات الصناعة، مثل الإسمنت وتجميع السيارات، إضافة إلى مشاريع إسكانية هدفت إلى تخفيف الأعباء الاقتصادية الداخلية في فنزويلا.
أما في ملف العقوبات، فقد وجد البلدان نفسيهما في خندق واحد، ما دفعهما إلى البحث عن آليات بديلة للتبادل التجاري، شملت المقايضة، واستخدام قنوات شحن غير تقليدية، والالتفاف على النظام المالي العالمي. وبذلك، تحولت العلاقة إلى ما يشبه مختبراً عملياً لكيفية التكيف مع الضغوط الاقتصادية الدولية.
في السياق العسكري، ظل التعاون العسكري والتقني محاطاً بالحذر والجدل. ورغم الاتهامات المتكررة من أطراف غربية، أكدت طهران وكاراكاس أن هذا التعاون يندرج في إطار التدريب والصيانة والدعم التقني، دون أن يصل إلى مستوى التحالف العسكري الهجومي، في محاولة لتفادي تصعيد إضافي. ورغم متانة هذه الشراكة، إلاّ أنها لم تكن بمنأى عن التحديات، فالعقوبات اثقلت كاهل التنفيذ العملي للاتفاقات، كما أن تغيير المشهد السياسي الداخلي الفنزويلي بعد اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو في 3 يناير 2026، سينعكس مباشرة على وتيرة التعاون، خصوصاً أن طهران ستواجه وضع صعب للغاية، وأن علاقاتها مع كاراكاس أصبحت ميتة سريرياً.
أما على الصعيد الاستخباري، فقد استثمرت طهران بشكل واسع للنطاق في سياق علاقاتها مع كاراكاس، إذ أصبحت الأراضي الفنزويلية قاعدة متقدمة للأنشطة الاستخبارية الإيرانية في أمريكا اللاتينية، وذلك من أجل رصد التحركات الأمريكية والإسرائيلية، وقد زاد من فاعلية الحضور الاستخباري الإيراني هناك، هي الجالية الكبيرة التي يتملكها حزب الله اللبناني في فنزويلا وباقي دول أمريكا اللاتينية، ما جعل الولايات المتحدة تواجه وضع استخباري معقد للغاية، خصوصاً على مستوى العلاقات الوثيقة التي بنتها إيران مع شبكات تجارة المخدرات والسلاح، والتي استهدفت بشكل أساسي والولايات المتحدة.
إسقاط مادورو وتداعياته على إيران
لا يمكن فصل اعتقال مادورو عن الاستراتيجية الأوسع التي تنتهجها الولايات المتحدة في تطويق النفوذ الإيراني خارج الشرق الأوسط، فمن منظور واشنطن، شكلت فنزويلا خلال السنوات الماضية إحدى أهم بوابات الحضور الإيراني في نصف الكرة الغربي، ليس فقط اقتصادياً عبر النفط والالتفاف على العقوبات، بل سياسياً ورمزياً باعتبارها تحدياً مباشراً لمبدأ النفوذ الأمريكي التقليدي في أمريكا اللاتينية، والحديث هنا عن “مبدأ مونرو 1823”.
في هذا السياق، فإن إزاحة مادورو لن تكون مجرد تغيير داخلي، بل فرصة استراتيجية للولايات المتحدة لإعادة ضبط المشهد الإقليمي، وتجفيف أحد المسارات الحيوية التي استخدمتها طهران لكسر العزلة الدولية. ومن المرجح أن أي سلطة جديدة في كاراكاس ستُعرض عليها “صفقة كبرى” مفادها: فك الارتباط مع إيران مقابل تخفيف العقوبات، وإعادة دمج فنزويلا في النظام المالي العالمي، وفتح أبواب الاستثمار الغربي.
أمام هذا الاحتمال، تجد إيران نفسها أمام معادلة صعبة؛ فخسارة فنزويلا ستعني انكفاءً واضحاً في مشروعها لتوسيع نفوذها خارج محيطها الجغرافي، وستُسجل كنجاح أمريكي إضافي في سياسة الضغط المتعدد المسارات على طهران. وعليه، فإن مستقبل العلاقات الإيرانية الفنزويلية بعد مادورو لا يتوقف على كاراكاس وحدها، بل يرتبط مباشرة بمدى قدرة الولايات المتحدة على تحويل التغيير السياسي في فنزويلا إلى أداة فعالة في استراتيجيتها الأشمل لاحتواء إيران عالمياً.
هل تستطيع إيران تدارك سقوط مادورو؟
بعد سقوط مادورو ستجد إيران نفسها أمام اختبار صعب لقدرتها على إدارة النفوذ خارج بيئتها الجغرافية المباشرة، فمن المرجح أن تتحرك طهران على أكثر من مسار في آن واحد، إدراكاً منها أن فقدان فنزويلا لا يعني خسارة حليف فقط، بل انهيار إحدى أهم ركائز حضورها الرمزي والسياسي في نصف الكرة الغربي.
يمكن القول بأنه في حال وصول حكومة فنزويلية جديدة تتبنى خطاباً معادياً لإيران وتتموضع بوضوح ضمن المحور الأمريكي، ستجد إيران نفسها أمام أحد أكثر السيناريوهات تعقيداً في سياستها الخارجية خارج الشرق الأوسط، فالتغيير في كاراكاس لن يعني فقط خسارة حليف، بل تحول فنزويلا إلى ساحة نفوذ أمريكي مباشر، يُحتمل أن تُستخدم سياسياً واقتصادياً لتضييق الخناق على طهران، خصوصاً في سوق الطاقة العالمية
في هذا السياق، من المرجح أن تتخلى إيران عن أي رهانات على استمرار الشراكة الاستراتيجية، وتنتقل إلى مقاربة أكثر براغماتية تهدف إلى تقليص الخسائر وحماية الحد الأدنى من مصالحها الاقتصادية. وقد يشمل ذلك السعي لتجميد أو تحصين بعض الاتفاقات السابقة قانونياً، أو الحفاظ على قنوات تواصل غير مباشرة مع مؤسسات أو شركات مرتبطة بالبنية الاقتصادية الفنزويلية، بعيداً عن الواجهة السياسية الجديدة.
في المقابل، ستدرك طهران أن أي محاولة لمواجهة الحكومة الجديدة علناً ستمنح الولايات المتحدة ذريعة إضافية لتصعيد الضغط عليها، لذلك قد تميل إلى خفض حضورها العلني والانسحاب التكتيكي من فنزويلا، مع التركيز على منع تحول التغيير السياسي إلى انتصار أمريكي رمزي واسع النطاق.
إقليمياً، يُرجح أن تعوض إيران خسارتها في كاراكاس عبر إعادة توجيه بوصلتها في أمريكا اللاتينية، من خلال توثيق علاقاتها بدول أقل حساسية للنفوذ الأمريكي أو عبر التعاون في ملفات اقتصادية وتقنية منخفضة الكلفة السياسية. أما استراتيجياً، فسيكون التحدي الأكبر أمام طهران هو احتواء الأثر النفسي والسياسي لسقوط فنزويلا من دائرة حلفائها، ومنع ترسيخ سردية مفادها أن النفوذ الإيراني في نصف الكرة الغربي كان عابراً ومرتبطاً بظروف استثنائية.
وعليه، فإن تعامل إيران مع حكومة فنزويلية معادية لن يقوم على المواجهة المباشرة، بل على إدارة الانكفاء بحذر، وإعادة التموضع بأقل قدر ممكن من الخسائر، في انتظار تحولات دولية قد تعيد فتح نوافذ نفوذ جديدة في المستقبل.