بعد ساعات قليلة من الضربة الأميركية على فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو، صرّح رئيس المعارضة الإسرائيلية، يائير لابيد، بأن “على النظام الإيراني أن ينتبه جيدًا لما يجري في فنزويلا”، في إشارة لافتة إلى الطريقة التي قُرئت بها العملية في تل أبيب.
لم يكن التصريح معزولًا أو عابرًا، بل عكس مستوىً من الارتياح السياسي والأمني الإسرائيلي تجاه استخدام واشنطن للقوة خارج أي تفويض دولي، وربط هذا الاستخدام بملفات أخرى ترى “إسرائيل” ضرورة حسمها وفق منطق مشابه.
في مقدمة هذه الملفات يبرز النظام الإيراني وعلاقاته الإقليمية والدولية، بوصفه التهديد المركزي للعقيدة الأمنية الإسرائيلية، إلا أن المسألة لا تتوقف عند إيران وحدها، بل تمتد إلى إعادة تأهيل الفعل العسكري الإسرائيلي نفسه، وتقليص كلفة استخدام القوة خارج الأطر القانونية، فضلًا عن التأثير في مساحات التضامن الدولي العابر للقارات مع القضية الفلسطينية، وما يمثله ذلك من ضغط سياسي وأخلاقي متزايد على الكيان في المحافل الدولية.
من هذا المنظور، لا تُفهم الضربة الأميركية لفنزويلا بوصفها حدثًا معزولًا في أميركا اللاتينية، بل كجزء من إعادة ترتيب أوسع للأولويات والمعايير في النظام الدولي، على نحو يخدم الرؤية الأمنية الإسرائيلية، عبر إعادة الاعتبار لمنطق القوة، وإضعاف مركزية القانون الدولي، ومنح “إسرائيل” هامش حركة أوسع لتبرير سياساتها العسكرية، ما يجعل العملية أقرب إلى ضربة جزاء نُفذت أميركيًا، لكن نتائجها الاستراتيجية تصب مباشرة في المصلحة الإسرائيلية.
تبييض الجرائم الإسرائيلية
على مدى الأشهر الأخيرة من عام 2025، كرّر الرئيس الأميركي ترامب تهديداته لفنزويلا ورئيسها، داعيًا إياه إلى التنحي ومغادرة البلاد، مرفقًا تهديداته بحشد واسع قبالة السواحل الفنزويلية، شمل أكثر من عشرة آلاف جندي أميركي، وحاملة الطائرات جيرالد فورد، وعددًا من القاذفات الثقيلة من طرازَي B-52 وB-1. ومنذ أكتوبر/تشرين الأول 2025، نُفّذت عدة هجمات على زوارق سريعة في البحر الكاريبي، أسفرت عن مقتل أكثر من 60 فنزويليًا.
وبينما بدا للعالم أن سيناريوهات ترامب لتغيير النظام الفنزويلي خيالية، وتفتقر إلى منطق الشرعية الدولية السائد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتخلو من مبررات تتجاوز ذريعة المخدرات وادعاءات غياب شرعية الرئيس مادورو، وهي مبررات تكاد تنطبق على معظم دول أميركا اللاتينية، فإن ترامب، في لحظة هائمة، نفّذ تهديداته، فهاجم فنزويلا، وقصف موانئها، واختطف رئيسها وعقيلته.
التدحرج من التهديد إلى التنفيذ، دون المرور بالتشريع القانوني أو بحشد الإجماع الدولي، وفي ظل تأكيد أوروبي (بريطاني فرنسي) على غياب أي مشاركة في العملية العسكرية، يشي بأن الفعل الأميركي يتواءم مع النمط العسكري الإسرائيلي السائد خلال العامين الأخيرين في الشرق الأوسط.
ففي السياق الإسرائيلي، شكّل الجمع بين التهديد المسبق والتنفيذ السريع أحد أعمدة ما يُقدَّم بوصفه “ردعًا استباقيًا”، سواء في التعامل مع جماعة أنصار الله، أو حزب الله، أو عبر الضربات المتكررة في الساحة السورية، لكن ما تُضيفه الحالة الفنزويلية هنا هو إسباغ هذا النمط على فعلٍ أميركي مباشر، ما يمنحه شرعية الأمر الواقع، ويُخرجه من كونه استثناءً إسرائيليًا إلى كونه ممارسة مقبولة من قوة عظمى.
لذا، فإن تقاطعات التهديد والتنفيذ، الأميركي والإسرائيلي، أفرزت عدة نتائج، من بينها تهيئة المجتمع الدولي والإقليمي للضربات مسبقًا، فيما يشبه التحذير المسبق، وإسقاط القيمة الحقيقية لسيادة الدول عبر اختراق مجالاتها، وتجاوز محددات نشوب الحروب التي يفترض أن تنطلق من قرار أممي وتنسجم مع إجماع دولي.
هنا، تصبح الضربة الأميركية لفنزويلا تعزيزًا لسابقة إسرائيلية، تجعل من مهاجمة دولة ما، قطر، إيران، لبنان، اليمن… وغيرها، وضرب منشآتها المدنية والحيوية، واعتقال رئيسها وشخصياتها الرسمية بالقوة العسكرية، مع الإشارة إلى أن “إسرائيل” تفضّل القتل على الاعتقال ودون قرار أممي، ردّ فعلٍ طبيعي. فإن كانت “إسرائيل” تفعل، فإن الولايات المتحدة تفعل أيضًا؛ فلماذا ستُحاسَب “إسرائيل” ولا تُحاسَب الولايات المتحدة؟
تلقائيًا، يُضعف ذلك أي حجة قانونية ضد الأفعال الإسرائيلية، من الاغتيالات والضربات الاستباقية وخرق سيادة الدول وأجوائها الإقليمية، ما يعني تبييضًا وإعادة تأهيل للفعل الإسرائيلي سياسيًا وأخلاقيًا في الخطاب الغربي، بأثر رجعي، لكل السلوك الإسرائيلي خلال عامين من الإبادة، وسبعين عامًا من الاستعمار وانتهاك سيادة الدول وحقوق الأفراد.
تضامن مرتفع الكلفة
لا يقتصر أثر الضربة الأميركية على البنية القانونية للنظام الدولي، بل يمتد إلى كلفة التضامن الرسمي مع قضايا التحرر من الهيمنة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ففنزويلا لم تكن مجرد ساحة بعيدة عن الصراع العربي الإسرائيلي، بل مثّلت خلال السنوات الماضية أحد أبرز نماذج التضامن الرسمي العابر للقارات مع الفلسطينيين.
تُرجم ذلك سياسيًا ودبلوماسيًا بقطع العلاقات مع “إسرائيل” منذ عام 2009، واستضافة وفود فلسطينية، ودعم تحركات قانونية دولية ضدها، وإسناد الدول المتضامنة مع القضية الفلسطينية في مساعي فرض حظر نفطي على الكيان، للضغط عليه لوقف جرائمه بحق الفلسطينيين.

من هذا المنظور، يُقرأ استهداف فنزويلا بوصفه رسالة غير مباشرة إلى دول ومنظمات اختارت تحويل مواقفها المؤيدة لفلسطين إلى سياسات رسمية قابلة للقياس. ورغم أن المبررات الأميركية للهجوم لم تتطرق صراحة إلى موقف كاراكاس من “إسرائيل”، فإن السياق الأوسع للسياسة الأميركية خلال العامين الأخيرين يُظهر حساسية متزايدة تجاه أي تضامن دولي يتجاوز البعد الإنساني، ليصل إلى انتقاد مباشر للسياسة الأميركية نفسها ودعمها للكيان.
هذا التحول يرفع كلفة التضامن الرسمي، ويدفع العديد من الدول إلى إعادة ضبط مواقفها، ليس عبر التخلي الكامل عن دعم الفلسطينيين، بل من خلال تقليص أدواته وحصره في مستويات خطابية أو شعبية. في هذا الإطار، يُصبح الصمت الرسمي، أو الاكتفاء بتصريحات عامة، خيارًا أقل مخاطرة من تبني سياسات عملية كالمقاطعة أو الملاحقة القانونية، ما يؤدي عمليًا إلى إفراغ التضامن المؤسسي من فاعليته، وتحويله إلى عبء سياسي بدل كونه ورقة ضغط دولية.
ويعني ذلك أيضًا تراجع أدوات التضامن الرسمي وتقوقعه إلى مستويات شعبية فقط، وسحب عناصر فعاليته وتأثيره، عبر دفع الدول إلى تبني مواقف أكثر تحفظًا ووسطية، داخليًا ودوليًا، وحتى على المستوى الأممي، كـمجلس الأمن والجمعية العامة، تجنبًا لهجمات أميركية سياسية أو اقتصادية أو عسكرية.
لذا، كان من المنطقي أن تُسارع الفصائل الفلسطينية إلى إدانة الهجوم الأميركي على فنزويلا، واصفةً إياه بأنه استمرار للهيمنة الإمبريالية وعقاب للدول الداعمة لقضية فلسطين، كما كان من المنطقي أن تركن الدول العربية وأنظمة الشرق الأوسط إلى الصمت، وتكتفي بالمشاهدة.
التهديد بالإيحاء
تتجلى الفائدة الأوسع للهجوم الأمريكي على فنزويلا، من منظور إسرائيلي، في بعده الإيحائي أكثر من نتائجه المباشرة، فـ”إسرائيل”، رغم عدم مشاركتها في العملية، تُعد المستفيد الأول من الرسائل التي حملتها، خصوصًا في السياق المتصل بإيران والشرق الأوسط.
هنا، لا تعمل الضربة كعمل عسكري معزول، بل كإشارة سياسية أمنية تؤكد أن استخدام القوة خارج الإطار القانوني الدولي ما زال خيارًا مطروحًا، بل وقابلًا للتكرار، فمن ناحية أولى، يُقرأ الهجوم باعتباره تصعيدًا ضد شبكات مرتبطة بإيران خارج الإقليم، وتقليصًا لهوامش تحركها في أمريكا اللاتينية.
وهي ساحة طالما اعتُبرت في الاستراتيجية الأمريكية مجال نفوذ حصري، ما يتقاطع مع جهود أمريكية سابقة لفرض عقوبات على كيانات مرتبطة بتعاون فنزويلي إيراني في مجالات عسكرية وتقنية، ويعزز الانطباع بأن استهداف فنزويلا يندرج ضمن مقاربة أوسع تهدف إلى الضغط على البيئة الحاضنة لإيران، لا إيران نفسها في المرحلة الراهنة.
أعلنت نائبة الرئيس الأمريكي السابق بأن الهدف وراء العملية التي شنتها أمريكا على فنزويلا هو النفط. pic.twitter.com/1OjD9zCNAq
— نون بوست (@NoonPost) January 4, 2026
بدأ ذلك نهاية ديسمبر المنصرم، بفرض وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على أشخاص وكيانات فنزويلية، تقوم بتجميع طائرات قتال بدون طيار، مصمَمة في إيران، فيما اعتبرته “تهديدًا للمصالح الأمريكية في نصف الكرة الغربي”.
وتزامن مع سلسلة تقارير أصدرتها مراكز أبحاث “إسرائيلية” استخباراتية، فاعلة في توجيه القرار الأمريكي، أشارت إلى أن “شبكة علاقات وثيقة تربط كاراكاس بطهران، تشمل رحلات جوية مباشرة تستخدم، غطاء لنقل عناصر ومعدات، إضافة إلى اعتماد النظام الفنزويلي على الحرس الثوري الإيراني في إعادة تأهيل قطاع النفط، ومنح ملاذات آمنة لعناصر من حزب الله”.
في هذا السياق، تُوظَّف العملية العسكرية كأداة ردع غير مباشرة، تُخاطب طهران دون مواجهة مفتوحة، فبدل توجيه ضربة مباشرة قد تفتح باب التصعيد الإقليمي، يُعاد ترتيب مساحات الضغط المحيطة بها، بما في ذلك الحلفاء البعيدون جغرافيًا، هذه المقاربة تمنح الكيان مكسبًا استراتيجيًا مزدوجًا؛ تشديد الخناق على إيران من خارج الشرق الأوسط، وتوسيع هامش الحركة الإسرائيلية داخله، عبر ترسيخ قناعة بأن الضربات الأحادية لم تعد استثناءً إسرائيليًا، بل ممارسة تتقاسمها مع القوة الدولية الأكبر.
والحال كذلك، يمكن اعتبار الهجوم الأمريكي رسالة تحذير إسرائيلية أخيرة لإيران، قد تدفعها لأخذ التهديدات الأمريكية الإسرائيلية على محمل الجد، وتخفيف تدخلها في المحيط الإقليمي للكيان، والتراجع عن ترميم ترسانتها البالستية والنووية.
خاصة في ظل تصاعد الحراك الشعبي المناهض للنظام الإيراني في أنحاء مختلفة من البلاد، وبُعيد تصريح لترامب هدد فيه: “من أن إطلاق النار على المتظاهرين بالذخيرة الحية ليس شأنًا داخليًا، وأن استمرار القمع سيُقابل بإجراءات”، وهو ما يقلص خيارات النظام الإيراني في التعامل مع المتظاهرين، رغم إدراكه أن الحراك الشعبي تجاوز الثورة العفوية ليغدو فعلًا مخططًا له بأيدي خارجية، يستهدف إسقاطه.
وهو ما أكدته مصادر إسرائيلية وصرح به وزير الخارجية الأمريكي الأسبق بومبيو في منشوره: “عام جديد سعيد لكل إيراني ينزل إلى الشوارع، وكذلك لكل عميل للموساد يسير إلى جانبهم”، في إشارة صريحة منه إلى وجود عناصر استخباراتية أجنبية إلى جانب المحتجين.
بالمحصلة، يُعاد هنا تعريف العدو، بوصفه كل منا يعارض الولايات المتحدة و”إسرائيل”، كل من يقف في وجه سياساتهما، ما يفرض على الأنظمة العربية إعادة إنتاج خطاب أكثر خضوعًا، فيما ستضطر الأنظمة الغربية لترتيب أوراقها لمواكبة السياسة الجديدة، وطي صفحة القانون مؤقتًا إلى حين.
العلاقة بين إيران وفنزويلا لم تُبنَ كتحالف عسكري، بل كخيار بقاء اقتصادي فرضته العقوبات الأمريكية، وهو ما يتجاهله الخطاب الأمني في واشنطن عمدًا.
🔴كيف تصنع واشنطن “التهديد الإيراني” في فنزويلا؟https://t.co/fzM2Yyg8c5
— نون بوست (@NoonPost) December 30, 2025
الشرعية بمقاييس الشمال العالمي
يكشف افتتاح العام الجديد بهجوم عسكري أمريكي على فنزويلا عن تباين واضح في أنماط التدخل الغربي بين الساحات الدولية المختلفة، فالمقارنة بين فنزويلا وحالات أخرى، كسوريا أو أوكرانيا أو جنوب السودان أو قضايا الأقليات في الصين، تُظهر أن معايير الشرعية لم تعد تُستمد من إرادة الشعوب أو حجم الانتهاكات بقدر ما تُحددها حسابات المصلحة والنفوذ في المنظور الغربي.
في الحالة السورية، خرجت احتجاجات واسعة عام 2011 مطالِبة بتغيير سياسي، في ظل سجل حافل من الانتهاكات الحقوقية وتورط نظام الأسد في تجارة المخدرات واستعانته بقوى خارجية لضمان بقائه، ورغم ذلك، لم تُقدم الولايات المتحدة أو الدول الغربية على تدخل مباشر لإزاحته، ما يعكس انتقائية واضحة في تطبيق مبادئ التدخل وحماية المدنيين، تبعًا للمصلحة الغربية لا للمعايير الإنسانية أو القانونية.
لا يقتصر ذلك على إدارة ترامب، بل يمتد للإتحاد الأوروبي والمنظومة الغربية بأكملها، فرغم أن العملية العسكرية الأمريكية، تجاوزت القانون الدولي، لم تتوان المفوضية الأوروبية عن إصدار بيان يتعامل معها كانتفاضة داخلية، بتصريح رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا: “ندعم الانتقال السلمي بفنزويلا.. نقف إلى جانب شعب فنزويلا وندعم الانتقال السلمي والديمقراطي، أكدنا مرارًا أن مادورو يفتقر الشرعية”.
فيما لم تتجاوز مواقف الدول الأخرى الدعوة إلى الالتزام بالقانون الدولي، والمطالبة بضبط النفس، واحترام ميثاق الأمم المتحدة، والتعبير عن الصدمة والغضب، باستثناء حلفاء الولايات المتحدة مثل “إسرائيل” والأرجنتين، الذين سارعوا للترحيب بالعملية والإشادة بها.
ختامًا، وفي آخر تصريحٍ له حدد ترامب خطته المستقبلية بشأن فنزويلا، مؤكدًا أن الولايات المتحدة ستقوم بإدارتها، وأنها مستعدة للعودة إلى فنزويلا إذا تطالب الأمر، واضعًا شروطه لمفهوم الطريقة العادلة لإدارة البلاد، وفقًا لما يراه في زعيمة المعارضة المغرمة بأسلوب إدارته، وباستفادته من مخزون النفط الفنزويلي.
مرة أخرى يكتب ترامب تاريخ الشرق الأوسط عن بُعد، حين يُبرر الحروب الإسرائيلية بحروبه الخاصة، ويقدم الشعوب على أطباقٍ من الفضة لجلاديها ومستعمريها، وينسف مبدأ سيادة الدولة لصالحه وصالح حلفائه، ويعمم مبادئ القرصنة والقتل، ويقفز عن منظومة قيمية، بتحديده العنف أساسًا للعلاقات الدولية ومحركًا لها.