تتصدر حملات التشجير المشهد البيئي في سوريا بوصفها أحد أبرز أشكال الاستجابة المحلية لمحاولات استعادة الغطاء الأخضر، بعد سنوات من التدهور البيئي الواسع الذي شهدته البلاد، فقد كانت الغابات والأشجار من ضحايا الحرب، إذ تعرضت لحرائق متكررة، وعمليات قطع جائر، إضافة إلى الجفاف وتراجع أعمال السقاية والرعاية.
وبعد سقوط نظام بشار الأسد، شهدت مناطق سورية عديدة إطلاق حملات تشجير متنوعة حملت عناوين مثل “ريفنا أخضر”، و”لكل جندي شجرة”، و”معًا لنعيد إدلب خضراء”، إلى جانب حملات أخرى في دمشق والقنيطرة ودير الزور وحماة وحلب واللاذقية وغيرها، استهدفت زراعة مئات الآلاف من الغراس.
أشرفت على هذه الحملات جهات رسمية ومحلية متعددة، تشمل وزارات ومحافظات ومديريات، إلى جانب منظمات أهلية وجمعيات وفرق تطوعية ومبادرات مجتمعية، مع تركيز واضح على المناطق الحراجية، ومداخل المدن والبلدات، والمنصفات الطرقية. ووفق البيانات المرافقة لهذه المبادرات، تهدف الحملات إلى تحسين البيئة المحلية، واستعادة التوازن البيئي، وزيادة المساحات الخضراء، وتعزيز الغطاء الحراجي.
نستعرض في هذا التقرير واقع حملات التشجير في سوريا من حيث أنواع الغراس المزروعة، والجهات المشرفة عليها، وطبيعة الأراضي المستهدفة، ومدى الأثر البيئي الفعلي للحملات، والتحديات التي تواجهها، وقدرتها على إحياء الغطاء الأخضر.
غطاء نباتي متضرر
شهد الغطاء النباتي في سوريا تراجعًا حادًا على مدى الـ14 عامًا الماضية، لا سيما الغابات والأشجار نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها الجفاف، والتحطيب، والحرائق المتكررة، والإهمال الحكومي، والرعي الجائر، والعمليات العسكرية، حيث تأثرت الأشجار المثمرة وعلى رأسها شجرة الزيتون.
ففي محافظة درعا جنوبي البلاد، كان عدد أشجار الزيتون نحو ستة ملايين شجرة مزروعة على مساحة 30 ألف هكتار عام 2010، ليصل العدد عام 2023 إلى ثلاثة ملايين شجرة فقط، بينما انخفضت المساحة المزروعة إلى نحو 22,901 هكتار. وفي محافظة إدلب، قدّر الفاقد من أشجار الزيتون بنحو 1.5 مليون شجرة خلال السنوات الماضية.
وذكر تقرير صادر عن مرصد الصراع والبيئة (CEOBS)، فقدان نحو 3505 هكتارات من الغابات في سوريا خلال عام 2020، بزيادة بلغت 159% مقارنة بعام 2019. وتشير هذه الأرقام إلى أن ما يقارب 20% من غابات البلاد قد فُقدت منذ عام 2000.

تتركز بؤر الحرائق المتكررة على امتداد الساحل السوري في محافظتي اللاذقية وطرطوس، اللتين تضمان أكثر من ثلاثة أرباع المساحات الحراجية في سوريا. وبين عامي 2010 و2018، التهمت حرائق الغابات أكثر من ربع مساحة الغابات السورية، حيث سُجلت أكثر من 2000 حادثة حريق، طالت مساحات تتجاوز 100 ألف هكتار في مناطق الساحل. ومنذ عام 2021 وحتى 2024، فُقد 83% من الغطاء الشجري في سوريا داخل الغابات الطبيعية، بإجمالي خسارة بلغ نحو 6100 هكتار.
وفي يوليو/تموز 2025، اندلعت حرائق غابات في محافظتي اللاذقية وطرطوس، وأسفرت عن تضرر نحو 50 ألف شخص بشكل مباشر وغير مباشر، وتأثر أكثر من 127 قرية بصورة مباشرة. وألحقت الحرائق أضرارًا بأكثر من 18 ألف هكتار من الأراضي الزراعية والغابات، وتسببت بتضرر 117 نظام ري، و202 خلية نحل، وفقدان أكثر من 150 ألف شجرة.
تشجير على امتداد الجغرافيا السورية
نشطت حملات التشجير خلال الشهرين الماضيين وما تزال مستمرة، خاصة أن موسم التشجير في سوريا يبدأ عادة مع هطول الأمطار الأولى، ويمتد بين نوفمبر/تشرين الثاني وفبراير/شباط، حيث تكون التربة رطبة والحرارة ملائمة لتثبيت الجذور، وتبقى هذه المواعيد مرهونة باختلاف المناخ وشدة الصقيع ونوع الغراس.
ووفق رصد “نون بوست”، كانت أبرز حملات التشجير في سوريا:
- ريف دمشق – حملة “ريفنا أخضر”: 500 ألف غرسة.
- إدلب – حملة “معًا لنعيد إدلب خضراء”: 350 ألف غرسة.
- عدة محافظات – حملة “لكل جندي شجرة”: 200 ألف غرسة.
- دمشق – حملة “الشام خضرا ورح تبقى خضرا”: أكثر من 100 ألف غرسة.
- حلب: 50 ألف غرسة.
- اللاذقية – موقع البسيط/ موقع بيت حليبية: 10 آلاف غرسة.
- القنيطرة: 7000 غرسة.
- حماة – حملة “شوارعنا خضراء”: 7000 غرسة.
كما جرت حملات تشجير متنوعة ضمن مناسبات وفعاليات، إلى جانب مبادرات مجتمعية لزرع الغراس قرب الطرق الرئيسية في المدن والبلدات، وفي الحدائق والمدارس والجامعات. وشارك في هذه الحملات فرق تطوعية وكوادر مدرسية وجامعية، إضافة إلى الأهالي المحليين. كما نفذت حملات أخرى لم تُعلن فيها أعداد الغراس، من بينها مشروع تشجير حرش الكركات الذي تواصل هيئة تطوير الغاب في ريف حماة تنفيذه.
وصرّح مدير زراعة محافظة إدلب، المهندس مصطفى الموحد بأن أعمال حملة التشجير في إدلب أسفرت، حتى 28 ديسمبر/كانون الأول 2025، عن غرس نحو 120 ألف غرسة زيتون ونحو ألفي غرسة حراجية، ضمن خطة تستهدف الوصول إلى 200 ألف غرسة زيتون و150 ألف شجرة حراجية، موزعة على عدة مواقع تشمل كفرنبل وخان السبل وحارم وخان شيخون والطريق الواصل بين إدلب وسراقب.

أما محافظ ريف دمشق، عامر الشيخ، فذكر أن حملة “ريفنا أخضر” تسعى إلى التشجير وتجميل مداخل المدن، وزراعة الأشجار الحراجية والمثمرة، وتوزيع الغراس على الفلاحين، بما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني، وتحسين الواقع البيئي في المحافظة.
ويوضح مدير حملة “ريفنا أخضر” عبد الرحمن غبيس أن الحملة تهدف إلى زراعة نحو 500 ألف غرسة خلال 45 يومًا، لتغطي معظم بلدات ريف دمشق، إلا أن هذا الجهد يبقى “جزءًا بسيطًا” قياسًا بحجم الضرر البيئي الكبير، إذ تُقدَّر الخسائر بنحو 8 ملايين شتلة في ريف دمشق، مشيرًا إلى أن الحملة تُنفَّذ عبر توزيع الغراس بالتعاون مع الأهالي والجمعيات الفلاحية والبلديات.
وتذكر إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية لـ”نون بوست” أن حملة “لكل جندي شجرة” تعتمد على غراس حراجية وبيئية مدروسة، تُختار لتتناسب مع طبيعة كل منطقة وخصوصيتها المناخية والبيئية، بما يضمن أعلى نسب نجاح واستدامة للغراس على المدى الطويل.

أما خريطة الأراضي المستهدفة بالتشجير ضمن الحملة، فتمتد على طول الجغرافيا السورية وتشمل مختلف المحافظات، مع تركيز خاص على المناطق التي تعرّضت للتدمير أو الاستهداف خلال السنوات الماضية من قبل النظام المخلوع، ولا سيما المناطق الحراجية المتضررة، في إطار إعادة إحياء الغطاء النباتي واستعادة التوازن البيئي.
وتضيف أن الحملة تهدف في هذه المرحلة إلى غرس أكثر من 200 ألف شجرة، في خطوة عملية لإعادة تأهيل الطبيعة التي دمّرها النظام السابق، وتعزيز الوعي البيئي وربط العمل العسكري بمسؤوليات وطنية وإنسانية طويلة الأمد.
وتتولى وزارة الدفاع بالتنسيق مع وزارة الزراعة رعاية هذه الغراس ومتابعة استدامتها، برعاية مباشرة من وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة، حيث انطلقت الحملة من تلال كبينة كرمزية للمكان الذي شهد تدميرًا واسعًا، ليكون نقطة بداية لمسار وطني يعيد الحياة إلى الأرض ويؤكد أن حماية الوطن تشمل حماية بيئته ومستقبله، وفق التوضيح.
من جانبه، يقول مدير مديرية الحراج في وزارة الزراعة، مجد سليمان، لـ”نون بوست” إن حملات التشجير تعتمد على زراعة الغار والصنوبر الثمري والنيل والخرنوب، إضافة إلى أصناف ملائمة للبيئة المحلية، وتستهدف الحملات الأراضي المتضررة من الحرائق أو التعديات، إلى جانب مداخل المدن والطرقات الرئيسية.
ويضيف أن التحديات تتمثل في الحفاظ على الأشجار المزروعة في بعض المناطق من التعديات أو الحرائق، إضافة إلى تعرض بعضها للرعي الجائر، وصعوبات السقاية وتوفير المياه في ظل الظروف المناخية القاسية، لافتًا إلى أن إعادة تشجير الغابات تمثل أولوية لما للغابة من فوائد بيئية وصناعية ومناخية وجمالية.
خطوات تأهيل الغابات ونجاح حملات التشجير
في ظل استمرار الأزمة الإنسانية في سوريا، تتزايد المخاوف من استمرار التحطيب وقطع الأشجار، وسط تشكيك في قدرة حملات التشجير على إحداث فرق حقيقي أمام حجم الضرر الذي لحق بالغطاء الأخضر وإمكانية تأهيل الغابات المتضررة.
في هذا السياق، ذكرت وزارة الزراعة لـ”نون بوست” أن حملات التشجير تساهم في ترميم المناطق المتضررة وزيادة كثافة الغطاء النباتي ومساحته، مشيرة إلى اعتمادها عدة خطوات لإعادة تأهيل الغابات المتدهورة، وهي:
- الحماية الكاملة للمواقع ذات الحرائق متوسطة الشدة، إذ يعود الغطاء النباتي تدريجيًا عبر إنبات البذور والخلفات أو الأجزاء النباتية الحية تحت التربة (بصيلات – ريزومات).
- الحماية على المواقع التي تعرضت لحرائق عالية الشدة والتدخل عبر نثر بذور محلية مأخوذة من مناطق مجاورة لضمان استعادة الأنواع السائدة.
- دراسة المواقع المحروقة من قبل لجان فنية تضم فنيين واختصاصيين لتحديد أفضل أساليب التدخل، سواء بالحماية دون تدخل أو بإعادة التحريج، مع منع انجراف التربة واستعادة الغطاء النباتي.
- منع إدخال الأنواع الغازية إلى المواقع الحراجية وفق التعليمات التنفيذية لقانون الحراج.
- جمع البذور من المواقع المحروقة والمجاورة للحفاظ على الطرز الوراثية في البيئة السورية.
وعن إجراءاتها للحد من التحطيب، تقول وزارة الزراعة إنها تعمل على زيادة عدد حراس المواقع وأفراد الضابطة الحراجية، كما توفر للمواطنين نحو 80% من الأحطاب الناتجة عن أعمال تربية وتنمية الغابات بأسعار رمزية، إلى جانب إصدار قرارات تسهّل الحصول على موافقات ورخص القطع، ما ساهم في الحد من عمليات الاحتطاب غير القانونية.
ويرى المهندس الزراعي أنس أبو طربوش في حديثه لـ”نون بوست” أن نجاح حملات التشجير في سوريا وتحقيق أثر فعلي في إعادة إحياء الغطاء الأخضر، ولا سيما في المناطق الحراجية والأراضي المتضررة، يتطلب إدماج هذه الحملات ضمن برنامج وطني شامل، يشمل دعم المزارعين بالأشجار المثمرة، وإعادة بناء الغابات، وتعزيز التربية البيئية عبر إشراك المدارس والجامعات، إلى جانب وضع خطة متابعة طويلة الأمد لحماية الغراس.
ويؤكد المهندس أن اختيار الموعد المناسب للتشجير وانتقاء الأصناف المتوافقة مع المناخ المحلي يشكّلان عاملين حاسمين في نجاح هذه الحملات، إلى جانب إشراك المجتمع المحلي، وتأمين دعم فني ومالي مستدام. كما يشير إلى أهمية الاستفادة من تجارب الدول المجاورة في تسريع إعادة التحريج بطرق غير تقليدية، مثل نثر البذور في أعالي الجبال، فضلًا عن تشديد الإجراءات لمنع القطع الجائر للأشجار.