في السادس والعشرين من ديسمبر/ كانون الأول عام 2025، حطت طائرة الناشط المصري البريطاني، علاء عبد الفتاح، في مطار هيثرو بلندن، حاملةً معها ما اعتُبر “انتصارًا” حقوقيًا ودبلوماسيًا بعد عقد من السجن والتنكيل في مصر، إلَّا أن هذا الوصول لم يكن مجرد لم شمل عائلي منتظر، إذ تحول في غضون ساعات إلى عاصفة سياسية أعادت تعريف الصراع الحقوقي والسياسي في الفضاء العام البريطاني.
فبينما كان رئيس الوزراء كير ستارمر يرحب بعودة المواطن البريطاني المحتجز ظلما، انطلقت حملة رقمية وسياسية منسقة سعت إلى نزع الطابع الحقوقي عن قضيته، وإعادة تعريفه كـ “خطر أمني” وعدو “للقيم الغربية/ البريطانية”، بناءً على أرشيف رقمي يعود لأكثر من عقد من الزمان.
هذه الحملة التي قادها أقطاب اليمين البريطاني، مثل نايجل فاراج وروبرت جينريك، وبالتنسيق مع حسابات رقمية مرتبطة باللوبيات المؤيدة لإسرائيل، لم تكن تستهدف شخص عبد الفتاح فحسب، بل كانت جزءًا من معركة أوسع لترسيم حدود “المواطنة المشروطة” وتأديب الأصوات المتضامنة مع القضية الفلسطينية. وقد بلغت الأزمة ذروتها مع اضطرار وزيرة الخارجية إيفيت كوبر لإطلاق مراجعة أمنية عاجلة لما وصفته بـ “الإخفاقات المعلوماتية الخطيرة” في ملف علاء، في ظل ضغوط إعلامية وسياسية طالبت بسحب جنسيته وترحيله.
في هذا المقال، نحاول، وبشكل استقصائي موجز، تحليل القصة الكاملة لهذه الحملة، عبر تتبع الهندسة الرقمية التي حركتها، وتوظيف تهمة “معاداة السامية” كأداة للضبط السياسي، وصولًا إلى تداخل الخطاب الأمني المصري مع السجال البريطاني في تجلٍ واضح لظاهرة “عولمة القمع”.
تقاطع السرديات.. التحالف الرقمي والسياسي ضد عبد الفتاح
لم تكن حملة الهجوم على علاء عبد الفتاح وليدة الصدفة، بل كانت نتيجة لتقاطع استراتيجي بين قوى اليمين البريطاني الصاعد، وتحديدًا حزب المحافظين في نسخته الأكثر تشددا وحزب الإصلاح (Reform UK)، وبين منصات رقمية مرتبطة باللوبي الصهيوني في المملكة المتحدة.
هذا التحالف لم يستهدف عبد الفتاح كفرد فحسب، بل استهدف تقويض السياسة الخارجية لحكومة حزب العمال وتأديب أي صوت يربط بين نضالات الربيع العربي والقضية الفلسطينية، وبشكل أساسي، اعتمدت استراتيجية الحملة على “النبش الأيديولوجي”، حيث تم استدعاء منشورات تعود لفترة ما بين 2010 و2012، وهي حقبة اتسمت بغليان ثوري وحروب إقليمية طاحنة (مصر وليبيا وسوريا)، ليتم استخدامها كأدلة جنائية راهنة ضد شخص نضج سياسيًا أو حتى إن لم ينضج، لكنه، قضى سنوات في السجون المصرية بسبب معارضته السلمية لسُلطوية السيسي.
كشفت بعض التحقيقات الرقمية التي أجرتها منصات تدقيق مستقلة، مثل “صحيح مصر”، أن الشرارة الأولى للحملة لم تكن بريطانية خالصة، بل بدأت عبر حسابات مجهولة الهوية متخصصة في الدفاع عن سياسات الاحتلال الإسرائيلي. وقد انطلقت الحملة كرد فعل مباشر على تعليق نشرته منى سيف، شقيقة علاء، على منشور لرئيس الوزراء كير ستارمر يرحب فيه بعودة شقيقها، حيث طالبت منى بالحرية للنشطاء المسجونين في بريطانيا بسبب نشاطهم المتضامن مع فلسطين، وهو ما اعتبره اليمين البريطاني “استفزازًا” واستدعى حملة مضادة واسعة ضد علاء وعائلته.
أما الحساب المحوري الذي أطلق الحملة، والذي يعمل تحت الاسم المستعار “prudent rose fire finch”، كان قد نشر سابقًا سلسلة من التعليقات التي تستهدف سياسيي حزب العمال الذين انتقدوا قصف المدنيين في غزة، مما يؤكد أن الهجوم على علاء كان جزءًا من معركة أوسع ضد السردية الفلسطينية في بريطانيا.
كما انتقل الزخم من الفضاء الرقمي إلى المنصات السياسية الرسمية بسرعة كبيرة، حيث التقط قادة اليمين البريطاني الخيوط من الحسابات الوهمية، إذ قاد روبرت جينريك، وزير العدل في ظل حكومة الظل، ونايجل فاراج، زعيم حزب “الإصلاح”، الجانب السياسي من الحملة عبر المطالبة بسحب الجنسية من عبد الفتاح وترحيله فورًا، واصفين إياه بـ “المتطرف”، وأيضا رافقت هذه المطالبات تغطية إعلامية مكثفة من صحف يمينية مثل “تليجراف” و”ديلي ميل”، التي روجت لفكرة أن وصول علاء يمثل “إخفاقًا أمنيًا”، متجاهلةً تمامًا السياق الحقوقي والقانوني الذي دفع الحكومات البريطانية المتعاقبة للمطالبة بالإفراج عنه لسنوات طويلة كمعتقل رأي.
“معاداة السامية” وازدواجية المعايير البريطانية
تمثل قضية علاء عبد الفتاح نموذجًا صارخًا لكيفية توظيف تهمة “معاداة السامية” كآلية لـ “التأديب السياسي”، تهدف إلى شلّ قدرة الحكومة على تبني مواقف حقوقية متماسكة، فالتفاعل الرسمي البريطاني مع وصول علاء كشف “الغضب الانتقائي”؛ فبينما استنفرت الحكومة كافة أجهزتها للرد على تغريدات لعلاء من عام 2010 تهاجم الصهيونية، يلاحظ صمت مطبق تجاه تصريحات وأفعال مادية لمسؤولين أجانب زاروا بريطانيا في نفس الفترة رغم تورطهم في انتهاكات جسيمة.
هذه الازدواجية تتجلى عبر مقارنة حالة علاء بزيارات مسؤولين إسرائيليين؛ ففي الوقت الذي خضع فيه علاء لمراجعة أمنية ومطالبات بالترحيل بسبب تغريدات قديمة، استقبل رئيس الوزراء كير ستارمر الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ بحفاوة، رغم تصريحات الأخير التي استُخدمت كدليل في قضية الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية، كما مُنح قائد الجو الإسرائيلي، تومر بار، حصانة قانونية خاصة لزيارة المملكة المتحدة في يوليو 2025 لحمايته من أي ملاحقة قضائية بتهم جرائم حرب، وهو تناقض يبرز أن “الغضب الأخلاقي” البريطاني يُوجه عادة نحو الأفراد العزل بينما يُحجب عن مراكز القوى السيادية الحليفة.
أيضا، أدى هذا الضغط الإعلامي إلى دفع وزيرة الخارجية إيفيت كوبر لإطلاق مراجعة لما وصفته بـ”الإخفاقات المعلوماتية الخطيرة” في ملف علاء، معتبرةً أن إجراءات العناية الواجبة كانت غير كافية، فيما مثلت هذه المراجعة سابقة خطيرة لإدخال “الفحص الأيديولوجي” في العمل القنصلي والحقوقي؛ حيث التدقيق في آراء النشطاء قبل الدفاع عنهم يعني تخلّيًا بريطانيا عن شمولية مبادئ حقوق الإنسان وتحويلها إلى أدوات انتقائية تُمنح فقط لمن يلتزمون بخطاب يرضي اللوبيات القوية في لندن.
وبذلك، نجحت الحملة في تحويل “معاداة السامية” من قضية حقوقية مشروعة لمواجهة الكراهية إلى “هراوة سياسية” تُستخدم لإرهاب المتضامنين مع غزة وربط نضالهم بالعنف، وهذا على الرغم من اعتذار علاء الصريح والمباشر عن منشوراته القديمة ووصفه لها بأنها كانت نتاج غضب شبابي في سياق إقليمي مُحتقن.
عولمة القمع والجدل الدستوري حول المواطنة
تعد السمة الأبرز لهذا الحدث هي التعاون غير المعلن وتماهي السرديات بين الأجهزة الأمنية المصرية، ودوائرهم في الصحافة والإعلام، واليمين البريطاني المتطرف، إذ وفرت حملة التشويه في لندن فرصة ذهبية للنظام المصري لإعادة تدوير روايته الأمنية التي سجن علاء بموجبها، ولكن هذه المرة بلسان بريطاني، حيث كشفت التحقيقات عن تورط صحفيين مصريين يعملون في مؤسسات تابعة لـ “الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية” (المملوكة لجهاز المخابرات العامة المصري) في ترويج الحملة داخل بريطانيا، عبر المشاركة في تدوين الهاشتاجات البريطانية المطالبة بترحيل علاء، في محاولة لخلق إجماع دولي على وصم علاء بالتطرف.
أنتج هذا التداخل حالة من “عولمة القمع”، حيث تم ترجمة التهم المصرية القديمة (نشر أخبار كاذبة) إلى تهم تناسب الجمهور الغربي (معاداة السامية والتحريض على قتل الشرطة)، إلى أن وصل الأمر حد إعلان إعلاميين موالين للنظام المصري، مثل أحمد موسى، أن بريطانيا “اكتشفت أخيرًا حقيقة علاء”، مطالبًا بإسقاط جنسيته المصرية كخطوة تكميلية للحملة البريطانية.
في الوقت ذاته، كشفت تسريبات من داخل مقر الحكومة البريطانية “وايت هول” أن قضية علاء كانت بمثابة “نكتة” مستمرة بين بعض الموظفين المدنيين، وفقًا لتصريحات بول أوفيندين، المستشار السابق لكير ستارمر، الذي هاجم ما وصفه بـ “دولة أصحاب المصلحة” وانشغال البيروقراطية بقضايا هامشية مثل حقوق النشطاء المعارضين.
أما على الصعيد القانوني والدستوري، فقد اصطدمت مطالبات سحب الجنسية بحقائق قانونية صلبة؛ حيث حصل علاء حصل على الجنسية بالحق التاريخي عبر والدته، وهو مسار لا يخضع لاختبار “حسن السير والسلوك” المطبق على المجنسين الجدد، وأن سحب الجنسية يتطلب إثبات خطر داهم أو تورط في أعمال إرهابية مادية، وهو ما لا تنطبق شروطه على تغريدات قديمة قيلت في سياق ثوري خارج بريطانيا. وعلى الرغم من أن القضاء البريطاني يمتلك صلاحية سحب الجنسية من مزدوجي الجنسية، إلا أن الحكومة استقرت على أن مثل هذه الخطوة ستكون “استبدادية للغاية” وتفتقر إلى السند القانوني المتناسب، مما يثبت أن الحملة كانت سياسية في جوهرها وليست قانونية.
نهاية، لم تكن حملة التشويه التي استهدفت علاء عبد الفتاح في ديسمبر 2025 حدثًا عابرًا، بل كشفت عن لحظة مفصلية تُعاد فيها صياغة حدود الخطاب العام حتى داخل الديمقراطيات الغربية، فما ظهر بوضوح هو هشاشة منظومة الحقوق عندما تصطدم بسرديات القوة، وكيف باتت الأنظمة السلطوية، وفي مقدمتها نظام السيسي، قادرة على تصدير منطقها الأمني إلى الخارج، مستفيدةً من صعود اليمين المتطرف وحالة الاستقطاب في الغرب. هكذا تحوّل المنفى، الاختياري والإجباري، من مساحة حماية إلى ساحة مواجهة مفتوحة، يُعاد فيها إنتاج الروايات الكاذبة ضد المعارضين ومنحها شرعية جديدة تحت غطاء سياسي وإعلامي.
صحيح أن علاء بقي في بريطانيا بفضل متانة الإطار القانوني للمواطنة، إلا أن الحملة ضده تركت شرخًا في مصداقية الالتزام الغربي بحقوق الإنسان بوصفها قيمًا غير مشروطة، فالمعركة اليوم لم تعد تنتهي بالخروج من السجن، بل تستمر في فضاءات المعنى، حيث يجري تجريد الضحية من إنسانيته وتحويل حياته إلى مادة أرشيفية للتحريض والقتل المعنوي. من هنا، يُطرح المستقبل سؤالًا جوهريًا: هل أصبحت الحماية الحقوقية مشروطة بالاصطفاف الأيديولوجي؟ وإذا كان القمع قد نجح في عولمة أدواته، فهل تمتلك العدالة القدرة نفسها على العبور والمواجهة؟