مطلع عام 2026، أعلنت القاهرة نجاحها عبر جهود دبلوماسية مكثفة في تأمين الإفراج الوشيك عن مئات المصريين المحتجزين في السجون الليبية. يأتي ذلك بعد أن شهد عام 2025 إعادة أكثر من 1200 معتقل مصري إلى الوطن وإبعاد ما يزيد على 3000 مهاجر منهم دخلوا ليبيا بطريقة غير قانونية.
وتعكس هذه الأرقام الضخمة اتساع ظاهرة هجرة الشباب المصري عبر ليبيا بشكل غير نظامي وما يكتنفها من أخطار الاحتجاز والانتهاكات.
بالأرقام.. حجم الظاهرة وخسائرها
تشير المعطيات إلى أن ليبيا تحولت في العقد الأخير إلى بوابة رئيسية يعبر منها عشرات الآلاف من المهاجرين سنويًا نحو أوروبا، بينهم شريحة متزايدة من المصريين.
- سُجِّل خلال عام 2025 وصول ما يفوق 16 ألف مصري إلى أوروبا عبر طرق غير نظامية.
- يمثّل ذلك استمرارًا لمنحى متصاعد، حيث كانوا أيضًا أكبر جنسية أفريقية بين الوافدين في 2022 بحوالي 22 ألف مهاجر.
- تتزامن هذه التدفقات مع استمرار الفوضى الأمنية في ليبيا، التي تستضيف نحو 787 ألف مهاجر ولاجئ من مختلف الجنسيات.
- أكثر من 90% من المهاجرين الذين سلكوا طريق وسط المتوسط في 2025، انطلقوا من السواحل الليبية نحو إيطاليا، مقابل نسبة أقل انطلقوا من تونس والجزائر.
التبعات الإنسانية لهذه الهجرة غير النظامية على المصريين كانت فادحة في الأعوام الأخيرة.
- أعادت مصر خلال 2025 جثامين ما يزيد عن 300 من رعاياها لقوا حتفهم غرقًا في حوادث مأساوية لقوارب مهاجرين قبالة السواحل الليبية.
- على سبيل المثال، لقي 14 مصريًا مصرعهم في حادثة غرق قارب قرب سواحل اليونان في ديسمبر 2025 أثناء محاولتهم العبور من ليبيا.
- هذه الحوادث وغيرها رفعت حصيلة قتلى البحر المتوسط إلى أكثر من 1,700 مهاجر خلال عام 2025 وفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة.
وإلى جانب من قضوا غرقًا، هناك آخرون وقعوا في قبضة سلطات أو مليشيات ليبية؛ إذ تفيد التقارير بوجود المئات من المصريين ممن ظلوا في عداد المفقودين أو المحتجزين في ليبيا خلال السنوات الأخيرة، ما دفع عائلاتهم إلى مناشدة الحكومة المصرية للتحرك.

مسارات وطرق التهريب
تحوّلت أنظار الراغبين بالهجرة إلى المسار البري عبر الحدود الليبية منذ تشديد مصر إجراءاتها الأمنية لمنع انطلاق قوارب الهجرة من سواحلها منذ إطلاق الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الهجرة غير الشرعية عام 2016.
يتسلل آلاف المصريين سنويًا عبر الصحراء الغربية إلى ليبيا إما بتأشيرات عمل مزيفة أو بطرق غير قانونية، على أمل الوصول إلى الشواطئ الليبية ومن ثم ركوب قوارب الموت نحو أوروبا.
في شرق ليبيا، حيث يسيطر اللواء الانقلابي خليفة حفتر، تنشط عمليات تهريب واسعة النطاق عبر الحدود. وقد شهد عام 2023 حملة أمنية شرسة هناك؛ إذ داهمت قوات شرقية أوكار المهربين وضبطت نحو 4000 مهاجر مختبئين في مزارع ومخابئ على حدود مصر – أغلبهم مصريون – وتم ترحيلهم جميعًا مشيًا على الأقدام عبر منفذ السلوم الحدودي.
وأفادت مصادر أمنية ليبية لرويترز بأن حوالي 2200 من هؤلاء كانوا دون وثائق قانونية وأجبروا على السير لمسافة 2 كم داخل الأراضي المصرية بعد نقلهم إلى قرب الحدود.
كما اكتشفت السلطات في منطقة إمساعد الليبية ورشًا سرية لتصنيع قوارب خشبية تُستخدم في تهريب المهاجرين، مما يبين مدى تنظيم شبكات التهريب حتى في عمق المناطق الحدودية.
أما في غرب ليبيا، فالمشهد أشد خطورة وتعقيدًا. فالمناطق الساحلية الواقعة تحت سلطة حكومة طرابلس تعج بالجماعات المسلحة التي وجدت في الاتجار بالبشر مصدرًا مربحًا.
يعمل سماسرة الهجرة هناك بالتنسيق مع مليشيات محلية نافذة لنقل المهاجرين إلى نقاط الانطلاق على البحر، لكن كثيرًا ما يقع هؤلاء فريسة الاستغلال والاحتجاز القسري على يد نفس الشبكات التي وعدتهم ببلوغ أوروبا.
وأحيانا، يبدأ دور السماسرة من داخل مصر، حيث ينشط وسطاء محليون في القرى الفقيرة لتجنيد الشباب والتنسيق مع مهربي ليبيا، مستغلين تعطش هؤلاء لحياة أفضل.
اختطاف وتعذيب وابتزاز
في مدينة الزاوية غربًا – إحدى أبرز بؤر التهريب – كشفت حادثة اختطاف ستة رجال مصريين مطلع عام 2024 جانبًا من هذه الانتهاكات؛ إذ تعرض هؤلاء (وجميعهم من عائلة واحدة من محافظة سوهاج بصعيد مصر) للاختطاف عقب وصولهم إلى ليبيا بحثًا عن العمل.
وجرى احتجازهم في مركز تديره مليشيا محلية خارج سيطرة السلطات الرسمية التي هددت بذبحهم ما لم تُدفع فدية تعادل نحو 3100 دولار عن كل فرد.
وأكدت الخارجية المصرية آنذاك أن هؤلاء المواطنين احتجزوا في منشأة غير خاضعة لسلطة الحكومة الليبية، في إشارة إلى تغوّل المجموعات المسلحة في الغرب الليبي.
ولا تقتصر معاناة المهاجرين على الاحتجاز فحسب، بل كثيرًا ما يتعرضون للتعذيب والابتزاز على أيدي مهربي البشر.
فقد وثّقت تقارير دولية احتجاز المهاجرين في مخازن ومواقع سرية حيث يمارس ضدهم مختلف صنوف الانتهاكات بهدف تحصيل الأموال من ذويهم أو إرغامهم على العمل لصالح العصابات.
اللافت أن شركات التهريب الإجرامية لا تزال تعمل بفعالية رغم محاولات تضييق الخناق. فبحسب وكالة فرونتكس الأوروبية، نجحت تلك الشبكات بالالتفاف على تعزيزات الحدود المصرية وتفكيك طرق التهريب من السواحل المصرية، وما زالت توفر للمهاجرين مسارات عبر ليبيا مقابل مبالغ باهظة.
وقد حذرت السلطات المصرية الأسر مؤخرًا من التعامل مع أي “وسطاء معلومات” غير رسميين يزعمون قدرتهم على العثور على المفقودين مقابل مال، مؤكدة أن كثيرًا من هؤلاء يبيعون الوهم للأهالي.
كما دعت الحكومة ضحايا هذه العصابات إلى مقاضاة المهربين وشبكات الاتجار التي تتحمل المسؤولية الأولى عن تعريض أرواح الشباب للموت مقابل مكاسب مالية ضخمة.

معالجة الأزمة دبلوماسيا
أمام تفاقم محنة المحتجزين المصريين والمفقودين في ليبيا، كثّفت القاهرة تحركاتها مع سلطات ليبيا في الغرب والشرق، وأثمرت هذه الجهود عن:
- إعادة 2635 مواطنًا منذ بداية 2025 بينهم 1132 من مناطق غرب ليبيا (طرابلس ومحيطها) وأكثر من 1500 من شرق ليبيا (بنغازي وما حولها).
- الإفراج عن 131 مصريًا من مركز احتجاز غرب ليبيا أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
من جانبها، تجد السلطات الليبية نفسها أمام تحديات أمنية وإنسانية جسيمة فيما يتعلق بالمهاجرين على أراضيها. فحكومة الوحدة في الغرب تواجه انتقادات داخلية وخارجية لعجزها عن السيطرة على المليشيات التي تدير مراكز احتجاز سرية وتتورط في انتهاكات ضد المهاجرين.
وقد اعترف مسؤولون في طرابلس بأن ملف الهجرة يفرض “عبئًا ثقيلاً على دولة منقسمة تعاني هشاشة الأوضاع”. وفي استجابة للضغوط، أعلنت الحكومة الليبية تشكيل لجنة مشتركة جديدة لمراقبة أوضاع المهاجرين المحتجزين وتحسين ظروف المراكز.
لكن هذه الوعود تصطدم بواقع استمرار الإفلات من العقاب؛ إذ تشير منظمات حقوقية إلى أن الجماعات المسلحة ترتكب تجاوزات واسعة بحق المهاجرين دون رادع، وتعطل مسار العدالة المحلي في ليبيا.
وقد ظهرت أدلة صادمة على حجم التجاوزات عام 2025، بينها اكتشاف مقابر جماعية في ليبيا ضمّت رفات عشرات المهاجرين، بعضهم قضوا رميًا بالرصاص، ما دفع دولا غربية للمطالبة بتحقيقات شفافة ومحاسبة المسؤولين.
ويبيّن ملف المصريين المحتجزين في ليبيا أن القضية تتجاوز إجراءات الإفراج والترحيل إلى منظومة أوسع تغذيها الهجرة غير النظامية وشبكات التهريب وضعف مؤسسات إنفاذ القانون في بيئة ليبية منقسمة.
وعلى الرغم من نجاح التحركات الدبلوماسية المصرية بإعادة أعداد كبيرة خلال 2025، فإن استمرار تدفق الشباب عبر المسار الليبي يعني أن “قوائم المحتجزين” مرشحة للتجدد ما لم تُعالج الأسباب على طرفي الطريق.
وذلك بدءا من تفكيك شبكات السمسرة والاتجار بالبشر وتحسين قنوات السفر والعمل الآمنة، إلى جانب سياسات داخلية تخفف دوافع الهجرة في القرى الأكثر تصديرًا للشباب.