أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن ترحيبه بمؤتمر الحوار الشامل الذي دعت السعودية إلى انعقاده، وذلك استجابة لطلب رسمي تقدم به رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، بهدف استضافة حوار جامع لمعالجة أزمة “القضية الجنوبية” بمشاركة مختلف المكونات والقوى الجنوبية.
ويأتي هذا الموقف بعد ساعات قليلة فقط من إعلان رئيس المجلس الانتقالي، عيدروس الزبيدي، إحياء مشروع انفصال الجنوب، من خلال ما سماه “الإعلان الدستوري” الصادر في الثاني من يناير/كانون الثاني الجاري، والذي يتضمن ترتيبات لمرحلة انتقالية تنتهي بإجراء استفتاء شعبي حول قيام دولة جنوبية مستقلة.
ويتزامن هذا التحول السياسي في خطاب الانتقالي مع تطورات ميدانية لافتة، تكبدت خلالها قوات المجلس، المدعومة إماراتيًا، خسائر كبيرة أفقدتها عددًا من المكاسب والانتصارات التي كانت قد حققتها خلال شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي.
وأثارت هذه التطورات المتسارعة والمتناقضة تساؤلات واسعة حول أسباب انتقال المجلس الانتقالي الجنوبي من خطاب متشدد يقوم على المضي في مسار الانفصال، إلى القبول بالحوار برعاية سعودية، رغم اتهام المجلس سابقًا للمملكة بشن “عدوان” على أبناء الجنوب.
سياق مهم لتفكيك المشهد
في محاولة استيعاب الإيقاع المتسارع للتطورات الجارية في الجنوب اليمني، تبرز مجموعة من المؤشرات التي قد تسهم في تفسير دوافع التحول المفاجئ في موقف المجلس الانتقالي الجنوبي، وتلقي الضوء على خلفياته السياسية والعسكرية، من أبرزها:
–الانتكاسات الميدانية: تعرضت قوات المجلس الانتقالي لسلسلة من الخسائر العسكرية في محافظات حضرموت والمهرة وشبوة، مع تصاعد احتمالات تكرار المشهد ذاته في جزيرة سقطرى، في ظل الدعم السعودي المكثف لقوات “دِرع الوطن” والقوات الحكومية اليمنية.
وقد أسفرت هذه التطورات عن تقليص نفوذ المجلس وإعادته عمليًا إلى نقطة البداية، مقتصرًا حضوره على مدن عدن وأبين ولحج والضال، التي لم تعد هي الأخرى بمنأى عن احتمالات فقدان السيطرة عليها، إذا ما سارت الأمور بنفس الوتيرة.
– أعلنت السلطات المحلية في حضرموت استعادة السيطرة الكاملة على المحافظة ومحافظة المهرة، بعدما نفذت قوات "درع الوطن" الحكومية عملية انتشار ميدانية أنهت وجود قوات المجلس الانتقالي الجنوبي في المنطقتين.
– أكد محافظ حضرموت سالم الخنبشي أن العملية جرت عقب مواجهات محدودة وانسحاب عناصر… pic.twitter.com/OFo14IFE6N
— نون بوست (@NoonPost) January 5, 2026
-التحول في الموقف الإماراتي: جاء الانسحاب الإماراتي السريع وغير المتوقع من الساحة اليمنية، على الأقل على المستوى العسكري، استجابة لمطالب مجلس القيادة الرئاسي والمناشدات السعودية، ليشكل ضربة سياسية مباشرة لرئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي.
وانعكس هذا الانسحاب بطبيعة الحال على شرعية وقدرة المجلس على الاستمرار في تحركاته العسكرية، وأضعف الغطاء الذي كان يوفره له الحضور الإماراتي على مدار العامين الماضيين تحديدًا.
-الموقف الإقليمي الداعم لوحدة اليمن: تزايد الدعم الإقليمي والعربي لوحدة الأراضي اليمنية ورفض مشاريع التقسيم، وهو ما أسفر عن تآكل الغطاء السياسي لتحركات المجلس الانتقالي، إضافة لما يعكسه هذا التوجه من اصطفاف واضح خلف الرؤية السعودية في إدارة الملف اليمني، في مقابل تراجع الرؤية الإماراتية ومشروع المجلس الجنوبي المرتبط بها.
ترحيب مبكر بالحوار
عقب دعوة الخارجية السعودية جميع المكونات الجنوبية إلى المشاركة الفاعلة في المؤتمر الذي تعتزم الرياض رعايته قريبًا، بهدف بلورة رؤية شاملة لحلول عادلة للقضية الجنوبية، بادرت عدة أطراف ومكونات محسوبة على المجلس الانتقالي الجنوبي إلى إعلان ترحيبها بهذه الدعوة.
وأشارت الرياض، عبر قنواتها الإعلامية، إلى أنها شرعت بالفعل في التواصل مع طيف واسع من المكونات والجهات الجنوبية، إلى جانب شخصيات سياسية واجتماعية مؤثرة، بما يعكس “تنوع الجنوب وتعدديته”، ويحول دون الإقصاء أو التهميش.
ويأتي ذلك انسجامًا مع رسالة رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، التي شدد فيها على أن معالجة القضية الجنوبية لا يمكن أن تكون حكرًا على طرف أو مكوّن بعينه، ولا يجوز اختزالها في إجراءات أحادية الجانب.
وفي هذا السياق، سارع محافظ شبوة، عوض بن الوزير، الذي كان قد أبدى سابقًا تأييدًا لتحركات المجلس الانتقالي ومسار الانفصال، إلى الترحيب بالمبادرة السعودية دون انتظار الموقف الرسمي للمجلس، كما عبّرت السلطة المحلية في سقطرى، ممثلة بالمحافظ رأفت الثقلي، عن موقف مماثل في بيان نشره على صفحته الرسمية في فيسبوك، مثمنًا المبادرة السعودية بوصفها جزءًا من الجهود الإقليمية الداعمة لمسارات الحوار السياسي، رغم تأكيده في الوقت ذاته استمرار اصطفافه إلى جانب المجلس الانتقالي ورئيسه عيدروس الزبيدي.
ويعكس هذا التفاعل الفردي من قبل مكونات وشخصيات جنوبية مع الدعوة السعودية مؤشرات على حالة من التآكل الداخلي التي بات يعانيها المجلس الانتقالي، سواء على مستوى النفوذ أو القدرة على ضبط المواقف السياسية لمحيطه. وهو ما يثير مخاوف متزايدة في الشارع الجنوبي من احتمال تفكك بنية المجلس، بعد سنوات من البناء السياسي والتعبئة الشعبية.
قراءتان متناقضتان
تتباين القراءات السياسية إزاء استجابة المجلس الانتقالي الجنوبي لدعوة الرياض للحوار، والتي جاءت بعد نحو أربعٍ وعشرين ساعة فقط من الخسائر الميدانية التي مُني بها، وما رافقها من انسحاب حليفه الإماراتي من المشهد، وانصياعه للمطالب السعودية.
وفي هذا السياق، يحرص كل طرف من أطراف النزاع على تبني قراءة تخدم سرديته السياسية وتبرر هذا التحول السريع في موقف المجلس:
-القراءة الأولى: ترى أن الترحيب بالحوار يمثل استجابة اضطرارية لوقائع الميدان، في ظل الانتكاسات العسكرية التي تكبدها المجلس بخسارته عددًا من المدن التي كان يسيطر عليها، فضلًا عن التراجع السياسي المتمثل في خروج الإمارات من المعادلة.
ويذهب أنصار هذا التفسير إلى أن المجلس لم يكن ليقبل بالدعوة السعودية لولا بلوغ الوضع الميداني هذا المستوى من التراجع، معتبرين أن القبول بالحوار جاء تحت وطأة الأمر الواقع، حفاظًا على ما تبقى من نفوذه ومكاسبه، وضمانًا لبقائه طرفًا فاعلًا في ترتيبات المرحلة المقبلة.
-القراءة الثانية: تعتبر أن ما جرى يشكل مكسبًا سياسيًا للمجلس الانتقالي، إذ أعاد القضية الجنوبية إلى واجهة الاهتمام الإقليمي والدولي بعد سنوات من التهميش، ويستند أنصار هذا الطرح إلى تصريحات عدد من قيادات المجلس، من بينهم رئيس الهيئة السياسية، أنيس الشرفي، الذي رأى أن تطورات شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي مثلت “تحولًا سياسيًا مهمًا أنهى سياسة تجاهل وتأجيل قضية شعب الجنوب”.
ووفق هذا التصور، فإن الإعلان الدستوري الصادر عن المجلس، وما أعقبه من تحرك سعودي لرعاية حوار جنوبي، أسهما في وضع القضية الجنوبية في صدارة أولويات مساعي السلام، وفك ارتباط حلها بأزمات الشمال، فضلًا عن تحقيق مكاسب وُصفت بالاستراتيجية، من أبرزها إخراج القوات الشمالية من وادي وصحراء حضرموت والمهرة، وترسيخ مبدأ خلو أراضي الجنوب من أي وجود عسكري شمالي.
ورسخ بيان المجلس الخاص بالترحيب بالدعوة تلك القراءة المغايرة، إذ أعلن قبوله لهذا الحوار باعتباره أداة لتعزيز قضية شعب الجنوب، لا التفريط بها، مؤكداً أن الجنوب لن يُفرض عليه إلا ما يختاره أبناؤه، مشددً في الوقت ذاته على أن أي حوار جاد يجب أن يقوم على الاعتراف بإرادة شعب الجنوب، وبسقف واضح، وإطار زمني محدد، وضمانات إقليمية ودولية كاملة، وينتهي باستفتاء شعبي حر لشعب الجنوب
برغماتية محسوبة.. بين الاستسلام والمناورة
يرى فريق من المراقبين أن التحول المفاجئ في موقف المجلس الانتقالي الجنوبي، من التصعيد الأحادي في ملف الانفصال، مرورًا بسلسلة الخسائر الميدانية، وصولًا إلى القبول بالحوار مع الخصم المؤثر على الأرض (السعودية)، يعكس قدرًا من البراغماتية السياسية لدى قيادة المجلس.
فبحسب هذا الطرح، يدرك الزبيدي وقيادة الانتقالي أن ساحة المواجهة لم تعد عسكرية بعد الهزائم المتتالية، بل سياسية بالدرجة الأولى، وأن الدخول في مواجهة مفتوحة مع السعودية والفصائل الجنوبية المدعومة منها ينطوي على مخاطر جسيمة قد تفرض كلفة لا يملك المجلس القدرة على تحملها في هذه المرحلة.
وانطلاقًا من هذا المنظور البراغماتي، فضّل الانتقالي تقليص حجم الخسائر والقبول بالمبادرة السعودية للحوار، في محاولة للحفاظ على ما تبقى من مكاسبه، وضمان استمراره فاعلًا في المشهد السياسي، لا سيما بعدما أعاد القضية الجنوبية إلى دائرة النقاش الإقليمي والدولي وهو ما يراه مكسبًا يستحق الحفاظ عليه.
في المقابل، يذهب رأي آخر إلى أن هذا التحول لا يعكس بالضرورة تراجعًا أو قناعة جديدة، بقدر ما يمثل تكتيكًا سياسيًا ومناورة محسوبة يتعامل معها الزبيدي بواقعية صارمة، فوفق هذا التصور، يسعى رئيس المجلس إلى تجنب الصدام المباشر في توقيت غير مواتٍ، والحصول على هامش زمني يتيح له التقاط الأنفاس، ولو بشكل مؤقت.
وبناءً على هذه القراءة، فإن القبول بالحوار برعاية سعودية يُنظر إليه كأداة لامتصاص التوتر السعودي الناتج عن تحركات الانتقالي الأخيرة في حضرموت وشبوة، واحتواء تداعيات الانسحاب الإماراتي المفاجئ من المشهد، فضلًا عن كسب الوقت لإعادة تقييم موازين القوى، مع الحفاظ على الحاضنة الشعبية للمجلس وبالزخم ذاته، تفاديًا لانفراط عقدها في حال الانخراط في مواجهة غير محسوبة العواقب.
بعد التراجع الميداني والعسكري أمام القوات الحكومية و"درع الوطن"، يبدو الإعلان الدستوري للانتقالي الجنوبي مجرد مناورة يستخدم فيها الانفصال كأداة تفاوضية. pic.twitter.com/YkNICw2i0j
— نون بوست (@NoonPost) January 4, 2026
في المحصلة، يدرك الانتقالي حجم النفوذ الذي يمتلكه، وما يستند إليه من حاضنة شعبية لها وزنها، وهو إدراك لا يغيب بدوره عن الطرف المقابل، الأمر الذي يدفعه إلى التحدث من موقع قوة، غير أن هذا الوعي ذاته يتقاطع مع قناعة راسخة بأن الواقع الراهن يختلف جذريًا عمّا كان عليه قبل نحو شهر، بما يفرض على المجلس خيارات محدودة، ويقيده بهامش مناورة أضيق مما اعتاد عليه.
وانطلاقًا من ذلك، فإن الاستمرار في نهج التصعيد، القائم على المضي في مسار الانفصال الأحادي واستعداء السعودية وبقية المكونات الجنوبية، ولا سيما بعد التحولات العسكرية الأخيرة، قد يفضي إلى خسارة مجمل المكاسب التي راكمها المجلس خلال الأشهر الماضية.
وعلى الجانب الأخر لا يبدو لقادة المجلس أن الخروج من هذا الحوار- أو أي حوارات أخرى- بسقف المطالب الواردة في “الإعلان الدستوري” وترتيبات المرحلة الانتقالية يمثل خيارًا واقعيًا في ظل موازين القوى الحالية.
وعليه، يبرز خيار التعاطي الإيجابي مع المؤتمر المرتقب، رغم عدم اكتمال ملامحه بعد، بوصفه المسار الأقرب إلى الواقعية السياسية، بما في ذلك القبول بمخرجاته، حتى وإن تخللت مساراته سجالات حادة ومعارك تفاوضية جانبية، يسعى المجلس من خلالها إلى الحفاظ على أكبر قدر ممكن من مكتسباته وحضوره السياسي.
