تعدّ دير الزور من أبرز المناطق التي شكلت نقطة جذب استراتيجية لإيران منذ بداية تدخلها العسكري في سوريا، ويعود ذلك إلى أن هذه المحافظة الواقعة شرقي البلاد تمثل عقدة جغرافية تربط الحدود العراقية بالسورية بالأردنية، وتمثل مفتاح الطريق إلى لبنان عبر جبال القلمون الشرقي، ما يجعل منها معبراً برياً حيوياً بين بغداد ودمشق، وركيزة أساسية في المشروع الإيراني الممتد من طهران إلى بيروت.
عبر هذا الممر، سعت إيران لتحقيق هدفين متلازمين:
- توسيع نفوذها الإقليمي
- ترسيخ حضورها اللوجستي والعقائدي في صميم المجتمع السوري، وخاصة ضمن بيئة محافظة تطل على الحدود مع العراق الغني بشبكاتها الميليشيوية
من الناحية الجغرافية، مثّلت البادية الوسطى دليلاً واضحاً على البعد الاقتصادي للمشروع الإيراني؛ فهي الطريق الأهم لوصل شرق الفرات بالحدود العراقية، وتشكل ممراً واعداً لمشاريع الغاز والنفط التي حاولت طهران إشراكها ضمن رؤيتها الاقتصادية الإقليمية. كانت إيران تخطط – في حال إحكام سيطرتها – لمدّ خطوط النفط عبر هذه المنطقة، وربطها بمرافئ المتوسط، تماماً كما فعلت في العراق ولبنان بدرجات متفاوتة. لكنّ هذا الطموح اصطدم بواقع اجتماعي وديني صلب أثبت لاحقاً أنه غير قابل للاختراق.

بوابة النفوذ الإيراني في دير الزور
كان التواجد الإيراني في دير الزور أساسيا منذ اليوم الأول لدخول إيران إلى سوريا عسكريًا، حتى أحكمت الميليشيات المدعومة إيرانيًا سيطرتها على دير الزور عام 2019. بعد السيطرة اتبعت طهران نموذجًا مزدوجًا من الترغيب والترهيب حيث عملت على تأمين موارد إغاثية ومساعدات غذائية في المناطق المتأثرة بالحرب، مستثمرة حاجة السكان بسبب انهيار البنية الاقتصادية بعد سنوات من الحصار والقصف.
وفي الوقت نفسه، عملت على ترسيخ وجودها العقائدي من خلال المراكز الثقافية المرتبطة بمدينة قم، وافتتاح حسينيات وحوزات موجهة للشباب، إلى جانب بعثات دينية تهدف إلى كسب المتعاطفين مع المذهب الشيعي.
حاولت إيران كذلك إعادة تعريف المشهد الرمزي والديني في المحافظة عبر تشييد مقامات شيعية ومزارات، بغية تثبيت معالم هوية مغايرة للبنية السنية الغالبة في المنطقة. وبالتوازي، عملت على تجنيد أبناء عشائر محلية في صفوف الميليشيات التابعة لها مثل “لواء فاطميون” و”زينبيون” وبعض الفصائل العراقية، عارضة عليهم امتيازات مادية ورواتب أعلى من تلك التي يتقاضاها المقاتلون في جيش النظام أو الفصائل الرديفة له.
ومع الوقت، بدا المشروع الإيراني كأنه يسعى إلى خلق ما يشبه نموذج الضاحية الجنوبية في لبنان: قاعدة اجتماعية حليفة ثابتة حتى بعد الانسحاب العسكري المباشر إذ كان في حسابات القيادة الإيرانية أنها قد تنسحب عسكرياً لذلك عملت على إيجاد بؤرة اجتماعية داعمة لها.
لماذا فشلت إيران في دير الزور؟
بعد عام كامل على تحرير البلاد من نظام الأسد وخروج إيران من سوريا عموما ومن دير الزور بشكل خاص ورغم الجهود المكثفة التي عملت عليها خلال السنوات السابقة، إلا أن طهران عجزت عن ترك إرث مستدام في المحافظة وريفها. وفور انسحاب ميليشياتها، اختفى أثرها السياسي والاجتماعي بشكل شبه كامل، إذ لا وجود لأي أثر سواءً كان ثقافيا أو دينيا أو حتى عسكريا وكأنها لم تتواجد قط في المنطقة.
تعود هذه النتيجة إلى مجموعة من العوامل العميقة المتشابكة أبرزها:
الهوية الدينية المتجذرة في البنية الاجتماعية للمنطقة: طبيعة التدين السني في دير الزور تمثل خط دفاع أساسي ضد أي اختراق مذهبي. فالمجتمع المحلي، المتسم بانتمائه للعقيدة السنية التقليدية غير المتشددة بصورة كبيرة، تعامل مع النشاط التبشيري الإيراني بوصفه تهديدا وجودياً لا عقدياً فحسب، ورد عليه بالعزلة الاجتماعية ورفض الاندماج في مؤسسات إيران الثقافية. هذا الوعي الديني، الممتد عبر القرون، جعل أي محاولة لتشييع البيئة المحلية محكومة بالفشل منذ بدايتها.
التركيبة العشائرية المحكمة التي تمتاز بها المحافظة: المجتمع في دير الزور يقوم على أصالة البنية العشائرية التي تضمن تماسكا اجتماعيا قويا، حيث يعرف الأفراد بعضهم بعضاً وتترسخ الثقة داخل كل عشيرة. هذا النظام الاجتماعي استحال اختراقه بالمال أو بالمغريات الفردية، لأن الانتماء العشائري يعلو على الولاء الخارجي، ولأن مشاريع إيران اعتمدت على التجنيد الفردي والمصالح المادية، وليس على التحالفات التقليدية مع شيوخ العشائر كما حاولت لاحقاً دون نجاح يذكر.
ثالثاً الموقف من نظام الأسد: دير الزور كانت من أكثر المحافظات دماراً بسبب سياسات النظام السوري وحملاته العسكرية، وهو النظام ذاته الذي ارتبط عضوياً بإيران. لذا، كان من الصعب على الأهالي أن يميزوا بين النظام وحليفه الإيراني الذي شاركه في العمليات العسكرية. بالنسبة لهم، كان الإيرانيون شركاء في تدمير مدينتهم وقتل أبنائهم، فترسخت في الذاكرة الجمعية لأبناء المحافظة صورة سلبية عن وجودهم.
الموروث العراقي في الذاكرة الشعبية: تمتلك دير الزور روابط تاريخية واجتماعية قوية مع العراق، خاصة المحافظات الغربية كنينوى والأنبار. وخلال الحرب العراقية الإيرانية، كان التعاطف الشعبي في دير الزور مع العراق واضحاً، ونُظر إلى إيران آنذاك كخصم. بقي هذا الشعور راسخاً بعد عقود، ما جعل أي مشروع إيراني يعيد استحضار صور الماضي العدائي. هذا الرفض النفسي العميق جعل محاولات التغيير الثقافي سطحيّة ومرفوضة وكان ينظر إليها في سياق هيمنة العنصر ( الفارسي) على العربي ومحاولة محوه.
الممارسات السلبية للميليشيات: سجل أبناء المنطقة العديد من الانتهاكات التي نفذها مقاتلون محليون وأجانب منضوون في الميليشيات الإيرانية، مثل الاعتداء على الممتلكات، فرض الإتاوات، أو التعامل الفوقي مع السكان. دفعت هذه السلوكيات الأهالي إلى مقاومة وجودهم الاجتماعي، وتحذير أبنائهم من التعامل مع الإيرانيين أو الالتحاق بفصائلهم.
غياب المشروع المدني البديل: إيران اعتمدت سياسة التغلغل الأمني والعقائدي دون تطوير مشاريع خدمية حقيقية قادرة على تحسين حياة السكان بشكل ملموس. في المقابل، كانت هناك جهات محلية أو عربية أخرى قدمت دعماً إنسانياً أو تعليمياً، ما جعلها أكثر قبولاً لدى الناس لاحقاً حيث شهدت المحافظة نزوحاً جماعياً تاليا للنزوح الأول الذي كان بسبب نظام الاسد والثاني بسبب تنظيم داعش، شهدت دير الزور نزوحا آخر بسبب المليشيات الإيرانية. فالمعونات المحدودة والمشروطة بالولاء لم تخلق تعاطفاً طويل الأمد، بل أظهرت إيران كجهة تستغل الحاجة لا كشريك في إعادة الإعمار.
انهيار النفوذ بعد الانسحاب: عندما انسحبت القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها من دير الزور عقب سقوط النظام وضعف الغطاء السياسي والعسكري، لم تجد في المنطقة أي قاعدة تدافع عنها أو تحافظ على إرثها. لم يقم الأهالي بأي مبادرة لحماية المراقد التي أنشأتها طهران أو استمرار أنشطتها الدينية، على العكس تماما أزيلت معظم مظاهرها بسرعة.
كثير من المنتسبين السابقين للميليشيات تخلوا عن انتمائهم فور توقف التمويل، ما يؤكد أنّ الولاء كان اقتصادياً لا أيديولوجياً.
الواقع الجديد في المحافظة أعاد إنتاج الهويات المحلية والعشائرية والروابط العابرة للحدود مع العراق من منظور قومي – اجتماعي، بعيداً عن التصنيفات الطائفية التي حاولت إيران فرضها. عادت المساجد السنية للعب دورها في الحياة الاجتماعية، وعادت المجالس العشائرية للتوسط في النزاعات المحلية، في حين غابت تماماً أي رموز ثقافية أو دينية مرتبطة بالمشروع الإيراني. بذلك، أثبتت دير الزور أن الحضور الإيراني لم يكن متجذراً، بل سطحياً مرتبطاً بوجود عسكري مؤقت.
قراءة في الفشل الإيراني
فشل إيران في دير الزور يحمل دلالات أوسع من الإطار المحلي. فهو يعكس محدودية نموذج النفوذ الإيراني الذي يعتمد على استنساخ تجربة “حزب الله” في بيئات تختلف جذرياً عن لبنان طائفياً واجتماعياً.
ففي لبنان، وجدت إيران بيئة شيعية جاهزة ومهمشة اقتصادياً تستطيع من خلالها بناء كيان سياسي – عسكري طويل الأمد. أما في دير الزور، فواجهت مجتمعاً متماسكاً سنياً، قبلي البنية، ولديه ذاكرة عدائية تجاه طهران.
إضافة إلى ذلك، يعكس هذا فشل الرهان الإيراني على العامل الاقتصادي والعقائدي وحده دون وجود بعد سياسي محلي حقيقي، فالمجتمع في دير الزور لم يكن يبحث عن هوية جديدة أو راعٍ سياسي بديل، بل عن الأمن والعدالة والخدمات، وفي غياب ذلك، بقي المشروع الإيراني بالنسبة لأبناء المحافظة مشروعاً خارجياً قسرياً، لا ينسجم مع حاجاتهم أوانتماءاتهم.
وبالتالي يمكن القول إن التجربة الإيرانية في دير الزور كانت اختباراً حاسماً لمدى قدرة طهران على توطين نفوذها الاجتماعي والاقتصادي خارج الدوائر الشيعية التقليدية.
ومع انسحابها، انهارت كل المعالم التي حاولت تركها خلفها، سواء مراكزها الثقافية أو مقاماتها الدينية أو شبكاتها اللوجستية. فالمجتمع الديري أعاد رفضها بالدرجة نفسها التي رفض بها وجود النظام من قبل.
يتجاوز هذا الفشل حدود الجغرافيا السورية، إذ يشير إلى عجز إيران عن تأسيس نفوذ مجتمعي دائم في البيئات السنية العربية مهما بلغ حجم تدخلها العسكري أو الدعائي. فالقوة الناعمة الإيرانية بقيت محدودة ومرفوضة، لأنها حاولت فرض هوية دخيلة على بيئة تعرف نفسها من خلال الانتماء الديني والعشائري والوطني. هكذا تلاشى المشروع الإيراني في شرق سوريا كما بدأ: حضور عسكري مؤقت بلا جذور، ترك خلفه فراغاً ملأته الهويات المحلية التي استعادت زمام المبادرة من جديد.