تحمل التطورات الأخيرة في فنزويلا، تداعيات معقدة على الدول العربية المنتجة للنفط، بعد تعهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض إدارة أمريكية “مؤقتة” كغطاء سياسي للسيطرة على بلد غني بالنفط.
وشهدت فنزويلا تطورًا مفاجئًا مع بداية عام 2026، حيث نفّذت الولايات المتحدة عدوانا عسكريا اختطف خلاله الرئيس نيكولاس مادورو وتم نقله إلى نيويورك، فيما سوّق ترامب العملية على أنها تستهدف “إصلاح قطاع النفط” و”إعادة الإنتاج لمستوياته السابقة”.
وفنزويلا عضو مؤسس في منظمة الدول المنتجة للنفط “أوبك” وشريك للدول العربية في أسواق الطاقة، مما يعني أن أي تغيير في وضعها النفطي ستكون له أصداء ملحوظة في الشرق الأوسط والأسواق العالمية.
احتياطيات هائلة وإنتاج متعثر
- تمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، إذ تقدَّر بحوالي 303 مليار برميل (حوالي 17% من الاحتياطيات العالمية) متفوقةً حتى على السعودية. ورغم هذا الكنز النفطي الضخم، يعاني الإنتاج الفنزويلي من تراجع حاد منذ سنوات.
- تراجع إنتاج فنزويلا من النفط تدريجيًا خلال العقود التالية بعدما بلغ ذروته تاريخيًا عند نحو 3.5 مليون برميل يوميًا في سبعينيات القرن الماضي (شكل آنذاك أكثر من 7% من الإنتاج العالمي).
- في السنوات الأخيرة، هبط الإنتاج تحت حاجز مليوني برميل يوميًا خلال عقد 2010، وبلغ متوسطه نحو 1.1 مليون برميل يوميًا في العام 2025، أي ما يقارب 1% فقط من الإنتاج العالمي.
- تشير التقديرات الحالية إلى أن فنزويلا لا تضخ سوى حوالي 800 ألف برميل يوميًا في الوقت الراهن، وهو مستوى متدنٍ جدًا بالنظر إلى قدراتها واحتياطياتها.
- يعود ذلك إلى مزيج من سوء الإدارة والعقوبات الأمريكية/الغربية المشددة التي خنقت قطاع النفط الفنزويلي على مدار السنوات الماضية.
- كما انكمشت صادرات النفط الفنزويلية إلى نطاق ضيق، يتجه أكثر من 80% منها إلى الصين عبر شبكة تهريب نفطي بسبب الحصار الأمريكي، مما جعل إيرادات فنزويلا النفطية محدودة مقارنة بحجم احتياطياتها.

خطط أمريكية لاستغلال النفط
بعد عملية الاختطاف، أعلن ترامب نيته إدخال كبرى شركات النفط الأمريكية للاستثمار في فنزويلا وإنفاق المليارات لإعادة تشغيل القطاع بما يخدم المصالح الأمريكية ويعيد توجيه العائدات، في تصريحات عززت الاتهامات القديمة بأن الدافع الحقيقي للعدوان الأمريكي هو النفط الفنزويلي.
ولكن بالرغم من الخطاب المتفائل، يؤكد خبراء الطاقة أن انتشال قطاع النفط الفنزويلي من عثرته سيكون مهمة شاقة تستغرق وقتًا طويلاً وتتطلب استثمارات هائلة.
فقد حذر محللو مؤسسة جولدمان ساكس من أن أي تعافٍ في الإنتاج سيكون تدريجيًا وبحاجة إلى رؤوس أموال ضخمة لإعادة تشغيل الآبار والمصافي وصيانة الحقول التي أهملتها سنوات من نقص الاستثمار.
وتشكو فنزويلا من بنية تحتية متقادمة؛ فالعديد من الآبار المعطلة تحتاج إلى عمليات إعادة حفر أو صيانة شاملة وليس مجرد إعادة تشغيل بسيطة، كما أن منشآت التخزين ومعامل الخلط والترقية تعمل بأقل بكثير من طاقتها بسبب الإهمال والحظر المفروض على المواد الضرورية كالمخففات.
لكن، تشير توقعات JPMorgan إلى أنه في حال فرضت ترتيبات انتقال سياسي في كاراكاس وخففت العقوبات، قد يرتفع إنتاج فنزويلا إلى نحو 1.3–1.4 مليون برميل يوميًا خلال عامين، وربما يصل إلى 2.5 مليون برميل خلال عقد من الزمن.
بينما يرى خبراء آخرون أن تحقيق 2.5 مليون برميل/يوم قد يتم خلال 3–5 سنوات إذا رُفعت العقوبات واستُجلبت استثمارات أجنبية سريعًا، وإن كان هذا السيناريو متفائل جدًا ويتوقف على مدى الاستقرار السياسي وقدرة الإدارة الجديدة على جذب الشركات واستعادة الثقة.
الأسعار وحصص أوبك+
أحدثت أنباء الإطاحة بمادورو تقلبات آنية في أسواق النفط العالمية مطلع الأسبوع، ولكن اللافت أن الأسعار لم ترتفع بل انخفضت بشكل طفيف.
فقد هبط خام برنت القياسي دون مستوى 61 دولارًا للبرميل في 5 يناير/كانون الثاني 2026، معوّضًا مكاسب سابقة. ويعزى هذا التراجع إلى قناعة السوق بأن الإمدادات العالمية كافية في الوقت الراهن، وأن اضطراب صادرات فنزويلا مؤقت التأثير.
بالتوازي، اجتمع تحالف أوبك+ (الذي يضم فنزويلا وروسيا ودول الخليج) في جلسة طارئة غداة الأحداث، وقرر الإبقاء على مستويات الإنتاج دون تغيير في الربع الأول من 2026.
عكس القرار سعي أوبك+ لاحتواء الاضطراب وتفادي ذعر الأسواق، لا سيما وأن فنزويلا كانت تنتج فعليًا أقل من حصتها بكثير بسبب العقوبات، وبالتالي فإن فقدان نفطها المحدود مؤقتًا لم يكن ليُحدث عجزًا كبيرًا.
ويرى الخبراء أن أثر التطورات الفنزويلية على أسعار النفط سيكون محدودًا في المدى القصير. فحتى لو تعطلت الصادرات الفنزويلية لبضعة أسابيع نتيجة الفوضى السياسية، فإن المتوفر من المعروض العالمي وتعويضات دول أخرى كفيل بمنع قفزات سعرية كبيرة.
وأوضح محللو اتحاد بنوك سويسرا UBS أن أي انتعاش معتبر في إنتاج فنزويلا سيحتاج وقتًا طويلًا ولن يتحقق بشكل ملموس قبل أواخر هذا العقد.
مع ذلك، ينظر المستثمرون إلى المدى البعيد بتحسب: إذ قد يؤدي فرض واشنطن مسارًا يعيد توجيه النفط الفنزويلي وزيادة الإنتاج بمئات الآلاف من البراميل يوميًا خلال السنوات القادمة إلى زيادة الفائض العالمي من الخام.
وقدّر خبراء جولدمان ساكس أن بلوغ إنتاج فنزويلا حاجز 2 مليون برميل يوميًا مستقبلاً قد يُخفض أسعار النفط بحوالي 4 دولارات للبرميل عن مستوياتها المتوقعة لعام 2030.
قلق نفطي بالشرق الأوسط
قوبلت العملية الأمريكية في فنزويلا بحذر واهتمام بالغ في عواصم الدول العربية المنتجة للنفط التي تربطها بفنزويلا علاقات عبر منظمة أوبك. فعلى الصعيد العلني، تجنبت العديد من الحكومات الخليجية (مثل السعودية والإمارات) إصدار بيانات قوية، بسبب تحالفها مع واشنطن.
في المقابل، بادرت قطر إلى طرح نفسها كوسيط، وأعربت وزارة خارجيتها عن “قلق عميق من التطورات” ودعت إلى ضبط النفس وتغليب الحوار. هذا الموقف القطري ينسجم مع توجهها التقليدي للوساطة، ويعكس أيضًا مخاوف ضمنية من تداعيات زعزعة استقرار سوق النفط.
من جهة أخرى، أظهرت إيران معارضة شديدة للعدوان الأمريكي؛ فطهران كانت أقرب حليف لمادورو في الشرق الأوسط، ورأت في الإطاحة به خسارة لحليف استراتيجي وضربة لمعسكر مناهضة نفوذ واشنطن.
وعلى الصعيد النفطي، لدى إيران سبب إضافي للقلق، فهي مثل فنزويلا تواجه عقوبات غربية وتبيع نفطها بصعوبة للصين عبر قنوات غير رسمية، وبالتالي فإن عودة النفط الفنزويلي رسميًا وبقوة للسوق قد تزاحم الصادرات الإيرانية وتضعف موقف طهران التفاوضي.
أما السعودية، فبرغم أنها لم تكن حليفة لمادورو، إلا أنها تنظر بحذر إلى احتمال أن تؤدي هيمنة واشنطن على نفط فنزويلا إلى فائض معروض يُضعف الأسعار التي كافحت الرياض لرفعها عبر تخفيضات إنتاجية كبيرة مؤخراً.
وقد تجد المملكة نفسها مضطرة مستقبلاً لتخفيض إنتاج إضافي للمحافظة على توازن السوق إذا أغرقت الإمدادات الفنزويلية السوق، مما قد يُضعف صدارتها في قيادة أسعار النفط عالميًا.
كذلك هناك بُعد سياسي داخل أوبك لا يمكن إغفاله: فإذا أصبحت فنزويلا فعليًا تحت التأثير الأمريكي المباشر، فسيعني ذلك أن واشنطن اكتسبت نفوذًا داخل المنظمة لم يكن موجودًا من قبل مما يثير حساسية دول أوبك العربية حيال استقلالية قرارات المنظمة. وقد ظهر بعض التململ حين لم يشر بيان أوبك الرسمي بأي شكل لأزمة فنزويلا خلال اجتماعها الأخير، ربما لتفادي الانقسام.
ما التوقعات؟
في المدى القريب، لا تزال صناعة النفط الفنزويلية مكبلة بالوضع السياسي غير المستقر وباستمرار العقوبات الأمريكية. ويتوقع المحللون بقاء الإنتاج حول مستوياته الحالية (قرابة 900 ألف برميل يوميًا في 2026) دون قفزات كبيرة.
أسعار النفط بدورها من المرجح أن تبقى مستقرة نسبيًا ما دام المعروض العالمي وفيرًا ويغطي أي نقص مؤقت. لكن السيناريوهات على المدى المتوسط والبعيد تعتمد على مسار الأحداث: إذا فرضت الإدارة الأمريكية انتقال للسلطة في كاراكاس وتعاونت الحكومة الجديدة، فقد نشهد زيادة تدريجية في الإنتاج الفنزويلي بمئات آلاف البراميل خلال السنوات القليلة المقبلة.
حينها سيصبح على أوبك+ استيعاب تلك الزيادة ضمن منظومة ضبط الإنتاج، وربما تطلب الأمر اجتماعات متتالية لإعادة توزيع الحصص بهدف تفادي تخمة معروض تؤذي جميع المنتجين.
في هذا الإطار، يرجح محللو الطاقة أن تبقى تأثيرات فنزويلا تحت السيطرة طالما كانت الزيادات تدريجية ويمكن التنبؤ بها، أما إذا خرجت الأمور عن نطاق السيطرة فإن ذلك سيضفي مزيدًا من الغموض على السوق.
الدول العربية النفطية ستكون أمام تحدٍ في الموازنة بين مصالحها الاقتصادية وتحالفاتها السياسية حيال الملف الفنزويلي. فاستقرار فنزويلا وعودتها المنتظمة للإنتاج قد يكون سيفًا ذا حدين: يفيد الاقتصاد العالمي عبر خفض الأسعار قليلًا، لكنه يقلص من حصص الآخرين إن لم يتم التنسيق بشأنه.
بالتالي من المتوقع أن تسعى عواصم الخليج بالتعاون مع بقية أعضاء أوبك لإبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع أي إدارة جديدة في كاراكاس، بهدف دمج فنزويلا في منظومة التنسيق النفطي بدلاً من تركها عنصرًا مربِكًا للسوق.
في المحصلة، ما وراء احتياطيات فنزويلا الهائلة سؤال جوهري: هل ستتمكن واشنطن من تسخير النفط الفنزويلي لخدمة أجندتها دون إحداث صدمة معروض تربك الأسواق وتضغط على حصص المنتجين؟ الإجابة ستتبلور في الشهور والسنوات المقبلة، لكنها بلا شك ستُراقَب عن كثب في الشرق الأوسط كما في بقية أنحاء العالم.