ترجمة وتحرير: نون بوست
كان عدد من المراقبين المطلعين يعتقدون أن الرئيس دونالد ترامب لا يسعى إلى تغيير النظام في فنزويلا، لكنني لم أقتنع بذلك أبدًا. في البودكاست الخاص بموقعنا وفي المحادثات الخاصة مع الخبراء والمسؤولين السياسيين، كنت أتوقع أنه سيُقدم على هذه الخطوة. كما أنني كنت أعتقد أنها فكرة سيئة، وما زلت أعتقد ذلك.
بعد عملية أمريكية خاطفة لاعتقال الدكتاتور نيكولاس مادورو، تحت غطاء غارات جوية ليلية، أصبح الجواب واضحًا. في تصريحاته للعالم اليوم، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستتولى “إدارة” فنزويلا والإشراف على الانتقال السياسي. وردًا على سؤال أحد الصحفيين، قال: “لا نخشى إرسال قوات برية”.
مع ذلك، ليست صحة توقعاتي الأمر المثير أو المهم هنا. لقد أخطأت في توقعاتي بشأن بعض القرارات المهمة الأخرى التي اتخذها ترامب، وأعتقد أنني سأخطئ في المستقبل. التنبؤ في السياسة الخارجية هو عمل يعلّمك التواضع.
السؤال المثير للاهتمام حقًا هو: لماذا يخطئ الكثير من خبراء الأمن القومي في توقع قرارات ترامب؟ لا يتعلق بأمنيات حزبية أو توقعات خاطئة. كثير من الأشخاص الذين كانوا واثقين من أن ترامب لن يسعى إلى تغيير النظام في فنزويلا هم محللون أذكياء ومتمرّسون، يفهمون القوة العسكرية والسياسة الانتخابية والبيروقراطية وتاريخ السياسة الخارجية الأمريكية. ومع ذلك، كانوا مخطئين.
يمكنني أن أعدد خمسة أسباب جعلتهم يخطئون. ومن المهم أخذ هذه الأسباب بعين الاعتبار لفهم ما سيحدث لاحقاً.
السبب الأول: افتراض أن ترامب له عقيدة سياسية يمكن فهمها
توجد نزعة قوية لدى النخب السياسية والخبراء إلى تصنيف الرؤساء ضمن قوالب استراتيجية مألوفة. الناس في واشنطن يفضلون “العقائد” لأنها تجعل العالم قابلاً للفهم، وتوفر نماذج يمكن من خلالها بناء التوقعات: الواقعيون يتجنبون تغيير الأنظمة، و”الجاكسونيون” يردّون بقوة لكنهم ينسحبون، والانطوائيون لا يقبلون التزامات جديدة.
غير أن المشكلة تكمن في أن ترامب لا يندرج فعليًا ضمن أي من هذه القوالب، ومع ذلك رأينا من يصفه بالواقعي أو الجاكسوني أو الانعزالي، حتى في الآونة الأخيرة.
قد يكون ترامب محاطًا بأشخاص لديهم عقائد وأيديولوجيات، لكنني أكدتُ منذ عام 2016 أن ترامب لا يملك عقيدة في ما يتعلق بالسياسة الخارجية. آراؤه ليست منظمة في شكل نظرية متماسكة للعلاقات الدولية، ولا تضبطها افتراضات ثابتة حول القوة أو المصالح أو ضبط النفس.
لهذا من الصعب للغاية فهمه، خاصة إذا كانت لديك قناعات مسبقة قوية، أو كنت تعتقد أن قناعات ترامب المسبقة قد تُفصح عن سلوكه المستقبلي بشكل موثوق. غياب العقيدة لا يؤدي بالضرورة إلى ضبط النفس، بل يمكن أن يفتح المجال أمام إجراءات مفاجئة وعالية التأثير، تحديدًا لأنه لا يوجد إطار داخلي متماسك يقول له: “أمثالنا لا يفعلون مثل هذه الأمور”.
السبب الثاني: خدعة أم التزام؟ ربما كلاهما
يتعامل الناس مع تصريحات الرئيس العلنية، التي غالبًا ما تكون مثيرة، على أنها إما خدعة أو التزام، في حين أنها قد تكون الاثنين معًا. من الصعب التمييز بين اللحظة التي يستخدم فيها ترامب عباراته بشكل مقصود، وبين اللحظة التي يتحدث فيها بعفوية أو دون انتباه.
لكنه عندما يقصد ما يقول، فإنه غالبًا ما يوظف التصريحات العلنية كأدوات لا كإشارات. قد تكون التصريحات استعراضية، قسرية، استكشافية، ومبرِّرة للذات في آن واحد. قد يُطلق تهديدا دون أن يستند إلى خطة مكتملة، لكن ذلك لا يعني أن التهديد لن يُنفَّذ. قد يظل معلقًا دون تنفيذ إلى أن تتهيأ الظروف، أو إلى أن تعرض إحدى الدوائر البيروقراطية خياراً قابلاً للتنفيذ، أو إلى أن يقرر ترامب نفسه أن المضي قدماً يخدم احتياجاته السياسية أو النفسية.
في الحالة الفنزويلية، افترض كثيرون أن ترامب لم يكن جادّا وأن الضربات الموجهة ضد قوارب تهريب المخدرات كانت مجرد استعراض للقوة. لكن هذا الرئيس كثيراً ما سمح للأفكار بأن تتخمر علناً قبل أن يُقدم على تنفيذها فجأة. النظر إلى تصريحات ترامب على أنها إما بلا معنى أو التزامات فعلية يفوّت فرصة فهمها كجزء من مسار طويل وغير خطي.
السبب الثالث: لعبة التحالفات
يقلّل عدد من المراقبين من شأن الصراع الداخلي على النفوذ داخل الإدارة الحالية، وكيف يربك ذلك قراراتها. كانت فنزويلا حالة مثيرة للاهتمام في هذا السياق. افتراضي هنا أن فنزويلا شكّلت متنفسًا للتيار المتشدد، وخاصة وزير الخارجية ماركو روبيو، إلى جانب أطراف أخرى. لم تكن هناك رغبة مستدامة في مواجهة روسيا أو الصين، ولم تتوفر مساحة واسعة للمناورة على تلك الجبهات من دون مخاطر تصعيد كبيرة. أما إيران وفنزويلا فقد وفرتا الفرصة لممارسة سياسة خارجية متشددة.
افترض المحللون الذين لاحظوا حذر إدارة ترامب إزاء الصراعات الكبرى، أن هذا الحذر سينسحب على جميع الجبهات. لكن ترامب قد يكون متحفظا في جزء من العالم، وعدوانيًا في جزء آخر، وذلك بحسب من يؤثر عليه أكثر في كل منطقة من العالم.
السبب الرابع: المبالغة في تقدير “حذر” ترامب
عند الحديث عن حذر ترامب، أعطى الكثيرون أهمية كبيرة لتصريحات الرئيس وسلوكه خلال ولايته الأولى التي أظهرت نفورا من الالتزامات العسكرية. أشار كثيرون إلى تردده في بدء حروب جديدة، وانزعاجه من الانتشار العسكري طويل الأمد، وشكّه الغريزي في جدوى التدخلات واسعة النطاق. ومن هذا المنظور، بدا تغيير النظام في فنزويلا متناقضًا مع ما “نعرفه” عن ترامب.
لكن دوافع ترامب تتغير، وكذلك يتغير مستشاروه وخصوماته والسياق السياسي المحيط به. ما قد يبدو حذرًا في أسبوع، يمكن أن يتحول إلى انتهازية في الأسبوع التالي. ومن الخارج، قد يبدو في ولايته الثانية أكثر عفوية في قراراته، في غياب آليات التنسيق التقليدي بين الوكالات الحكومية. كما أن التسريبات حول العمليات الحساسة المرتبطة بالأمن القومي لم تعد منتشرة كما حدث في رئاسته الأولى. ونتيجة لذلك، غابت الإشارات التي اعتاد المحللون الاعتماد عليها لاستشراف النوايا في واشنطن.
وعند النظر في احتمال تغيير النظام الفنزويلي، أخطأ كثيرون حين ربطوا ذلك بالالتزامات العسكرية طويلة الأمد. نعم، أظهر ترامب باستمرار عدم ارتياحه للحروب الطويلة، لكنه أقل ترددًا بكثير عندما يتعلق الأمر بشن بضربات حاسمة واستعراضية.
السبب الخامس: كيف يبدو تغيير النظام
تشكل هذه النقطة الأخيرة انتقالًا طبيعيًا إلى تفسيري النهائي لسبب إساءة فهم قرارات هذا الرئيس على صعيد السياسة الخارجية. لدى الكثير من المراقبين نماذج ذهنية ضيقة للغاية حول ما يمكن أن تبدو عليه عملية تغيير النظام في هذه الحالة أو في غيرها. فهم يستحضرون أمثلة مألوفة مثل العراق وبنما (والتي ينسى كثيرون أنها كانت ممكنة بفضل الوجود العسكري الأمريكي الكبير هناك مسبقًا). يتخيلون وحدات المارينز وهي تقتحم الشواطئ، وعمليات احتلال طويلة الأمد تتحول إلى “حرب أبدية”.
هناك طيف واسع من الوسائل والطرق لتغيير النظام. وكما كنت أقول منذ أشهر، يمكن أن تتخذ عملية تغيير النظام في فنزويلا شكل غارات جوية مصحوبة بعملية خاطفة لاعتقال القيادة، يُرجَّح أن تنفذها قيادة العمليات الخاصة المشتركة. هذا النوع من العمليات يقع ما بين الغارات الجوية والتدخل التقليدي. يمكن وصفه بأنه إجراء أمني، أو استهداف للقيادة، أو استجابة للأزمة، وليس غزوًا بالمعنى التقليدي.
هذا التصور الضيق قد يخفض السقف المتخيل للعملية، لكن ذلك لا يعني أن الأمر لن يتطور لاحقاً إلى حملة عسكرية أمريكية أكبر. غير أن ما يهم في عملية التنبؤ هو كيف يرى الرئيس الخطوة الأولى. في الواقع، معظم القادة الذين اختاروا استخدام القوة فعلوا ذلك وهم يعتقدون أنهم قادرون على تجنب حرب طويلة. بعضهم كان محقاً، والبعض الآخر أخطأ تماماً.
أشار ترامب في تصريحاته إلى أن هناك عملية عسكرية ثانية خطط لها البنتاغون ولم تُنفَّذ حتى الآن، وقد لا تكون ضرورية. لكنه أكد أيضًا أن الولايات المتحدة ستقوم الآن بـ”إدارة” فنزويلا بطريقة ما، مما يفتح الباب أمام مأزق جديد حتى لو انهار ما تبقى من جهاز مادورو الأمني بعد اعتقاله.
وفي تعليقه على قدرته على إدارة فنزويلا، قال ترامب بتفاؤل: “كل شيء يتم الآن”. كما أوضح أن نائبة الرئيس الفنزويلية مستعدة للتعاون بطريقة ما، وأنه “ليس لديها خيار” آخر. ورغم أنني لا أشاركه هذا التفاؤل، فقد بدا الرئيس الأمريكي اليوم واثقاً بشكل لافت بشأن المرحلة التالية.
ماذا يعني ذلك؟
عندما يتعلق الأمر بتوقع الخطوة التالية للرئيس، يفترض الكثير من السياسيين والمحللين وجود انسجام، بينما يسود الانقسام، ويرون الفوضى حيث يوجد الارتجال، ويعتقدون أن هناك تحفظا في خوض الصراعات، بينما لا يعدو الأمر كونه انتقائية في اختيار جبهات التهدئة والتصعيد. لا ينبع سلوك ترامب في السياسة الخارجية من عقيدة ثابتة، بل هو محصلة للتجاذبات الداخلية والخارجية. كان النظام الفنزويلي هدفًا هشا، فاقدًا للشرعية الأخلاقية، قريبًا جغرافياً، ويمكن السيطرة عليه.
في عهد ترامب، لم تكن قرارات السياسة الخارجية نتاج استراتيجية كبرى بقدر ما كانت ثمرة توافقات ظرفية متقطعة. على المراقبين أن يتوقفوا عن التساؤل عمّا إذا كان هذا القرار أو ذلك منسجما مع قناعات ترامب المفترضة، وأن يتساءلوا في المقابل عمّا إذا كان القرار يبدو له سريعًا وحاسمًا ووقابلاً للاحتواء. عليهم أن يهتموا أكثر بديناميكيات اتخاذ القرار داخل الإدارة، ومسألة بقاء الأفكار حاضرة في ذهنه حتى إن لم تُنفَّذ فورًا، وإلا فإن الفشل في التنبؤ بما حدث في فنزويلا لن يكون حالة استثنائية.
في النهاية، كان المؤشر الأكثر صدقا على الضربة ضد مادورو هو الأكثر بساطة: الحشد العسكري الأمريكي في الكاريبي، والضربات المتصاعدة ضد أصول فنزويلية، والتي تم تصويرها (بشكل مخادع) على أنها عمليات لمكافحة تهريب المخدرات. هذا هو النهج التحليلي نفسه الذي مكّن خبراء مثل مايكل كوفمان من التنبؤ بغزو روسيا لأوكرانيا عام 2022.
بينما كان كثيرون يناقشون “نوايا” الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كانت كمية ونوعية العتاد التي حُشدت على الحدود تشير إلى العملية المرتقبة (حتى إن لم يكن ذلك كافيًا لإنجاح الغزو)، كما أن الخطاب السياسي كان قد تخطى مجرد قرع طبول الحرب.
وحتى بعد أن ثبت خطأ المراقبين، كان المبرر أن بوتين مجنون أو غير عقلاني. ربما يكون الرئيس الروسي غير متزن في قراراته، وضعيفاً على الصعيد الاستراتيجي العسكري، لكنني لا أراه غير عقلاني. بل إن ادعاء اللاعقلانية كان ذريعة لطبقة الخبراء التي لم ترغب في تحديث رؤيتها للعالم، مع موت حقبة ما بعد الحرب الباردة وانحلالها.
فلنأمل ألا يستمر هذا النمط في التحليل طويلاً. كانت فنزويلا علامة تحذيرية بشأن كيفية تصرف هذا الرئيس وغيره من قادة العالم في الفترة القادمة إذا تهيأت ظروف مماثلة. من المؤكد أننا نعيش في عالم أكثر خطورة.
المصدر: وور أون روكس