في باريس وبرعاية الولايات المتحدة الأمريكية، عادت عجلة التفاوض بين سوريا ودولة الاحتلال الإسرائيلي إلى الدوران في 5 يناير/كانون الثاني 2026 بعد انقطاع دام عدة أشهر.
جاء استئناف المحادثات عقب أيام من تصريح للرئيس الأمريكي دونالد ترامب توقع فيه توصل دمشق و”تل أبيب” إلى اتفاق قريب، كاشفًا عن وجود “تفاهم” بينه وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن الملف السوري، دون الخوض في طبيعته.
محطات الفشل وأسباب التعثر
عقب سقوط نظام بشار الأسد أواخر 2024، انفتحت سوريا الجديدة على اتصالات غير مباشرة مع الاحتلال برعاية واشنطن بعد أن وجدت نفسها أمام واقع استثنائي تمثل بتوغل قوات إسرائيلية في الجنوب السوري. وهكذا بدأت جولات استكشافية أولى بوساطات دولية.
- لقاء سري مباشر بين ممثلين سوريين وإسرائيليين في العاصمة الأذربيجانية باكو خلال يوليو/تموز 2025.
- منتصف سبتمبر/أيلول 2025، انتقلت الاجتماعات إلى العلن بجولة تفاوضية في باريس بمشاركة وفد سوري رفيع يرأسه وزير الخارجية أسعد حسن الشبياني ورئيس المخابرات العامة حسين السلامة، يقابله وفد إسرائيلي بقيادة وزير الشؤون الاستراتيجية آنذاك رون ديرمر.
- عُقد لقاء ثان بعدها بأيام قليلة في لندن بين الشيباني وديرمر، جرى خلاله بحث ترتيبات لوقف التصعيد استنادا إلى اتفاق فك الاشتباك لعام 1974.
- اعترفت دمشق في نفس الشهر وللمرة الأولى علنًا بوجود هذه المفاوضات، ما عكس حجم الضغط الأمريكي عليها لتقديم إشارات إيجابية، لكن أجواء الاجتماعات كانت متوترة يسودها انعدام الثقة المتبادل.
- رغم ذلك، أفادت مصادر مطلعة لرويترز أن الطرفين اقتربا من اتفاق إطار للأمن الحدودي بعد شهور من المحادثات المكوكية في باكو وباريس ولندن سبقت اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة أواخر سبتمبر/أيلول.
وفق تسريبات، كان الاتفاق المنشود يركز على:
- إقامة “منطقة عازلة منزوعة السلاح” تشمل محافظة السويداء المضطربة
- وقف العدوان الجوي والتوغلات البرية الإسرائيلية في سوريا
- امتناع سوريا عن تحريك معدات عسكرية ثقيلة قرب حدود الجولان
لكن عقبة في اللحظات الأخيرة نسفت إعلان الاتفاق في نيويورك كما كان مأمولاً، إذ أعادت “إسرائيل” طرح مطلب إقامة ما تزعم أنه “ممر إنساني” إلى السويداء كشرط ضمن التفاهم، وهو ما رفضته دمشق بشكل قاطع في جولات سابقة وعدّته انتهاكًا للسيادة، ورأت في إثارته مجددًا مماطلة متعمّدة من جانب “تل أبيب”.
وفي خطابه أمام الجمعية العامة، حاول نتنياهو تلطيف الأجواء بإبداء ثقته بإمكانية التوصل لاتفاق، مبينا أن استكمال المفاوضات مرهون بضمان ما أسماها المصالح الإسرائيلية وأهمها “منع تمركز عسكري سوري أو إيراني جنوب سوريا وحماية الدروز”.
بالنسبة لدمشق، بدت تلك التصريحات مزدوجة الرسائل، خاصة وأنها تزامنت مع استقالة رون ديرمر بشكل مفاجئ في أكتوبر/تشرين الأول 2025. بعدها توقفت المحادثات كليًا طيلة الشهرين التاليين، وسط تبادل غير معلن للاتهامات بين الطرفين بإضاعة فرصة التهدئة.
ما الذي يريده الطرفان؟
مع استئناف المحادثات في يناير/كانون الثاني 2026، بات واضحًا أن لكل جانب قائمة مطالب متناقضة تعكس رؤيته لمعادلة الأمن والسيادة.
مطالب سوريا
- انسحاب جيش الاحتلال بالكامل من المناطق التي توغل فيها داخل سوريا بعد سقوط الأسد، أي العودة إلى خطوط اتفاق 1974.
- وقف الهجمات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية والتي أوقعت خسائر بشرية ومادية جسيمة خلال العام 2025.
- رفض فكرة “الانسحاب المرحلي” البري من الأراضي السورية التي تلمح لها “تل أبيب”.
مطالب الاحتلال
- تشدد “تل أبيب” على ضرورة إنشاء منطقة “منزوعة السلاح” تمامًا في الجنوب السوري.
- تصر على ترتيبات أمنية خاصة تحت مزاعم حماية الدروز في الجنوب السوري.
- من هذه الزاوية تدفع بفكرة ما يسمى “الممر الإنساني” من الجولان إلى السويداء بذريعة إيصال المساعدات للدروز.
وتسعى تل أبيب إلى الحصول على تطبيع سياسي مستقبلي مع دمشق كجزء من أي اتفاق نهائي، لكن الأخيرة رفضت قطعًا مناقشة الأمر حاليًا معتبرة إياه خارج نطاق البحث.
وفي سياق متصل، كشفت مصادر إسرائيلية أن نتنياهو لمح للأمريكيين بإمكانية “مقايضة” مثيرة للجدل، وهي الاستعداد للانسحاب من عمق جنوب سوريا مقابل تنازل دمشق عن المطالبة بالجولان المحتل.
هذا الطرح قوبل برفض سوري قاطع، حيث نقلت رويترز عن مسؤول في دمشق قوله إن الرئيس أحمد الشرع أوضح للمبعوث الأمريكي توم باراك أن “أي مساومة على الجولان تعني نهاية حكمه”.

حسابات النفوذ وتوقيت التحرك
لا يمكن فهم خلفيات اجتماع باريس الأخير بمعزل عن خرائط النفوذ الإقليمية والدولية التي أعقبت سقوط نظام الأسد، فالولايات المتحدة عادت لاعبًا رئيسيًا على الساحة السورية بعد غياب نسبي، مستفيدةً من خروج روسيا وإيران – حلفاء الأسد سابقًا – من المعادلة أو إضعاف دورهم.
وقد وجدت واشنطن في سوريا الجديدة بقيادة الشرع فرصة مواتية لإبعاد دمشق عن طهران وإعادة ربطها بالتوجهات الإقليمية الأمريكية.
ومن الواضح أن إدارة ترامب تنظر إلى اتفاق سوري-إسرائيلي ولو كان أمنيًا محدودًا، كخطوة مكملة لمشروعها الأوسع في المنطقة المتمثل في اتفاقات أبراهام التطبيعية بين تل أبيب والدول العربية والإسلامية.
وكما نجح ترامب في دفع دول عربية للتطبيع خلال فترته الرئاسية الأولى، فهو يسعى الآن لتسجيل “نصر دبلوماسي كبير” عبر حل معضلة مستعصية كملف الحدود السورية الإسرائيلية.
وقد صرّح مصدر أمني إسرائيلي أن ترامب يتعامل مع هذا الملف بشكل شخصي جدًا ويريد تحقيق اختراق فيه لاستثماره سياسيًا. ولأجل ذلك لم يكتفِ بالضغط على نتنياهو، بل انخرط أيضًا في التواصل المباشر مع القيادة السورية الجديدة.
وخلال قمة في الرياض في مايو/أيار 2025، اجتمع ترامب مع الشرع وأبلغه صراحةً أن “على سوريا أن تعمل باتجاه السلام والتطبيع مع إسرائيل وجيرانها” إذا أرادت دعم واشنطن.
كما حذّر ترامب “تل أبيب” بلهجة نادرة من مغبة “زعزعة استقرار دمشق وقائدها الجديد” بعد حادثة اشتباك بين جيش الاحتلال ومجموعات من الأهالي في جنوب سوريا، وفق “تايمز أوف إسرائيل”.
هدنة مؤقتة أم مسار تطبيعي؟
في ضوء ما سبق، يثير استئناف المفاوضات تساؤلًا جوهريًا: هل نحن أمام محاولة جادة لوضع أسس تطبيع بين سوريا و”إسرائيل”، أم مجرد اتفاق مؤقت لإدارة صراع لن ينتهي قريبًا؟
بطبيعة الحال، يروج البيت الأبيض لهذه المحادثات بوصفها بداية مسار إستراتيجي قد يفضي يوما ما إلى “تطبيع شامل شبيه بما جرى مع مصر”. ويأمل ترامب وفريقه أن مجرد جلوس السوريين والإسرائيليين معًا والتوصل لترتيبات أمنية سيكون خطوة أولى ستبنى عليها خطوات أكبر مستقبلا.
لكن المعطيات الحالية لا تزال ترجح كفة السيناريو الثاني – أي اتفاق تكتيكي محدود – أكثر من تطبيع شامل، خاصة أن الفجوات بين مواقف الطرفين حول القضايا الرئيسية لا تزال كبيرة.
فقضية الجولان المحتل مؤجلة لكنها بمثابة قنبلة موقوتة ستحدد مصير أي تقارب مستقبلي، في وقت ترفض فيه “إسرائيل” الانسحاب الكامل حتى لحدود 2024 الحالية دون ترتيبات قاسية، فيما ترفض سوريا ترفض تقديم أي شرعية للاحتلال سواء القديم أو الجديد.
كذلك يتجذر عنصر انعدام الثقة، فالسوريون يخشون أن لا تلتزم “إسرائيل بتعهداتها” – كما لم تلتزم باتفاق 1974 حين سنحت لها فرصة – والإسرائيليون يشككون في قدرة أو رغبة النظام السوري الجديد في لجم ما تزعم أنها “توجهات معادية” لهم على المدى البعيد.
لذا، تميل التقديرات إلى أن أفضل ما يمكن أن ينتجه هذا المسار حاليًا هو اتفاق لخفض التصعيد. أي تفاهمات عسكرية وأمنية لتهدئة الجبهة ومنع الصدام المباشر، دون أن تُحل القضايا السياسية العميقة.