في إحدى خطاباته التعبوية المتزامنة مع دخول قواته إلى حضرموت في ديسمبر/كانون الأول الفائت، صرّح عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، بأن منطقة صيرفيت أرضٌ جنوبية، ولن يتنازل عنها، وسيواصل الدفاع عنها بكل ما أوتي من قوة. وقد اعتُبر هذا التصريح بمثابة إعلان تجاوزٍ للخط الأحمر من قبل المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات ضد سلطنة عُمان، بحسب ما وصفته وسائل إعلام رسمية في السلطنة.
ومنذ إعلان الانتقالي سيطرته على محافظتي حضرموت والمهرة، شهدت السلطنة تحركات لافتة، بدأت في الثاني والعشرين من ديسمبر/كانون الأول الماضي، حين التقى وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان مع نظيره العُماني هيثم بن طارق لبحث تداعيات الأزمة، وخلال 48 ساعة من ذلك اللقاء، عُقد لقاء آخر جمع قائد القوات الجوية الملكية السعودية، الفريق تركي بن بندر، وقائد سلاح الجو السلطاني العُماني، اللواء خميس الغافري.
وأعقب تلك اللقاءات اندلاع اشتباكات مسلحة بين قوات الانتقالي وقوات حلف قبائل حضرموت، إضافة إلى قصف جوي نفذته الطائرات السعودية استهدف معاقل للانتقالي، وقصف شحنات أسلحة قادمة من الإمارات كانت في طريقها إلى قوات الانتقالي عبر ميناء المكلا، ومن ثم تطورت الحرب مع الهزائم التي مُنيت بها قوات الانتقالي المدعومة إماراتيًا على يد قوات درع الوطن المدعومة سعوديًا.
مصالح عمانية
مع اشتداد المعارك المسلحة في حضرموت وسيطرة قوات الانتقالي على المهرة، قام مسلحو الانتقالي بإنزال العلم اليمني ورفع علم الجنوب على منفذ شِحن الحدودي مع سلطنة عُمان، الأمر الذي أثار حفيظة العُمانيين، الذين رأوا في هذه الخطوة تهديدًا مباشرًا للسلطنة وأمنها القومي.
وأكد مصدر قبلي في محافظة المهرة لـ”نون بوست” أن السلطات العُمانية كانت قد حذّرت من إغلاق المنفذ في حال رفع أي علم آخر، وهو ما دفع قوات الانتقالي إلى إعادة رفع العلم الجمهوري اليمني.
كما شنّ ناشطون عُمانيون ووسائل إعلام عُمانية هجومًا على المجلس الانتقالي الجنوبي، معتبرين إياه كيانًا انفصاليًا لن يتم الاعتراف به. وعلى الصعيد السياسي الرسمي، دعت وزارة الخارجية العُمانية إلى تغليب الحوار وخفض التصعيد في الجمهورية اليمنية، وإيجاد حلول سياسية توافقية في اليمن.
وبالتزامن، هاجم ناشطون يمنيون موالون لدولة الإمارات في كتاباتهم ردود أفعال السلطات العُمانية، متهمين إياها بممارسة دور “خبيث” في حضرموت والمهرة، وبأنها تمارس تهديدًا مبطنًا عبر تمكين جماعة الحوثي من مهاجمة المحافظتين والسيطرة عليهما.
في حديثه مع “نون بوست”، يرى الوزير اليمني الأسبق عبدالسلام رزاز أن الموقف العُماني من الأحداث الأخيرة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة يُعد تعاونًا مع المملكة العربية السعودية، بهدف طرد الإمارات من اليمن، وخدمة المصالح العُمانية.
وبالنظر إلى المصالح العُمانية في اليمن في الوقت الراهن، تجدر الإشارة إلى أن السلطنة تشترك مع اليمن جغرافيًا بحدود تمتد لمسافة 294 كيلومترًا. وعلى الصعيد الشعبي، تربط القبائل اليمنية، ولا سيما في المهرة، روابط مشتركة في العادات والتقاليد مع نظرائهم في سلطنة عُمان. إضافة إلى ذلك، تواصل السلطنة منح بعض السياسيين وزعماء القبائل اليمنية الجنسية العُمانية لأهداف تتعلق بمصالح عُمانية.
سلطنة عُمان تملك الحق الشرعي والقانوني الكامل في مطالبة مجلس الأمن الدولي بإنهاء سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على حدودها وإعادة رفع العلم اليمني الرسمي
انفصال جنوب اليمن يُشبه إلى حد كبير انفصال أرض الصومال في عام 1991م، حيث لم تحصل أرض الصومال حتى اليوم على اعتراف دولي كامل… pic.twitter.com/EgrbdLXfuO
— يونس الزهيمي (@YounisAlzuhimi) December 6, 2025
وخلال السنوات الماضية، شجّعت السلطنة المظاهرات المناهضة للتواجد السعودي في المهرة، قبل أن يتغيّر المزاج السياسي بين الدولتين الخليجيتين في الأزمة الراهنة. كما أن السلطنة ما زالت تستضيف قيادات من جماعة الحوثي على أراضيها، ويتهم خصوم عُمان بأنها أصبحت منفذًا لتهريب السلاح والمخدرات إلى جماعة الحوثي.
سلطنة عُمان تعاملت بالأداء ذاته المعروف عنها، وبدا واضحًا تحركها في هذا الملف بهدوء، من خلال دبلوماسية رشيقة تؤثر في مسار الأحداث، من دون أن تكون في الواجهة أو تبحث عن الصخب، وهي طبيعة الدبلوماسية العُمانية باستمرار
تاريخيًا، في ستينيات القرن المنصرم، كانت دولة الجنوب في عدن، تحت قيادة الاشتراكيين، هي الداعم الرئيسي للجبهة الشعبية لتحرير ظفار المناوئة لسلاطين عُمان، حيث وفّرت دعمًا عسكريًا مباشرًا للجبهة، وقواعد للتدريب، وميزانية، ووسائل إعلامية. وهو السيناريو الذي تخشى عُمان من تكراره بأشكال مشابهة في الوقت الراهن، كما يرى ناشطون في المجلس الانتقالي الجنوبي خلال أحاديثهم مع “نون بوست”.
وفي سياق أحداث الحرب المندلعة مؤخرًا في المناطق الشرقية من اليمن، يرى أحمد بلحاف، المستشار السابق في محافظة المهرة، أن المكتب السلطاني العُماني متورط في إشعال الفتنة في حضرموت، من خلال استهداف قوات النخبة الحضرمية المدعومة من الإمارات، وتأليب الرأي العام المحلي والدولي ضد المجلس الانتقالي ودولة الإمارات، وهو ما أدى إلى حدوث التطورات الأخيرة التي شهدها شرق اليمن.
دور الوسيط المحايد
المحلل السياسي اليمني عامر الدميني يخالف ما طرحه بلحاف من اتهامات طالت السلطات العُمانية، ويرى الدميني أن الدور العُماني منذ الهجوم الذي شنّته قوات الانتقالي الجنوبي على محافظة حضرموت كان دورًا متزنًا، مؤكدًا أن سلطنة عُمان تعمل بهدوء، بعيدًا عن الضجيج ولغة الحرب والاندفاع نحو المواجهة، وتتعامل بدبلوماسية عالية يغلب عليها طابع الوساطة وتقريب وجهات النظر، مع إدراكها لخطورة المرحلة وتشابك وتعقيدات الأطراف المحلية في اليمن، والإقليمية أيضًا.
ويقول الدميني لـ”نون بوست”: “ظلت عُمان منذ انطلاق الحرب في اليمن قبل عشرة أعوام تتعامل بنموذج وأداء مختلف عن باقي الدول التي دخلت خط الأزمة اليمنية؛ فلم تتورط عسكريًا، ورفضت الحرب، وعملت على تغليب السلم والحوار كمبدأ ووسيلة”. وبفضل هذه السياسة، يرى الدميني أن اليمنيين لمسوا تحركًا متعدد المحطات ومكثفًا لسلطنة عُمان في ملف الوساطات، وكانت مسقط حاضرة فيه منذ مشاورات الكويت، وعملت على إحراز تقدم في القضايا الإنسانية، وآخرها الإفراج عن الأسرى اليمنيين من مختلف الأطراف.
ومع الإعلان الدستوري للانتقالي، وقبلها اجتياحه لمحافظتي حضرموت والمهرة، يشير الدميني إلى أن سلطنة عُمان تعاملت بالأداء ذاته المعروف عنها، وبدا واضحًا تحركها في هذا الملف بهدوء، من خلال دبلوماسية رشيقة تؤثر في مسار الأحداث، من دون أن تكون في الواجهة أو تبحث عن الصخب، وهي طبيعة الدبلوماسية العُمانية باستمرار، بحسب تعبيره.
ويلفت الدميني إلى أن دور سلطنة عُمان في أحداث حضرموت تحوّل إلى وسيط بعد إخراج الإمارات من اليمن، واتضح ذلك من خلال زيارة مسؤولين عُمانيين إلى الإمارات، ولقاء وزير خارجيتها بالمسؤولين الإماراتيين، لبحث مسار تهدئة الوضع في اليمن ومنظومة دول الخليج.
إثارة المخاوف
في حديثها مع “نون بوست”، تلفت عفراء الحريري، العضو في المجموعة الاستشارية الفنية النسائية التابعة لمكتب المبعوث الخاص للأمم المتحدة في اليمن، إلى أن سلطنة عُمان حين قررت الدخول على خط الحرب التي اندلعت بين قوات الانتقالي المدعومة إماراتيًا وقوات درع الوطن المدعومة سعوديًا، كان موقف السلطنة واضحًا في دفاعها عن حدودها، وربما لو امتد الاقتتال إلى أراضيها لكانت استخدمت القوة أيضًا، معتبرة ذلك دفاعًا شرعيًا عن أراضيها الحدودية، ووقوفها مع الجانب السعودي يؤكد ذلك، على الرغم من حرصها الدائم على البقاء في حالة حياد. إلا أنها حذّرت بإغلاق الحدود البرية مع محافظة المهرة.
وترى الحريري أنه طالما وُجدت جماعات مسلحة تشكلت خارج إطار الدولة اليمنية، وإن كانت هشة، ومع ذلك سُمّيت شرعية، وهي تنتمي إلى فصيل محدد، فإن ذلك سيُثير بلا شك مخاوف وقلق أي دولة أخرى تشترك بحدود مع اليمن. ومن جهة أخرى، فإن دخول الانتقالي إلى المحافظات الشرقية يُعد خطأً لا يُغتفر؛ لأنه سيمزق الجنوب الذي ادّعى المجلس الانتقالي أنه سيحافظ عليه، إذ إن حضرموت وأهلها لن يقبلوا على الإطلاق دخول أي طرف إليها بالقوة، حتى وإن كان جنوبيًا، وبالتالي لن يقبلوا العودة إلى حضن الجنوب، ناهيك عن أن ما جرى في عدن وما شهدته يمثل عبرة واضحة.
وتشير الحريري إلى أن التجار الحضارم المقيمين في السعودية لن يقفوا مكتوفي الأيدي أو يصمتوا، وكذلك النافذون والتجار المهريون المقيمون في عُمان، ما يعني أن الصراع مرشح للاشتعال، وفي النهاية ستتشرذم اليمن، وتحديدًا الجنوب، من أجل مصالح شخصية وخاصة، وتحت ذريعة الحفاظ على دول الخليج.
وعقب سيطرة قوات درع الوطن، بقيادة الرئيس اليمني رشاد العليمي، رحّبت وزارة الخارجية العُمانية بالدعوة إلى حوار بين كافة المكونات الجنوبية في اليمن، المزمع إقامته في الرياض. وفي الميدان، أفاد مواطنون لـ”نون بوست” بأن السلطة المحلية في محافظة المهرة أغلقت، قبل يومين، بوابة منفذ شحن الحدودي مع سلطنة عُمان بالكامل، ما أدى إلى تعليق جميع عمليات الدخول والخروج حتى إشعار لاحق، ولم يصدر عن الجانبين العُماني أو اليمني، سواء من الحكومة المعترف بها دوليًا أو المجلس الانتقالي الجنوبي، أي تفسير لهذا الإجراء.