مع مرحلة ما بعد التحرير، يواجه الاقتصاد السوري تحدياً كبيراً في استعادة النشاط وبناء أسس نمو مستدام، وفي هذا السياق، يبرز دور المغتربين السوريين بما يمتلكونه من رؤوس أموال وخبرات وشبكات علاقات اقتصادية، حيث تُظهر خريطة الوجود السوري في دول الجوار أن الاغتراب لم يبقَ في إطار اللجوء الإنساني، بل تحوّل خلال السنوات الماضية إلى حضور اقتصادي وبشري واسع، يختلف في طبيعته من دولة إلى أخرى، لكنه يشترك في كونه رصيداً قابلاً للتوظيف في مرحلة إعادة بناء الاقتصاد السوري.
السوريون في المنفى: خريطة الانتشار ودورهم الاقتصادي
تركيا: الكتلة الأكبر ورأس المال البشري والاقتصادي
يقيم في تركيا نحو 2.37 مليون سوري، وتشير البيانات الديموغرافية إلى أن قرابة نصفهم يقع ضمن الفئة العمرية المنتجة (18–64 سنة)، ما يعكس ثقلاً واضحاً في سوق العمل. وعلى صعيد التعليم، تتصدر سوريا قائمة الدول المرسِلة للطلاب إلى الجامعات التركية، إذ تستضيف تركيا نحو أكثر من 60 ألف طالب سوري، يشكّلون ما يزيد على 18% من إجمالي الطلاب الدوليين، إضافة إلى نحو 17 ألف خريج سوري من الجامعات التركية، وهو ما يراكم رأس مال بشري عالي التأهيل.
اقتصادياً، وخلال الفترة 2010–2023، أسهم السوريون في تأسيس 10,332 شركة برأسمال يقارب 632 مليون دولار، وفق بيانات اتحاد غرف وبورصات السلع التركية. وتقدّر دراسات أخرى حجم الاستثمارات السورية في تركيا بنحو 10 مليارات دولار، تتركز في المشاريع الصغيرة والمتوسطة، خاصة في التجارة و المطاعم والخدمات والتصنيع الخفيف.
وقد ساهمت هذه الاستثمارات في توفير نحو 500 ألف فرصة عمل، مع حضور واضح للسوريين في قطاعات النسيج والملابس الجاهزة والبناء والزراعة، بالإضافة إلى الخدمات اللوجستية والصناعات الغذائية، خصوصاً في جنوب البلاد، ما جعلهم فاعلاً اقتصادياً لا مجرد حالة لجوء.

لبنان: كثافة سكانية واقتصاد موازٍ
في لبنان توجد واحدة من أكثر التجمعات السورية كثافة في العالم، إذ تشير تقديرات السلطات المحلية إلى وجود نحو 1.12 مليون سوري منذ ديسمبر 2024، بمن فيهم غير المسجلين، مقابل نحو 636 ألف لاجئ مسجّل رسمياً لدى الأمم المتحدة حتى نهاية سبتمبر 2025.
هذا الثقل السكاني انعكس بشكل مباشر على سوق العمل، حيث تُقدّر الدراسات أن عدد العمال السوريين يتجاوز المليون عامل في قطاعات متعددة، أبرزها الزراعة والبناء والخدمات، وغالباً ضمن الاقتصاد غير الرسمي. ورغم غياب بيانات دقيقة حول عدد الشركات السورية، تُقدَّر الاستثمارات السورية في لبنان بنحو 26 مليار دولار، ما يعكس حجماً اقتصادياً كبيراً وإن كان يعمل في بيئة غير منظمة.
مصر: نموذج الاستثمار وريادة الأعمال
في مصر يعيش نحو 1.5 مليون سوري وفق تقديرات المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، ويتميّز وجودهم بطابع استثماري واضح. وتُظهر بيانات الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة أن الشركات المملوكة لسوريين استحوذت على 21.3% من إجمالي الشركات الأجنبية المُؤسَّسة في البلاد حتى يونيو 2025، عبر تأسيس 16,323 شركة.
وتُقدر حجم استثمارات السوريين نحو 23 مليار دولار، تتركّز في التجارة والصناعات الغذائية والخدمات والمطاعم، ما جعل الجالية السورية من أبرز مكونات الاستثمار الأجنبي الفاعل في الاقتصاد المصري خلال العقد الأخير.
الأردن: جالية فاعلة في الإنتاج والتشغيل
يعيش في الأردن نحو 1.3 مليون سوري منذ عام 2011، منهم 557,783 مسجّلين لدى مفوضية اللاجئين حتى آذار 2025 وفق تقرير مرصد الحماية الاجتماعية التابع لتمكين. وقد برز السوريون كمستثمرين ورواد أعمال، إذ تُقدَّر الاستثمارات السورية في الأردن بنحو 25 مليار دولار إجمالاً، موزعة على قطاعات متعددة.
وتشير بيانات دائرة مراقبة الشركات إلى وجود أكثر من 4,100 شركة سورية مسجلة تعمل في الصناعة والتجارة والخدمات، ما يعكس اندماجاً اقتصادياً يتجاوز مجرد العمالة.
العراق: قاعدة إقليمية لإعادة تنشيط التجارة السورية
في العراق، وخصوصاً في إقليم كردستان، يقيم أكثر من 300 ألف لاجئ سوري بحسب بيانات UNHCR، يتركّز نشاطهم الاقتصادي في العمالة والتجارة والمشاريع الصغيرة، خاصة في الخدمات والمطاعم والبناء والتجارة الحدودية. وتكمن أهمية هذا الوجود في القرب الجغرافي ودوره المحتمل في إعادة تنشيط التجارة البرية والتكامل الاقتصادي مع سوريا في مرحلة ما بعد التحرير.
تكشف هذه الخريطة أن السوريين في دول الجوار راكموا رأس مال بشرياً واقتصادياً متنوعاً، من العمالة والخبرة الميدانية إلى الاستثمار وريادة الأعمال، ما يجعل الاغتراب السوري قاعدة حقيقية يمكن البناء عليها لتحريك الاقتصاد السوري وإعادة دمجه إقليمياً في المرحلة القادمة.
السوريون في الدول الغنية
يمثّل الوجود السوري في الدول الغنية أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية في الاغتراب، ليس فقط من حيث عدد المقيمين، بل من حيث حجم رؤوس الأموال وطبيعة الاستثمارات ومستوى الاندماج في الأسواق المتقدمة. وعلى خلاف دول الجوار، يتخذ هذا الوجود طابعاً استثمارياً ومهنياً منظّماً، وإن كانت البيانات الرسمية حوله غير مكتملة في كثير من الأحيان.
أوروبا: الكتلة الأكبر من رأس المال البشري السوري
تُعدّ أوروبا، وفي مقدمتها ألمانيا والسويد، من أبرز وجهات الاغتراب السوري من حيث حجم الجالية ونوعية الاندماج المهني. فبحسب بيانات المكتب الاتحادي للإحصاء في ألمانيا (Destatis)، بلغ عدد السوريين المقيمين في ألمانيا نحو 973 ألف سوري مع نهاية عام 2023، من بينهم حوالي 712 ألف شخص يبحثون عن الحماية. وفي السويد، تشير الإحصاءات الرسمية الصادرة عن المركز الوطني السويدي للإحصاء (SCB) إلى وجود نحو 244 ألف سوري، ما يجعلهم إحدى أكبر الجاليات الأجنبية في البلاد.
اقتصادياً، ينشط السوريون في أوروبا ضمن قطاعات تعاني من نقص في اليد العاملة، مثل الهندسة الميكانيكية وصناعة السيارات والنقل العام والتمريض والنقل الثقيل والمهن الصحية المساندة.
ويشكّل السوريون كذلك أكبر فئة من الأطباء الأجانب العاملين في ألمانيا، إذ يعمل نحو 6,120 طبيباً سورياً في النظام الصحي الألماني حتى نهاية عام 2023. ويعكس هذا الحضور الكثيف مستوىً متقدّماً من الاندماج المهني ورأس المال البشري، ما يمنح الجالية السورية في أوروبا قدرة حقيقية على المساهمة في نقل الخبرة والمعرفة ودعم إعادة بناء الاقتصاد السوري مستقبلاً.
دول الخليج: استثمار واسع وبيانات محدودة
لا تتوفر أرقام رسمية موحّدة حول حجم استثمارات السوريين في دول الخليج، إذ لا تنشر معظم الدول بيانات الاستثمار مصنّفة حسب الجنسية. ومع ذلك، يتفق مراقبون اقتصاديون على أن الاستثمارات السورية تُقدَّر بمليارات الدولارات، وتتركّز في قطاعات العقارات والسياحة والصناعة والخدمات المالية.
في المملكة العربية السعودية، يعيش نحو 449 ألف سوري، ويُعدّ حضورهم الاقتصادي من الأكثر توثيقاً خليجياً. فقد كشف الرئيس التنفيذي للهيئة السعودية لتسويق الاستثمار خالد الخطاف أن رصيد الاستثمارات السورية في المملكة بلغ 8.4 مليار ريال سعودي (نحو 2.24 مليار دولار) في عام 2023، وتصدّرت الصناعة والتشييد والبناء والتجارة والأنشطة العلمية والمهنية قائمة القطاعات المستفيدة.
أما في الإمارات العربية المتحدة، فيعيش أكثر من 242 ألف سوري بحسب وكالة أسوشيتد برس (AP). ورغم الحضور الاقتصادي الواضح للجالية السورية داخل أحد أهم المراكز التجارية والمالية في المنطقة، لا تتوفر أرقام رسمية منشورة عن حجم استثماراتهم، وهو غياب إحصائي لا ينفي الدور الفاعل للسوريين في والخدمات وريادة الأعمال.
وفي الكويت، يبلغ عدد السوريين المقيمين نحو 146 ألف شخص وفق بيانات الإدارة المركزية للإحصاء (كانون الثاني 2019)، ويتميّز وجودهم بكون معظمه سابقاً لعام 2011، ما يشير إلى استقرار اقتصادي طويل الأمد في قطاعات الخدمات والأعمال الحرة.
أما قطر، فقد ارتفع عدد السوريين فيها من 35–39 ألفاً عام 2011 إلى أكثر من 64 ألف سوري حتى عام 2024 بحسب أرقام السفارة السورية، ويتركّز نشاطهم في التعليم والبناء والفندقة والمطاعم.
الولايات المتحدة وكندا: ثروة مالية وشبكات استثمارية
في الولايات المتحدة، يُظهر الاغتراب السوري ثقلاً مالياً لافتاً، إذ قال رئيس غرفة تجارة دمشق عصام غريواتي في تصريح لاندبندنت عربية إن استثمارات وثروات السوريين في الولايات المتحدة تبلغ نحو 25 مليار دولار، وهو رقم يعكس قدرة كبيرة على المساهمة في مشاريع كبرى، خاصة في البنية التحتية. ويأتي ذلك بالتوازي مع خطوات رسمية، منها تشكيل مجلس الأعمال السوري الأمريكي بقرار من وزارة الاقتصاد والصناعة، بهدف بناء جسور تجارية وتعزيز التعاون الاقتصادي بين سوريا والولايات المتحدة.
أما في كندا، فلا توجد أرقام رسمية دقيقة حول عدد السوريين المقيمين أو حجم استثماراتهم، إلا أن التقديرات تشير إلى عشرات الآلاف، مع مستوى تعليم مرتفع ووجود رجال أعمال ومستثمرين، ما يمنح الجالية السورية هناك دوراً محتملاً في نقل المعرفة والاستثمار المباشر وغير المباشر.
كيف يمكن للمغتربين دعم الاقتصاد السوري؟
شكّلت التحويلات المالية من المغتربين السوريين خلال السنوات الأخيرة ركيزة أساسية لدعم الاقتصاد المحلي، وأسهمت في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي في ظل تراجع الإنتاج وارتفاع معدلات الفقر. وفي هذا السياق، نقل موقع الحصرية أن تحويلات المغتربين بلغت نحو 4 مليارات دولار منذ انهيار النظام، ما مثّل دفعة قوية للاقتصاد المحلي من حيث زيادة السيولة وتحريك الطلب والاستهلاك. غير أن هذا الدور على أهميته، ظل في معظمه استهلاكياً وقصير الأثر، ولم يتحول بعد إلى رافعة تنموية مستدامة.
المرحلة المقبلة تتطلب تحولاً نوعياً في مساهمة المغتربين، من إرسال الأموال للاستهلاك اليومي إلى الاستثمار المنتج والاستقرار الاقتصادي طويل الأمد. ويبرز هنا خيار نقل الأعمال أو جزء منها إلى الداخل السوري، أو عودة المغتربين للاستقرار التدريجي، كأحد أكثر المسارات تأثيراً، فاستقرار شريحة من المغتربين في سوريا يعني تلقائياً زيادة الطلب المحلي على السكن والخدمات والسلع، ما ينعكس توسعاً في الاستهلاك وتنشيطاً للأسواق.
كما أن تأسيس شركات وورش ومصانع صغيرة ومتوسطة يسهم مباشرة في رفع مستوى الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وبناء قاعدة صناعية وخدمية أكثر تماسكاً. ويترتب على ذلك خلق فرص عمل جديدة للمواطنين، سواء بشكل مباشر داخل المشاريع، أو غير مباشر عبر سلاسل التوريد والخدمات المساندة، وهو عنصر حاسم في معالجة البطالة وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
ولا تقتصر مساهمة المغتربين على رأس المال فقط، بل تشمل أيضاً نقل المعرفة والمهارات والخبرات التي راكموها في بلدان الاغتراب، فالمغتربون يحملون معهم خبرات في الإدارة الحديثة والتكنولوجيا ومعايير الجودة والتنظيم المؤسسي وثقافة العمل، وهي عناصر أساسية لإعادة بناء اقتصاد أكثر كفاءة وتنافسية. ويمكن نقل هذه الخبرات عبر العودة المباشرة، أو من خلال الشراكات والتدريب والإدارة عن بُعد دون اشتراط عودة جماعية أو فورية.
في هذا الإطار، تبرز أهمية مجالس الأعمال الاقتصادية كأداة تنظيمية جامعة، مثل تأسيس مجلس الأعمال السورية مع السعودية، إضافة إلى مجلس الأعمال السوري الأمريكي ومجلس الأعمال السوري الفرنسي ومجلس الأعمال السوري التركي ومجلس الأعمال السوري البريطاني ومجلس الأعمال السوري الكندي، فهذه المجالس لا تقتصر على التشبيك، بل تؤدي دوراً محورياً في:
- توجيه التحويلات ورؤوس الأموال نحو مشاريع منتجة.
- تسهيل نقل الأعمال والاستثمارات وتقليل المخاطر.
- بناء جسور ثقة بين الداخل والخارج.
- ربط الاقتصاد السوري بالأسواق والشركاء الدوليين.
نستطيع القول إن مساهمة المغتربين لا تكتمل بالتحويلات المالية وحدها، بل تتحقق فعلياً عندما تتحول إلى استثمار واستقرار ونقل معرفة، وعندها فقط يصبح الاغتراب السوري رافعة حقيقية للنمو الاقتصادي، وقادراً على لعب دور مركزي في إعادة بناء الاقتصاد السوري على أسس مستدامة ومتوازنة.
ما المطلوب؟
رغم ما يمتلكه المغتربون السوريون من رأس مالي وبشري وخبرات متراكمة، فإن تحويل هذه الإمكانات إلى مساهمة اقتصادية فعلية داخل سوريا يبقى مشروطاً بتوفّر بيئة قانونية ومؤسسية واضحة تقلّل المخاطر وتبني الثقة. وفي هذا السياق، تبرز الإصلاحات التشريعية كخطوة أساسية لفتح الباب أمام عودة الاستثمارات.
أكد رئيس هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي أن سوريا تتجه لإصدار قانون جديد للاستثمار يهدف إلى حماية حقوق المستثمرين الأجانب ومنحهم ضمانات وحوافز واسعة، تصل في بعض القطاعات إلى الإعفاء الضريبي الكامل. ويُعدّ هذا التوجّه، في حال تطبيقه بشفافية واستقرار، عاملاً حاسماً في تشجيع المغتربين على نقل أعمالهم أو تأسيس مشاريع جديدة داخل البلاد، خصوصاً في القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة.
إلى جانب الإطار القانوني، تبقى تبسيط الإجراءات الإدارية وتوحيد الجهات الناظمة للاستثمار شرطاً لا غنى عنه. فمهما امتلك مغترب من رأس مال، يبقى بحاجة إلى مسار واضح وسريع لتسجيل شركته وحماية ملكيته وتحويل أرباحه دون الوقوع في دوامة البيروقراطية أو عدم وضوح الصلاحيات.
ولا تقتصر مشاركة المغتربين على رأس المال وحده، بل تمتد إلى جذب الكفاءات السورية واليد العاملة الماهرة التي راكمت خبراتها في الخارج، فتهيئة بيئة عمل مستقرة وتقديم حوافز مهنية وتسهيل عودة الخبرات في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والإدارة والصحة، من شأنه أن يرفع إنتاجية الاقتصاد ويُسرّع عملية نقل المعرفة والمهارات الحديثة إلى الداخل وهو عنصر حاسم في إعادة البناء.
كما يبرز خيار تأسيس صناديق استثمارية أو شركات مساهمة كأداة فعّالة لتقليل المخاطر الفردية وتشجيع المشاركة الواسعة، فهذه الصناديق يمكن أن تفتح باب الاكتتاب أمام المواطنين داخل البلاد، إلى جانب المغتربين الذين يمتلكون عادة قدرة مادية أكبر، ما يسمح بتجميع رؤوس الأموال وتوجيهها نحو مشاريع استراتيجية في الصناعة والبنية التحتية والزراعة.
وفي هذا الإطار، ألمح وزير المالية محمد يسر برنية إلى أن شركات القطاع العام ستُعاد هيكلتها أو تحويلها إلى شركات مساهمة، مع إمكانية دمج أو تصفية غير القابلة للحياة، بما يخدم النمو الاقتصادي، وتفتح هذه المقاربة الباب أمام شراكات جديدة بين الدولة والمغتربين والقطاع الخاص، وتتيح للمستثمرين السوريين في الخارج المشاركة في إعادة هيكلة الاقتصاد بدل الاكتفاء بالدور الداعم من بعيد.