تسعى المملكة العربية السعودية إلى تمويل ميزانية عام 2026 عبر الاقتراض بشكل غير مسبوق، مما يثير تساؤلات حول تكلفة تحقيق رؤيتها الاقتصادية الطموحة “رؤية 2030″، فقد وافق وزير المالية محمد الجدعان على خطة اقتراض للعام 2026 بحجم تمويل متوقع يبلغ 217 مليار ريال سعودي (حوالي 57.9 مليار دولار) لتغطية احتياجات المملكة المالية.
تأتي هذه الخطوة وسط عجز متوقع في ميزانية 2026 بنحو 165 مليار ريال (44 مليار دولار)، بالإضافة إلى التزامات دين مستحقة السداد تقارب 52 مليار ريال خلال العام نفسه.
ويعكس هذا التوجه اعتماد المملكة المتزايد على الاستدانة لضمان استمرار الإنفاق على مشاريع تنموية ضخمة، في وقت تتراجع فيه إيرادات النفط وتشهد خطط التحول الاقتصادي مرحلة مفصلية.
تصاعد الحاجة التمويلية وأرقام العجز
تشير أرقام الموازنة السعودية للعام 2026 إلى تصاعد كبير في الاحتياجات التمويلية نتيجة مزيج من انخفاض الإيرادات النفطية وزيادة الإنفاق، فبعد طفرة أسعار النفط عامي 2022-2023، واجهت السعودية في 2024-2025 تراجعًا في الأسعار وخفضًا طوعيًا للإنتاج النفطي ضمن اتفاقيات “أوبك+”، مما قلّص العائدات النفطية وأدى إلى تضخم فجوة العجز.
ونتيجة لذلك، زاد عجز الميزانية:
- اتسع العجز عام 2025 إلى أكثر من ضعف المتوقع (نحو 245 مليار ريال مقابل 101 مليار مستهدف)، أي حوالي 5.3% من الناتج المحلي.
- في ميزانية 2026، قُدّر العجز بحوالي 165 مليار ريال (3.3% من الناتج)، وهو أقل من مستوى 2025 لكنه يظل كبيرًا.
هذا الأمر ليس صدفة، بل سياسة معتمدة؛ إذ صرّح الوزير الجدعان أن “العجز مقصود” وأن الحكومة ستواصل الإنفاق بعجز سنوي حتى عام 2028 لدعم الأولويات الاقتصادية. ومن المتوقع أن يزداد الدين العام إلى نحو 1.5 تريليون ريال بنهاية 2025 (حوالي 31.7% من الناتج) ارتفاعًا من 1.2 تريليون في 2024.
ورغم أن نسبة الدين إلى الناتج لا تزال معتدلة مقارنةً بدول أخرى، حذّر خبراء من أنها تجعل المالية السعودية أكثر حساسية لأي تراجع إضافي في أسعار النفط.
مع ذلك، توفر المستويات المنخفضة من الدين واحتياطيات النقد الأجنبي الكبيرة مساحة للتحرك حاليًا، ما يمنح المملكة هوامش أمان لمواصلة الاقتراض في المدى القريب.
الاقتراض لتمويل التحول الاقتصادي
تُعزى سياسة العجز المخطط له إلى الرغبة في تمويل مشاريع “التحول الاقتصادي” ضمن رؤية 2030 رغم التقلبات النفطية، فالسعودية في منتصف الطريق تقريبًا من خطتها التي أُطلقت عام 2016، وتتطلب استثمارات حكومية هائلة بمئات مليارات الدولارات لتنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط.
وفي ميزانية 2026، تبدأ المملكة “المرحلة الثالثة” من رؤية 2030. ولذلك، تواصل الحكومة الإنفاق التوسعي على القطاعات المستهدفة لضمان زخم النمو غير النفطي، حتى لو تطلب الأمر تمويل العجز بالدين.
وتكشف خطة الاقتراض السنوية أن السعودية ستعتمد على مزيج من المصادر:
- 20 – 30% من أسواق الدين المحلية
- 25 – 30% من الأسواق الدولية
- 50% من التمويل عبر شراكات القطاع الخاص
هذا التوجه يعكس قناعة صنّاع القرار بأن الإنفاق الحكومي المكثف الآن – حتى وإن أدى لعجز – سيؤتي ثماره بتحقيق تحول اقتصادي جذري بحلول 2030.

تعثّر المشاريع وإعادة ترتيب الأولويات
ولكن، رغم التزام السعودية بتمويل رؤيتها الطموحة، فقد أعادت مؤخرًا ترتيب أولويات الإنفاق والتنفيذ بعد مواجهتها تحديات في بعض المشاريع العملاقة التي ثبت فشلها وعدم جدواها بالنظر إلى تكاليفها.
فقد شهدت عدة “مشاريع ضخمة” تأخيرات وتجاوزات في الجداول الزمنية والتكاليف، أبرزها مشروع مدينة نيوم المستقبلية ومنتجع جزيرة سندالة وغيرها من المخططات العقارية الضخمة.
وفي خطة ميزانية 2026 لم يرد ذكر محدد لتلك الجُزُر والمُدن المستقبلية، في إشارة إلى تغيير النهج المتّبع، بعد تقارير عديدة عن فشل تنفيذ تلك المشاريع.
ووفقًا لرويترز، تستعد الحكومة وصندوق الاستثمارات العامة (PIF) – البالغ حجمه نحو 925 مليار دولار – لتحويل بوصلة الاستثمار بعيدًا عن التركيز السابق على العقارات الفاخرة التي هيمنت على عقد مضى.
وبدلاً من ذلك، سيكون التركيز على قطاعات استراتيجية مثل الخدمات اللوجستية والمعادن والذكاء الاصطناعي والسياحة الدينية، التي يُتوقع أن تحقق عوائد أسرع وأكثر استدامة.
وأكّد الجدعان أن هناك إعادة دراسة للمشاريع لضمان أنها تحقق العوائد المرجوة ضمن أطر زمنية واقعية. فبعض المبادرات التي وُصفت سابقًا بأنها مفرطة الطموح يجري تقليصها إلى أهداف أكثر واقعية.
ضغط العجز والإجراءات المحتملة
يثير اتساع العجز والاقتراض التساؤلات حول إمكانية اتخاذ إجراءات مالية تكبح تنامي الدين أو تزيد الإيرادات غير النفطية.
في السنوات الأخيرة، اتخذت السعودية قرارات صعبة لتعزيز خزينة الدولة، كان أبرزها:
- رفع ضريبة القيمة المضافة (VAT) من 5 ٪ إلى 15% في 2020 في ذروة أزمة كورونا وتراجع النفط، دون إعادتها لمستواها السابق.
- توسيع قاعدة الإيرادات عبر الضرائب غير المباشرة والرسوم مثل ضريبة السلع الانتقائية والرسوم على الوافدين والشركات الحكومية.
- ضبط الإنفاق العام وزيادة كفاءته: تُسوِّقه الرياض دائما بالاستناد إلى أدوات مثل هيئة كفاءة الإنفاق والمشروعات الحكومية (EXPRO) وخطاب “جودة الصرف” في بيان ميزانية 2026، لكن الصورة العملية تُظهر أن الانضباط يظل محدودًا طالما أن السياسة تقوم على اتساع الإنفاق على الفعاليات والترفيه والمشاريع العملاقة.
كلفة الرؤية بين الاستثمار والمخاطرة
في المحصلة، يكشف توجه السعودية لتمويل عجز 2026 عبر الاقتراض عن الثمن الباهظ لتحقيق رؤية 2030 وطموحات التحول الاقتصادي، فالمملكة تراهن على أن العجز “المقصود” اليوم هو استثمار في مستقبل مزدهر أقل اعتمادًا على النفط، على أمل أن تجني ثمار التنويع والنمو غير النفطي خلال السنوات القادمة.
هذه المعادلة تنطوي على مخاطر مدروسة؛ فاستدامة النهج تعتمد على انضباط مالي محكم وتنفيذ فعال للمشاريع ضمن إطار زمني واضح.
يمتدح خبراء الاقتصاد نقاط قوة السعودية الحالية – ديْن عام منخفض نسبيًا وأصول أجنبية ضخمة – معتبرين أنها تمنحها القدرة على استيعاب صدمات التمويل في المدى القريب، لكنهم في الوقت نفسه يشددون على ضرورة تثبيت قرارات الإنفاق ضمن إطار متعدد السنوات لضمان الاستدامة على المدى الطويل.
وستحتاج المملكة إلى الموازنة بحذر بين مواصلة الاستثمار بسخاء لتحقيق الرؤية وبين تجنب تراكم مديونية قد تثقل كاهل الاقتصاد مستقبلاً. وبالنظر إلى تقلب أسعار النفط واحتمالاتها غير المتوقعة، سيظل النجاح في هذه الرحلة رهنًا بمرونة السياسات المالية وحكمة إدارتها.