شهد السودان في عام 2025 طورًا استثنائيًا، لم تعد فيه الحرب حدثًا عسكريًا عابرًا، بل تحوّلت إلى عامل بنيوي يعيد تشكيل الدولة، ويعيد إنتاج السياسة والاقتصاد والمجتمع، ويطبع تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين بإيقاعها القاسي.
كما كشف هذا العام بوضوح هشاشة مؤسسات الدولة وعجزها المتراكم عن إدارة الصراعات المتداخلة، في ظل اتساع الفجوة بين السلطات الرسمية ومختلف القوى السياسية، وتآكل القدرة على إنتاج توافقات وطنية جامعة.
اقتصاديًا واجتماعيًا، واصل ثقل الحرب ضغطه على الأسواق والموارد والخدمات الأساسية، دافعًا قطاعات واسعة من المدنيين إلى حافة الإنهاك اليومي، مع تأثيرات مباشرة على الأمن الغذائي والصحي. وفي موازاة ذلك، تصاعد دور العوامل العسكرية والاجتماعية بوصفها المحدد الأبرز لمسار الصراع، ولشكل السودان الذي يتكوّن تحت وطأة حرب طويلة بلا أفق حسم واضح.
تفكك المشهد السياسي المدني وتراجع تأثيره
شكّل عام 2025 محطة فارقة في مسار القوى المدنية السودانية، بوصفه عامًا لانكشاف عميق داخل هذه القوى نفسها، فبعد قرابة الثلاثة أعوام من الحرب، لم تعد الأزمة محصورة في غياب المدنيين عن مراكز القرار، وانما في عجزهم عن إنتاج كتلة سياسية متماسكة قادرة على تقديم بديل مقنع للداخل المنهك بفعل البنادق أو حتى توافق مدني عريض لوقف الحرب وبناء السلام.
في فبراير/شباط 2025 أعلنت تنسيقية القوى الديمقراطية والمدنية السودانية “ تقدم” حل نفسها وانقسامها إلى مجموعتين، على خلفية خلافات حادة حول مقترح تشكيل حكومة موازية. لم يكن الانقسام حدثًا مفاجئًا، وانما نتيجة تراكمات بدأت منذ توقيع التنسيقية إعلان أديس ابابا مع قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” مطلع 2024، وهو ما أضعف صورتها لدى قطاعات واسعة من الرأي العام، وفتح الباب لاتهامها بالعمالة وبالاصطفاف ضد الجيش والدولة.
زاد من عمق الأزمة أن “تقدم” كانت قد عقدت مؤتمرها التأسيسي في أديس أبابا في مايو/أيار 2024، محاولةً تقديم نفسها كإطار جامع للقوى المدنية، إلا أن الخلافات البنيوية داخلها ظلت مؤجلة، وعندما انعقد اجتماع هيئتها القيادية في عنتيبي في ديسمبر/كانون الأول 2024 برئاسة عبد الله حمدوك، انفجرت التناقضات على نحو علني، خصوصًا مع تبني فصائل من الجبهة الثورية مقترح الحكومة الموازية بوصفه وسيلة لـ”انتزاع الشرعية” من حكومة السودان، بينما رأت أطراف أخرى في ذلك خطوة تقود مباشرة إلى شرعنة الانقسام.
في مواجهة هذا المسار، حدث الانقسام ل”تقدم” الى فصيلين هما “صمود” و”تأسيس”، وأسس الأول في فبراير/شباط 2025، برئاسة عبد الله حمدوك أيضًا. ورغم التقاطع بين “صمود” وتحالف “تأسيس” الذي تهيمن عليه مليشيا الدعم السريع، إلا أن مراقبين وصفوا المشهد بأنه انقسام بين قوى “متفقة في الغايات، مختلفة في الأدوات”، ووصفه البعض بأنه مجرد توزيع أدوار.
في المقابل، صعد خطاب الحكومات الموازية من موقع الفكرة إلى موقع الفعل، ففي فبراير/شباط 2025، أعلن تحالف “تأسيس” عن توقيع ميثاق سياسي في نيروبي، يمهّد لتشكيل حكومة في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الدعم السريع. وبحلول أواخر يوليو/تموز، كُشف عن ملامح هذه الحكومة في مدينة نيالا، مع مجلس رئاسي يقوده حميدتي ويضم حكام أقاليم، في محاولة لتكريس سلطة سياسية موازية مستندة إلى السيطرة العسكرية، لا إلى تفويض شعبي أو اعتراف دولي.

هذا المسار لم يحظَ باعتراف أي دولة، بل قوبل بتحذيرات واضحة من مجلس الأمن الدولي، الذي أعرب عن قلقه من أن تؤدي هذه الخطوات إلى تفاقم الصراع وتعميق خطر تفتيت البلاد، غير أن الأهم من الموقف الدولي، هو أن الجدل حول الحكومات الموازية كشف هشاشة فكرة “المدنيين كبديل”، حين تنزلق بعض مكوناتهم إلى منطق اقتسام الجغرافيا بدل استعادة الدولة.
وفي ديسمبر 2025 أعلن الاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيقاد تأجيل مشاورات جيبوتي بين الفرقاء السودانيين إلى أجل غير مسمى بسبب خلافات حول مشاركة الأطراف السياسية، بينما شهدت العاصمة الكينية نيروبي توقيع إعلان مبادئ بمشاركة أحزاب سودانية وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، تضمن مذكرة تصنيف المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية كجماعات إرهابية، مع تجاهل الإشارة إلى مليشيا لدعم السريع.
على المستوى الإقليمي والدولي، رفع السودان دعوى قضائية أمام محكمة العدل الدولية ضد دولة الإمارات بسبب انتهاكات ضد مجموعة من المدنيين، إلا أن المحكمة رفضت الدعوى لعدم الاختصاص. إضافة إلى ذلك، فشلت المسارات المطروحة في إعادة ضبط المشهد السياسي، فالآلية الرباعية، رغم طرحها مبادرة لوقف إطلاق النار، ظلت أسيرة خلافات أطرافها، خاصة مع رفض الحكومة السودانية مشاركة الإمارات. وفيما برز لاحقًا حراك سعودي تقوده الرياض بعد تحركات ولي العهد ولقاءه بترمب، وزيارات البرهان التي شملت السعودية وتركيا ومصر.
حرب استنزاف وتمدد نحو الهامش
عسكريا، شهد عام 2025 تحولات ميدانية لافتة أعادت رسم خريطة الصراع، دون أن تضع حدًا للحرب، فمع مطلع كانون الثاني/يناير، أعلن الجيش السوداني استعادة مدينة ود مدني بولاية الجزيرة، بعد تقدمه في مناطق من ولايتي سنار والنيل الأبيض، في تطور اعتُبر حينها نقطة تحول لصالحه في وسط البلاد.
وخلال شهور آذار/مارس ونيسان/أبريل وأيار/مايو، تصاعدت المعارك في ولاية الخرطوم بوتيرة غير مسبوقة، انتهت بإعلان الجيش استعادة السيطرة الكاملة على الولاية في أيار/مايو 2025 وبإغلاق جبهة الخرطوم، بدا أن الصراع يدخل طورًا جديدًا، ينتقل فيه الثقل العسكري من المركز إلى الأطراف، خصوصًا ولايات كردفان ودارفور.
في هذا السياق، واصل الجيش خلال شباط/فبراير وآذار/مارس تقدمه في ولاية شمال كردفان، مستعيدًا السيطرة على مدينتي أم روابة والرهد، ونجح في فتح الطريق القومي الرابط بين كوستي والأبيض بعد إغلاق طويل، ما ساهم في كسر حصار استمر شهورًا على مدينة الأبيض، وأعاد وصل وسط البلاد بغربها، لكنه في الوقت ذاته كشف أن الصراع لم يُحسم، بل أُعيد توزيعه جغرافيًا.
مدينة الأبيض تحتفل بتحريرها.. الجيش السوداني ينجح في فك الحصار الذي فرضته قوات الدعم السريع.#السودان pic.twitter.com/n0x8uAdio6
— نون بوست (@NoonPost) February 24, 2025
ومع انحسار المعارك في الوسط، تحولت كردفان إلى مركز الثقل العسكري الجديد. ففي أيار/مايو 2025 سيطرت مليشيا الدعم السريع على مدينة النهود بولاية غرب كردفان، ثم بسطت سيطرتها على بارا والفاشر في تشرين الأول/أكتوبر، قبل أن تحكم قبضتها في كانون الأول/ديسمبر على بابنوسة وحقول هجليج النفطية. وبذلك، باتت قوات الدعم السريع تسيطر فعليًا على كامل ولاية غرب كردفان، إلى جانب ولايات دارفور الخمس، مع استمرار حصارها لمدينتي الدلنج وكادوقلي في جنوب كردفان، ما كرس واقعًا عسكريًا قائمًا على السيطرة الإقليمية.
إضافة إلى ذلك، تميّز عام 2025 أيضًا بتوسع غير مسبوق في استخدام الطائرات المسيّرة، التي تحولت إلى أداة مركزية في إدارة الصراع، فقد استخدمت مليشيا الدعم السريع المدعومة إمارتيا مسيّرات هجومية بعيدة المدى، من طرازات يُعتقد أنها صينية الصنع، ما سمح بتوسيع مسرح العمليات ليشمل مناطق بعيدة عن خطوط المواجهة التقليدية. ووصلت الهجمات بالطائرات المسيّرة إلى بورتسودان في أيار/مايو، بعد أن كانت محصورة في ولايات مثل النيل الأبيض ونهر النيل والولاية الشمالية وأم درمان والفاشر، مستهدفة بنية تحتية حيوية، وعلى رأسها محطات الكهرباء.
في موازاة ذلك، برز الحصار كأداة حرب لا تقل فتكًا عن السلاح، فقد تسبب الحصار المفروض على مدينة الفاشر طوال عام 2025 في أزمة جوع حادة، مع نفاد السلع الغذائية، وقطع الإمدادات، ومنع وصول المنظمات الإنسانية. ومنذ حزيران/يونيو، حذّر برنامج الأغذية العالمي من تفاقم الوضع، مع نفاد الأدوية وخروج النظام الصحي عن الخدمة. وفي آب/أغسطس، أعلنت المطابخ الجماعية إغلاق أبوابها بسبب شح المواد الغذائية، ما دفع السكان تناول اعلاف الحيوانات “الامباز”، في مدينة تضم أكثر من 260 ألف مدني، بينهم نحو 130 ألف طفل، عاشوا تحت الحصار لنحو 16 شهرًا.
تجلّى التحول الأخطر في انتقال الحرب من مواجهة عسكرية مباشرة إلى نمط يستهدف المدنيين والبنية الاجتماعية نفسها، ففي نيسان/أبريل 2025 شنت مليشيا الدعم السريع هجومًا واسعًا على معسكر زمزم للنازحين، أدى إلى نزوح عشرات الآلاف إلى داخل الفاشر المحاصرة، وسط تقارير أممية تحدثت عن مقتل أكثر من ألف مدني. كما تعرض معسكر أبو شوك لسلسلة هجمات أودت بحياة مئات المدنيين خلال النصف الأول من العام. ورغم دعوة الأمم المتحدة إلى هدنة إنسانية لمدة أسبوع في حزيران/يونيو، وافق الجيش ورفضتها مليشيا الدعم السريع، في مؤشر على أن منطق الاستنزاف بات يتقدم على أي اعتبار إنساني.
عام الضربات الموجعة
اقتصاديا، دخل الاقتصاد السوداني عام 2025 وهو عمليًا بلا أدوات سيطرة فعلية، مع انتقال مركز الثقل المالي من الدولة إلى السوق الموازي، فالجنيه السوداني واصل انهياره بوتيرة متسارعة، متأثرًا بعجز الحكومة عن الوصول إلى موارد حقيقية، واعتمادها على طباعة النقود لتغطية الإنفاق الجاري والمجهود الحربي. ووفق رصد السوق، بلغ سعر الدولار في كانون الثاني/يناير 2025 نحو 2560 جنيهًا، قبل أن يقفز في نيسان/أبريل إلى 2850، ثم 3400 في آب/أغسطس، ويصل ذروته في أيلول/سبتمبر عند 3700 جنيه، قبل أن يتراجع نسبيًا إلى 3600 جنيه في كانون الأول/ديسمبر.
هذا الانهيار نتيجة مباشرة لسياسات مالية توسعية في ظل غياب الإنتاج، فقد لجأت السلطات إلى زيادة الكتلة النقدية دون غطاء، ما عمّق الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، وأفقد البنك المركزي أي قدرة حقيقية على التدخل. وبذلك، تحوّل السوق الموازي إلى المحدد الفعلي لقيمة الجنيه، وأسعار السلع، وحتى الأجور، في مشهد يعكس انتقال السلطة الاقتصادية من المؤسسات إلى شبكات غير رسمية.
التضخم، كان الوجه الآخر للأزمة، حيث سجّل في مايو/أيار 2025 أكثر من 140% مقارنة بعام سابق، ما يعكس ارتفاعًا مطردًا في مستوى أسعار المستهلك. ومع تآكل الدخول، دخلت شرائح واسعة من السكان دائرة الفقر المدقع. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2025، أعلن وزير الرعاية الاجتماعية والعمل، معتصم أحمد صالح، أن 71% من السودانيين باتوا تحت خط الفقر، في اعتراف رسمي بحجم الانهيار الاجتماعي.
في هذا المناخ، تراجع النشاط التجاري على نحو واسع، إذ فقدت الأسواق المحلية زخمها، لا فقط بسبب ضعف الطلب، وإنما نتيجة ارتفاع تكاليف الاستيراد، وتعطل طرق الإمداد، وتقلص حركة النقل بين الأقاليم. كما تأثر ميناء بورتسودان، الشريان الرئيسي للتجارة الخارجية، بتداعيات الحرب وعدم الاستقرار، ما انعكس مباشرة على حجم الواردات، ورفع كلفة السلع المستوردة، وزاد الضغط على الأسعار في الداخل.
رغم هذا الواقع، اتجهت الحكومة إلى زيادة التعرفة الجمركية خلال العام، في محاولة لتعويض تراجع الإيرادات. وبحسب قرارات رسمية، ارتفعت القيمة الجمركية للدولار من 2486 جنيهًا إلى 2827 جنيهًا بنهاية 2025 ما انعكس مباشرة على أسعار السلع المستوردة، من الغذاء إلى الدواء، وزاد الضغط على المستهلكين، دون أن يحقق استقرارًا ماليًا مستدامًا.
سوق العمل لم يكن بمنأى عن هذا التدهور، فقد أشارت تقديرات البنك الدولي إلى ارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة، مدفوعة بانكماش القطاع الخاص، وتوقف آلاف المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتسريح العمالة في التجارة والخدمات. ومع تقلص الاقتصاد الرسمي، توسعت أنماط العمل الهش وغير المنظم، ما حرم العاملين من أي حماية اجتماعية أو استقرار وظيفي.
القطاع الزراعي، الذي يُفترض أن يشكل قاعدة صمود، تعرض بدوره لاستنزاف كبير، إذ تراجعت المساحات المزروعة إلى 35% خلال الموسم الزراعي 2024–2025 مقارنة بالسنوات السابقة، بسبب انعدام الأمن، وارتفاع تكاليف المدخلات، وصعوبة التمويل، ونزوح المزارعين من مناطق الإنتاج في كردفان ودارفور والجزيرة.
أما التحويلات من الخارج، فرغم أهميتها المتزايدة، فقدت جزءًا كبيرًا من أثرها بفعل تدهور سعر الصرف، فالأموال التي تصل بالدولار أو العملات الصعبة سرعان ما تتآكل قيمتها داخل الأسواق المحلية، لتتحول من وسيلة إنقاذ نسبي إلى مجرد أداة لتأجيل الانهيار الأسري، لا أكثر.
في موازاة هذا الانهيار العام، برز قطاع الذهب كأحد المفارقات الصارخة في اقتصاد الحرب، إذ تحرّكت الدولة نحوه باعتباره موردًا سريعًا للنقد الأجنبي، في وقت تتآكل فيه بقية القطاعات. وتأتي هذه التحركات مدفوعة بأرقام إنتاج غير مسبوقة؛ فقد أعلنت الشركة السودانية للموارد المعدنية أن إنتاج الذهب خلال عام 2025 بلغ نحو 70.15 طنًا، متجاوزًا الخطة المستهدفة بنسبة 113%، مقارنة بمستهدف سنوي قدره 62.02 طنًا. ووفق البيانات الرسمية، استحوذ التعدين التقليدي على النصيب الأكبر من الإنتاج بواقع 58.376 طنًا، ما يعكس اتساع الاقتصاد الأهلي غير المنظم، مقابل محدودية مساهمة الشركات الكبرى.
غير أن هذه الأرقام، على ضخامتها، لم تترجم إلى عائدات تصديرية متناسبة، إذ لم تتجاوز صادرات الذهب الحر 12.507 طن خلال العام، محققة حصيلة تُقدّر بنحو 1.3 مليار دولار فقط. ويعكس هذا التباين الحاد بين الإنتاج الكلي والصادر الرسمي استمرار اختلالات هيكلية، على رأسها التهريب، وتعدد قنوات التسويق خارج الجهاز المصرفي، إلى جانب ضعف الثقة بين المنتجين والدولة. وهو ما يفسر محاولات السلطات تشديد الرقابة على الصادر وربطه بالبنوك، باعتباره مسارًا لضمان تدفق النقد الأجنبي إلى الخزينة العامة.
وتزداد تعقيدات المشهد عند النظر إلى الجغرافيا السياسية للإنتاج، إذ لا تشمل هذه الإحصاءات الذهب المُنتج في المناجم الواقعة تحت سيطرة مليشيا الدعم السريع، ولا مناطق نفوذ حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور في دارفور، والحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو في جنوب كردفان. وهو ما يعني أن جزءًا معتبرًا من ثروة الذهب السودانية ظل خارج أي منظومة رقابة أو إحصاء رسمي، ومتصلاً مباشرة باقتصاد الحرب وتمويله، بعيدًا عن الدولة.
هذا الواقع دفع إلى قرارات متقلبة في السياسات الرسمية، ففي 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تراجع بنك السودان المركزي عن قرار حظر الشركات من تصدير الذهب، بعد أن تسبب الحظر في أزمة مفتوحة بين مؤسسات الدولة والمصدرين، وأدى إلى شلل شبه كامل في حركة الصادر. ويعكس هذا التراجع حدود قدرة الدولة على فرض سياسات صارمة في قطاع شديد الحساسية، يعتمد عليه الاقتصاد في ظل الحرب، لكنه في الوقت نفسه يكشف هشاشة الإدارة الاقتصادية، وعجزها عن تحويل الذهب من مورد حرب إلى رافعة استقرار مالي حقيقي.
الوجه الأكثر قسوة للحرب
إنسانيا، دخل عام 2025 فيما المجتمع السوداني مثقل بإرث عامين من الحرب، لكنه حمل في بدايته تحولات متناقضة؛ إذ فتحت استعادة الجيش لولايات وسط السودان الباب أمام موجة عودة واسعة النطاق، خاصة من دول الجوار، غير أن هذا المسار سرعان ما تراجع مع انتقال ثقل المعارك الى غربي السودان، ليصبح العام ساحة شدّ وجذب بين العودة والنزوح، لا عام استقرار فعلي.
وتكشف بيانات الأمم المتحدة ومنظمة الهجرة الدولية أن عام 2025 شكّل أول عام يشهد تراجعًا نسبيًا في إجمالي أعداد النازحين داخليًا منذ اندلاع الحرب، فقد انخفض عددهم من نحو 11.5 مليون شخص في كانون الثاني/يناير إلى قرابة 9.3 مليون بحلول كانون الأول/ديسمبر.
وبحلول أواخر تشرين الثاني/نوفمبر 2025 قدّرت تقارير أممية أن إجمالي العائدين خلال العام بلغ نحو 3.3 مليون شخص، من بينهم قرابة 350 ألف عائد من مصر. وأظهرت بيانات منظمة الهجرة الدولية في منتصف كانون الأول/ديسمبر أن العدد الكلي للعائدين تجاوز 3 ملايين شخص، عاد 81% منهم من داخل السودان مقابل 19% عبر الحدود، ما يشير إلى أن العودة كانت في معظمها داخلية.
وفي مقابل هذه العودة الجزئية، واصل عدد اللاجئين السودانيين في الخارج الارتفاع، فبحلول نهاية كانون الأول/ديسمبر 2025 قُدّر عددهم بنحو 4.3 مليون لاجئ، مقارنة بحوالي 3.8 مليون في نهاية 2024 وتركزت الأعداد الأكبر في مصر وجنوب السودان وتشاد، مع وجود مجموعات أقل في إثيوبيا وأوغندا.
وبعد سيطرة مليشيا الدعم السريع على مدينة بارا، وخلال الفترة الممتدة بين 25 تشرين الأول/أكتوبر و17 كانون الأول/ديسمبر 2025، نزح أكثر من 50,445 شخصًا في ولايات كردفان. وبحلول كانون الأول/ديسمبر، أفادت تقارير أممية بأن مدينة الأبيض وحدها استقبلت أكثر من 200 ألف نازح قادمين من ولاية غرب كردفان. وبنهاية العام، قدّرت مصفوفة تتبع النزوح أن ولايات كردفان الثلاث تستضيف أكثر من مليون نازح داخلي، من بينهم نازحون منذ سنوات، إضافة إلى موجات النزوح الحديثة المرتبطة بتصاعد المعارك.
وفي دارفور، بلغ النزوح ذروته مع سقوط الفاشر، إذ نزح بين 26 تشرين الأول/أكتوبر و8 كانون الأول/ديسمبر 2025 نحو 107,294 شخصًا (24,221 أسرة) من المدينة والقرى المحيطة بها، في أكبر موجة نزوح تشهدها المنطقة خلال العام، ما أعاد إنتاج الأزمة الإنسانية بأكثر صورها قسوة.
وسط هذه التحولات السكانية، كان النظام الصحي أحد أكثر القطاعات تضررًا، فقد وثّقت منظمة الصحة العالمية خلال عام 2025 وحده 65 هجومًا على مرافق الرعاية الصحية في السودان، أسفرت عن أكثر من 1,620 قتيلًا و276 مصابًا من المرضى والكادر الطبي، وهو رقم جعل السودان من أكثر الدول تسجيلاً للهجمات على القطاع الصحي عالميًا خلال العام. ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 وحتى نهاية 2025، بلغ عدد الهجمات الموثقة 201 هجومًا، أسفرت عن 1,858 وفاة و490 إصابة.
ويمثل الهجوم على المستشفى السعودي في الفاشر ذروة هذا المسار، فوفقًا لمنظمة الصحة العالمية، تعرّض المستشفى خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر 2025 وحده للقصف أربع مرات، ما أسفر عن مقتل نحو 75 شخصًا. ثم عادت المنظمة، في 28 تشرين الأول/أكتوبر، لتوثق مقتل نحو 460 شخصًا، بينهم مرضى وذووهم وكوادر طبية، ووصفت الهجوم بأنه الأكثر دموية على منشأة طبية منذ بدء الحرب. ولم تكن هذه الحادثة استثناءً، بل جزءًا من نمط أوسع جعل المستشفيات نفسها غير آمنة.
ووفق تقديرات منظمة الصحة العالمية وأطباء بلا حدود، فإن نحو 70–80% من المرافق الصحية في مناطق النزاع كانت مغلقة أو تعمل بطاقة دنيا خلال 2025، بسبب القصف، ونقص الكوادر، وانعدام الإمدادات الطبية والوقود، وأسهم هذا الانهيار في تفشّي أوبئة مثل الكوليرا، خاصة في الخرطوم ومناطق النزوح، مع عجز شبه كامل عن الاستجابة الصحية.