شهدت العلاقات العربية مع سوريا تطورًا جديدًا في 5 يناير/كانون الثاني 2026 بإعلان مصر توقيع مذكرتي تفاهم لتوريد الغاز الطبيعي والمشتقات البترولية إلى دمشق للمرة الأولى منذ اندلاع الثورة هناك قبل 14 عامًا.
يأتي هذا التطور في وقت تعاني فيه سوريا أزمة حادة في الطاقة بعد سنوات الحرب والعقوبات، مما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان الأمر مجرد صفقة طارئة لإنقاذ قطاع الكهرباء المتعثر، أم خطوة استراتيجية لفتح قناة اقتصادية عربية تعيد ربط دمشق بالمنطقة.
تفاصيل الاتفاقية الجديدة
أعلنت وزارة البترول المصرية أنها وقعت مذكرتي تفاهم مع وزارة النفط والثروة المعدنية السورية للتعاون في ما يلي:
- تزويد سوريا بالغاز الطبيعي اللازم لتوليد الكهرباء.
- تلبية احتياجات سوريا من المشتقات النفطية.
- بحث التعاون في إعادة تأهيل البنية التحتية لمنشآت الغاز والنفط السورية.
وبحسب البيان المصري، سيتم نقل الغاز إلى سوريا:
- عبر سفن إعادة تحويل الغاز المسال إلى حالته الغازية (FSRU) قبالة الساحل
- أو عبر شبكات أنابيب الغاز القائمة
هذه الاتفاقيات مبدئية ولم يُعلن عن قيمتها المالية أو حجم الإمدادات، لكنها تمثل أول تعاون من نوعه بين القاهرة ودمشق في قطاع الطاقة منذ ما قبل الحرب، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشرًا مهمًا في سياق عودة سوريا المتسارعة إلى محيطها العربي.

إنقاذ عاجل أم بوادر ربط اقتصادي؟
لا شك أن الأزمة الكهربائية الخانقة في سوريا كانت دافعًا رئيسيًا وراء هذه الخطوة، فبسبب الحرب والإهمال، فقدت منظومة الطاقة السورية قدرتها على الصمود.
وبات معظم السوريين يحصلون على أقل من ثلاث ساعات من الكهرباء يوميًا في العديد من المناطق، نتيجة الانقطاع الطويل والتيار الضعيف الناجم عن عجز محطات التوليد ونقص الوقود.
وتنتج سوريا حاليًا جزءا يسيرا من احتياجاتها الكهربائية بسبب تضرر المحطات وخطوط النقل ونقص الوقود خلال 14 عامًا من الحرب. وقد أجبر هذا العجز الحاد الحكومة على تقنين التيار بشكل صارم وفرض تقنين يمتد لساعات طويلة يوميًا.
في هذا السياق، يأتي الغاز المصري كمصدر وقود حيوي يمكن أن يعيد تشغيل بعض المحطات المعطلة ويخفف وطأة التقنين على المواطنين، لكن الدلالة تتجاوز البعد الكهربائي الآني إلى بعد إستراتيجي أشمل يتعلق بإعادة دمج سوريا اقتصاديًا مع جوارها بعد سنوات العزلة.
ويُنظر إلى اتفاقيات الطاقة كوسيلة لكسر الجمود؛ إذ أنها تحمل في طياتها بعدًا دبلوماسيًا يتمثل في توثيق الروابط السياسية عبر بوابة التعاون الاقتصادي. وعلى سبيل المثال، اتخذت دول عربية أخرى خطوات في هذا المجال أبرزها:
- تقديم السعودية منحة نفطية لسوريا في 2025 بلغ حجمها 1.65 مليون برميل من الخام لتحسين تشغيل مصافي التكرير السورية.
- تعهّد الأردن العام الماضي بربط شبكته الكهربائية بسوريا وتزويدها بالكهرباء فور إصلاح خطوط النقل بين البلدين.
- بدأت تركيا في مارس/آذار 2025، إمداد سوريا بالغاز بتمويل قطري مما وفر نحو 400 ميغاواط من الكهرباء يوميًا للسوريين.
- مولت قطر إيصال الغاز الأذربيجاني عبر تركيا إلى سوريا، حيث جرى تدشين خط الغاز الجديد في ولاية كيليس التركية صيف 2025.
عوائق البنية التحتية
رغم الزخم السياسي وراء هذه الاتفاقيات، تبرز تحديات لوجستية وبنيوية مهمة أمام ترجمتها عمليًا على الأرض.
- شبكات نقل الطاقة من غاز وكهرباء تعرضت لأضرار بالغة خلال الحرب؛ إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من 70% من محطات توليد الكهرباء وخطوط النقل في سوريا تضررت أو تهالكت بفعل المعارك وسنوات الإهمال.
- كما انخفضت القدرة الإجمالية للشبكة السورية بأكثر من ثلاثة أرباع عما كانت عليه قبل الحرب.
- هذا يعني أن إيصال الغاز المصري أو غيره إلى وجهته داخل سوريا سيحتاج إلى ترميم للأنابيب وشبكات التوزيع الداخلية.
وكانت القاهرة وعمّان ودمشق وبيروت قد اتفقت أوائل العقد الماضي على مشروع لتمديد أنبوب الغاز المصري إلى سوريا ثم لبنان، لكنه تعثر مع اندلاع الثورة السورية.
ورغم ذلك عاد الحديث عنه في عام 2021 ضمن خطة أوسع لمساعدة بيروت على تأمين الطاقة عبر الأراضي السورية. وبالفعل، وُقّع اتفاق في يونيو/حزيران 2022 لنقل 650 مليون متر مكعب سنويًا من الغاز المصري إلى لبنان عبر سوريا بهدف تخفيف أزمة الكهرباء اللبنانية.
تخلل تلك الصفقة إصلاح أجزاء من خط الأنابيب المار في سوريا والتأكد من سلامته، مما يعني أن البنية الأساسية لخط الغاز العربي قد تكون جاهزة للاستخدام نسبيًا حاليًا.
لكن في الحالة السورية الجديدة، ستحتاج القاهرة ودمشق أيضًا لضمان سلامة وصلات الأنابيب الفرعية التي ستنقل الغاز من الخط الرئيسي (أو من موانئ التفريغ العائمة) إلى محطات الكهرباء داخل سوريا، وهو تحدٍ هندسي ولوجستي قابل للحل لكنه يستغرق وقتًا واستثمارات.
على جانب آخر، قد تعتمد الخطة المصرية أيضًا على خيار ناقلات الغاز المسال (LNG) بدلًا من الأنابيب البرية لنقل الغاز إلى سوريا، خاصة إذا تأخر تأهيل الخط البري.
في هذا السيناريو، يمكن لمصر – التي تمتلك محطات لإسالة الغاز في البحر المتوسط – أن تصدّر شحنات غاز مسال بحريًا إلى مرفأ سوري يحتوي وحدة إعادة تغويز عائمة تقوم بتحويل الـ LNG إلى غاز وإدخاله في الشبكة المحلية، إلا أن استخدام هذا الأسلوب يتطلب تجهيزات تقنية في الموانئ السورية وربما استئجار سفن متخصصة باهظة الثمن.
كذلك فإن نقل المشتقات النفطية سيتطلب أسطولًا من الصهاريج البرية أو الناقلات البحرية لإيصال الوقود من مصر إلى سوريا عبر الأردن أو عبر البحر المتوسط، ما يستدعي ترتيبات لوجستية لحماية هذه القوافل وتأمين سلاسة عبورها للحدود.
أثر الاتفاق على سوريا
داخليًا، يمكن أن يكون لهذه الخطوة أثر ملموس على حياة السوريين إذا ما سارت حسب المأمول، فإدخال كميات إضافية من الغاز الطبيعي إلى شبكة محطات التوليد السورية سيعني تشغيل المزيد من التوربينات وزيادة ساعات التغذية الكهربائية التي تصل إلى منازل السوريين ومنشآتهم.
وقد قدّر وزير الطاقة التركي ألب ارسلان بيرقدار – عند إطلاق مشروع الغاز التركي الأذربيجاني لسوريا – أن الغاز المستورد سيسمح بتشغيل محطة توليد بقدرة تقارب 1200 ميغاواط، مما يغطي حاجة حوالي 5 ملايين منزل من الكهرباء.
ورغم أن احتياجات سوريا تفوق ذلك بكثير، فإن أي زيادة في التوليد فوق المستوى الحالي (حوالي 2000 ميغاواط من أصل 7500 قبل الحرب)، ستخفف بلا شك من معاناة المواطنين اليومية مع الظلام والمولدات الخاصة الباهظة التكلفة.
إلى جانب ذلك، فإن توفر المشتقات النفطية مثل الديزل والمازوت عبر القنوات الرسمية قد ينعكس إيجابًا على أسعار السوق السوداء ويلجم ارتفاعها الجنوني الذي أثقل كاهل السوريين في الشتاء.
على الصعيد الاقتصادي الأوسع، قد يقلل تنوع مصادر الطاقة من اعتماد سوريا المطلق على حلفاء معينين ويزيد تنويع قائمة شركائها.
في المحصلة، يمكن القول إن توريد مصر الغاز والبترول إلى سوريا خطوة ذات أبعاد متعددة: فهي من جهة إسعاف عاجل لقطاع الكهرباء السوري المتهالك بما يخفف الظلام عن بيوت السوريين.
ومن جهة أخرى إشارة سياسية قوية لتسارع عودة دمشق إلى عمقها العربي عبر بوابة الاقتصاد والخدمات الأساسية مما يفتح الباب لمزيد من التعاون مع سوريا في مجالات أخرى.