يُعد استئناف تشغيل خط أنابيب كركوك–جيهان تطورًا مفصليًا في مشهد الطاقة الإقليمي، إذ يأتي في لحظة حرجة يواجه فيها الاقتصاد العراقي تحديات هيكلية، كما يتجاوز أثر هذا التطور الجوانب النفطية والتجارية، ليشمل إعادة ترتيب التوازنات السياسية والأمنية بين بغداد وأربيل وأنقرة.
على مدى أكثر من نصف قرن، لم يكن خط كركوك–جيهان مجرد بنية تحتية لنقل النفط، بل مرآة لتحولات السياسة الإقليمية من التأميم والحروب إلى العقوبات والانقسامات الداخلية، ورغم الإغلاق والتخريب وإعادة الإحياء المتكررة، ظل الخط شاهدًا على قدرة الجغرافيا والمصلحة الاقتصادية على فرض استمراريتها حتى في أكثر مناطق العالم اضطرابًا.
اقتصاديًا، يشكل استئناف تدفق النفط عبر خط كركوك–جيهان دعمًا مهمًا لإيرادات العراق، لا سيما في ظل اعتماد الموازنة العامة على العائدات النفطية، كما يخفف الضغط عن قنوات التصدير الجنوبية ويمنح بغداد هامشًا أوسع لإدارة تدفقاتها النفطية.
بالنسبة لإقليم كردستان، تمثل عودة التشغيل مسارًا ذا وجهين، إذ تتيح من جهة استئناف تصدير النفط بعد توقف أضر بالاقتصاد المحلي وبقدرة الإقليم على الوفاء بالرواتب وتمويل الخدمات العامة، لكنها من جهة أخرى تعيد تنظيم العلاقة القانونية والسياسية مع الحكومة الاتحادية، وتقلص هامش الاستقلالية الذي تمتع به الإقليم خلال السنوات الماضية.
في حين تنظر تركيا إلى إعادة تشغيل خط كركوك–جيهان بوصفه فرصة لتعزيز موقعها كمركز محوري في عقدة الطاقة الإقليمية، وتعزيز قدرتها التفاوضية مع العراق والاتحاد الأوروبي وشركات الطاقة العالمية. وعلى المستوى الدولي، تعكس هذه العودة تنامي الاهتمام باستقرار إمدادات الطاقة في ظل الاضطرابات الجيوسياسية.
الجذور السياسية والاقتصادية لخط أنابيب كركوك–جيهان (1958–1979)
لم يكن إنشاء خط أنابيب كركوك–جيهان مشروعًا تقنيًا محضًا، بل جاء ثمرة تحولات سياسية واقتصادية عميقة في العراق وتركيا منذ أواخر الخمسينيات، فبعد ثورة 1958 في العراق، سعت بغداد إلى استعادة سيادتها على مواردها النفطية.
وفي الوقت نفسه، كانت تركيا تواجه إخفاقات متكررة في اكتشاف احتياطيات نفطية، إضافة إلى شعورها بالعزلة بعد موقف الولايات المتحدة خلال أزمة قبرص عام 1964، ما دفعها للبحث عن مصادر طاقة مستقرة عبر التقارب مع جيرانها النفطيين، وفي مقدمتهم العراق.
توج هذا التقارب بتوقيع اتفاقية تجارية عام 1965 جعلت العراق سوقًا رئيسية للصادرات التركية، فيما باتت تركيا زبونًا رئيسيًا للنفط العراقي، ومع إغلاق سوريا لخط أنابيب كركوك–بانياس عام 1967 بسبب الحرب، أعادت بغداد النظر في خيار تصدير نفط شمال البلاد مباشرة عبر الأراضي التركية كبديل أكثر أمانًا وأقل تكلفة سياسية.
وفي عام 1967 قام الرئيس العراقي عبد الرحمن عارف بزيارة إلى أنقرة أفضت إلى اتفاق مبدئي بإنشاء خط أنابيب ينقل نفط كركوك إلى ميناء جيهان على البحر المتوسط، وفي العام التالي، بدأ العراق تصدير النفط إلى تركيا عبر السكك الحديدية، وبحلول مطلع السبعينيات، أصبح العراق المورد لنحو 75% من واردات تركيا النفطية، ورغم هذا التقارب، أدت الانقلابات السياسية في البلدين إلى تأجيل تنفيذ خط الأنابيب.
وجاء تأميم العراق لامتيازات شركة النفط العراقية في 1 يونيو/حزيران 1972 ليشكل نقطة تحول أعادت إحياء المشروع المؤجل، فقد منح بغداد استقلالية أكبر في إدارة مواردها، ودفعها إلى تسريع البحث عن مسارات تصدير لا تخضع لهيمنة الشركات الكبرى أو لتقلبات التحالفات الإقليمية، وفي هذا السياق، سارعت تركيا إلى دعم قرار التأميم، لتبدأ مفاوضات مباشرة بين الطرفين حول خط أنابيب كركوك–جيهان.

وفي 1 مايو/أيار 1973، أفضت هذه المفاوضات إلى توقيع بروتوكول رسمي بين شركة النفط الوطنية العراقية وشركة النفط التركية، نص على إنشاء خط أنابيب بطاقة تشغيلية أولية تبلغ 500 ألف برميل يوميًا، مع إمكانية رفعها لاحقًا.
ويمتد الخط لمسافة تقارب 600 ميل، من كركوك مرورًا بديار بكر داخل الأراضي التركية وصولًا إلى ميناء جيهان على البحر المتوسط، على أن تدفع بغداد رسوم عبور قدرها 35 سنتًا للبرميل، إلى جانب تزويد تركيا بحصة من النفط للاستهلاك المحلي بأسعار تفضيلية.
غير أن حرب أكتوبر 1973 والحظر النفطي العربي قلبا الحسابات، إذ ارتفعت أسعار النفط أربعة أضعاف، ووجدت تركيا نفسها عاجزة عن تحمل الأسعار الجديدة، بينما رفض العراق منحها امتيازات في ظل حاجته المتزايدة للمال، وأسفرت الخلافات حول الأسعار ورسوم العبور إلى تعليق التنفيذ مؤقتًا.
ثم استؤنف خط أنابيب كركوك–جيهان في أبريل/نيسان 1975، وأنهى العراق الجزء الواقع داخل أراضيه في سبتمبر/أيلول 1976، وتبعت تركيا بإكمال قسمها في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه.
وافتُتح الخط رسميًا في يناير/كانون الثاني 1977، إلا أن تشغيله بقي دون طاقته المصممة، إذ لم تتجاوز التدفقات 160 ألف برميل يوميًا بدلًا من 500 ألف، نتيجة الخلافات المالية وتأخر أنقرة في سداد مستحقات النفط، إلى جانب النزاع حول حصص المياه في نهر الفرات.

وفي ديسمبر/كانون الأول 1977، أوقف العراق الضخ كليًا بعد تراكم ديون تركية قُدرت بنحو 230 مليون دولار، واستمر الجمود حتى أغسطس/آب 1978، حين توصل الطرفان إلى اتفاق مقايضة يجمع بين المدفوعات النقدية وتوريد السلع الزراعية والصناعية، وقد أسهم هذا الحل في إنقاذ العلاقة النفطية بين البلدين، ولا سيما مع الارتفاع الحاد في أسعار النفط عقب الثورة الإيرانية.
الحرب العراقية–الإيرانية وصعود الخط إلى الذروة (1980–1990)
رغم الضغوط التي فرضتها الحرب العراقية–الإيرانية في بداياتها، شهد خط أنابيب كركوك–جيهان تحسنًا ملحوظًا في أدائه بعد عام 1981، بالتوازي مع الانخفاض التدريجي في أسعار النفط العالمية. ومع عام 1982، وبعد إغلاق منافذ التصدير العراقية عبر الخليج نتيجة الحصار الإيراني، تحول خط كركوك–جيهان إلى المنفذ الرئيسي والوحيد لصادرات النفط العراقية.
هذا الواقع دفع بغداد وأنقرة إلى الاستثمار في توسيع طاقة الخط، فجرى إنشاء خط موازٍ رفع القدرة إلى مليون برميل يوميًا، ثم أُضيفت محطات ضخ إضافية أوصلت الطاقة الإجمالية إلى نحو 1.5 مليون برميل يوميًا بحلول عام 1988، ليصبح آنذاك أكبر منظومة خطوط أنابيب في الشرق الأوسط.
العقوبات والانهيار التدريجي (1990–2003)
تميز خط أنابيب كركوك–جيهان بدرجة عالية من الاستمرارية والنجاح خلال الفترة من عام 1977 حتى عام 2003، إذ لم يتعرض للإغلاق الكامل سوى مرة واحدة، وذلك بين عامي 1991 و1996، عندما التزمت تركيا بتطبيق عقوبات الأمم المتحدة المفروضة على العراق عقب غزوه للكويت عام 1990.
وخلال تلك المرحلة، ورغم استئناف الضخ لاحقًا بشكل محدود ضمن برنامج النفط مقابل الغذاء، لم تعد مستويات التدفق إلى ما كانت عليه قبل الحرب والعقوبات، غير أن التحول الأعمق جاء مع الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، الذي مثل ضربة قاصمة للجزء العراقي من الخط، بعدما دمر التحالف الغربي محطة الضخ IT2-A شمال بيجي، وتعرضت البنية التحتية النفطية لسلسلة واسعة من أعمال التخريب على يد جماعات مسلحة.
أربيل.. تصدير مستقل وتفاقم الخلاف مع بغداد
بعد عام 2003، ومع إخفاق بغداد وأربيل في إقرار قانون وطني للهيدروكربونات، نشأ فراغ قانوني أتاح لحكومة إقليم كردستان فرض سيطرة فعلية على نفط شمال العراق. وتعود جذور الأزمة الحالية إلى عام 2007، حين أصدر الإقليم قانون النفط والغاز الخاص به، وأسس بموجبه شركات محلية للتنقيب والإنتاج والتسويق، وأبرم عشرات العقود مع شركات أجنبية من دون موافقة الحكومة المركزية، وهو ما اعتبرته بغداد انتهاكًا للدستور واعتداءً على صلاحياتها في إدارة الثروة النفطية.
توقيع مذكرة تفاهم رباعية بين العراق وتركيا وقطر والإمارات للتعاون في مشروع “طريق التنمية”، تتضمن قيام الدول الموقعة بوضع الأطر اللازمة لتنفيذ المشروع.
📌 يعد مشروع “طريق التنمية” طريقا بريا وسكة حديدية، يمتد من العراق إلى تركيا ويبلغ طوله 1200 كيلومتر، ويهدف إلى نقل البضائع بين… pic.twitter.com/DExawW4uKp
— نون بوست (@NoonPost) April 22, 2024
وابتداءً من عام 2013، شرع إقليم كردستان في تصدير النفط بشكل مستقل عبر الأراضي التركية، وقد وفرت هذه الصادرات موردًا ماليًا حيويًا لحكومة الإقليم، لكنها فجرت أزمة سياسية وقانونية مع بغداد التي اعتبرتها غير دستورية، واتهمت أنقرة بانتهاك معاهدة خط كركوك–جيهان لعام 1973، التي تشترط موافقة الحكومة الاتحادية على أي صادرات تمر عبر تركيا.
مع اجتياح تنظيم داعش لمناطق واسعة من العراق عام 2014، تعطلت مشاريع التنمية، وغادر العديد من المستثمرين، وتعمقت الانقسامات داخل البيت الكردي، إذ تبادل الحزبان الرئيسيان، الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، الاتهامات بسرقة النفط وسوء إدارة العائدات.
التوقف عام 2023 والخلاف مع تركيا
واصل إقليم كردستان تصدير النفط بشكل مستقل عن بغداد، فيما صعدت الأخيرة اتهاماتها ووصفت هذه العمليات بتهريب النفط، وبلغ النزاع ذروته عام 2022، عندما أبطلت المحكمة الاتحادية العليا قانون النفط والغاز الصادر عن الإقليم عام 2007، معتبرةً أنه مخالف للدستور، ما أدى عمليًا إلى التشكيك في جميع العقود المبرمة مع شركات النفط الدولية.
أفضت الأزمة إلى معركة قانونية دولية، بدأت بدعوى تحكيم رفعتها بغداد عام 2014 أمام غرفة التجارة الدولية، متهمةً تركيا بتسهيل صادرات نفطية غير مصرح بها من إقليم كردستان. وفي مارس/آذار 2023، صدر حكم لصالح العراق، أُلزمت بموجبه أنقرة بدفع نحو 1.5 مليار دولار تعويضًا عن صادرات تمت بين عامي 2014 و2018، وبناءً على هذا الحكم، تم وقف تدفق النفط عبر خط كركوك–جيهان.
🧵معاهدة تصدير النفط بين العراق وتركيا: لماذا ألغتها أنقرة بعد 52 عامًا؟
📌 أعلنت #تركيا رسميًا نيتها إنهاء اتفاقية خط أنابيب النفط مع العراق، والتي تعود إلى عام 1975. القرار يسري فعليًا بعد عام، بدءًا من 27 يوليو 2026، بناءً على البند 11 والذي يسمح لأي طرف بإنهاء الاتفاق… pic.twitter.com/S0nqhhceSu
— نون بوست (@NoonPost) July 24, 2025
قبل الإغلاق، كان الخط ينقل قرابة 500 ألف برميل يوميًا، رغم أن طاقته القصوى تبلغ 1.5 مليون برميل، وأسفر التوقف عن خسائر كبيرة لحكومة إقليم كردستان، قُدرت بمليارات الدولارات، وأثر سلبًا في دفع الرواتب واستمرارية الشركات الصغيرة والمتوسطة، بينما تأثرت بغداد بدرجة أقل لاعتماد صادراتها أساسًا على الموانئ الجنوبية، ووفق تقديرات جمعية صناعة النفط في كردستان، تجاوزت الخسائر الإجمالية للعراق 35 مليار دولار.
وبعد مفاوضات شملت الحكومة الاتحادية في بغداد، وحكومة إقليم كردستان، وتركيا، وشركات النفط الدولية، استأنف العراق في سبتمبر/أيلول 2025 تصدير النفط عبر خط كركوك–جيهان بعد توقف دام عامين ونصف.
تم التوصل إلى اتفاق مبدئي تتولى بموجبه شركة النفط العراقية (سومو) إدارة الصادرات رسميًا، مقابل حصول الإقليم على حصة من العائدات، فيما أصرت تركيا على ربط أي اتفاقات مستقبلية بتوسيع التعاون في مجالات الغاز والكهرباء والبتروكيماويات، وربما الموارد المائية.
جاء الاستئناف بمستوى إنتاج متواضع، يقارب 200 ألف برميل يوميًا، لكنه يحمل دلالة سياسية كبيرة، فقد أكد وزير الطاقة التركي بيرقدار سعى أنقرة إلى نقل علاقتها الطاقوية مع العراق إلى مرحلة جديدة، وحددت تركيا يوليو/تموز 2026 موعدًا نهائيًا للتوصل إلى اتفاق شامل جديد.
في المقابل، شدد وزير النفط العراقي حيان عبد الغني على أن الاستئناف يهدف إلى تعزيز العائدات النفطية وضمان انتظام الضخ، فيما وصف رئيس وزراء إقليم كردستان استئناف ضخ الغاز بأنه إنجاز تاريخي.
الأبعاد الاقتصادية لاستئناف تشغيل خط كركوك–جيهان
يشكل استئناف تشغيل خط أنابيب كركوك–جيهان خطوة اقتصادية ذات تداعيات واسعة، لا تقتصر على زيادة حجم الصادرات النفطية فحسب، بل تشمل أيضًا إعادة تشكيل هيكل الاقتصاد العراقي، وإعادة ضبط علاقة الحكومة المركزية بالإقليم، مع الأخذ في الاعتبار تداخل ثلاثة مستويات متشابكة، الداخل العراقي، الحسابات التركية، والتفاعل الإقليمي والدولي.
الاقتصاد العراقي: مرونة التصدير واستقرار الإيرادات
شكل الضغط الاقتصادي العامل الأبرز الذي دفع بغداد وأربيل نحو تفاهمات سمحت بإعادة تشغيل الخط، ومنذ سبتمبر وحتى ديسمبر 2025، شهدت صادرات النفط عبر خط كركوك–جيهان استئنافًا فعليًا، حيث تم نقل أكثر من 13 مليون برميل نفط.
يصدر العراق حاليًا نحو أربعة ملايين برميل يوميًا معظمها عبر ميناء البصرة، ويتيح استئناف خط كركوك–جيهان تصدير حوالي 40% من هذه الكمية عبر مسار بديل يصل إلى أوروبا والبحر الأبيض المتوسط، ما يخفف الضغط على الجنوب ويزيد مرونة بغداد في إدارة صادراتها.
وأكد المحلل السياسي ياسين عزيز أن استئناف تشغيل الخط يمثل اختراقًا مهمًا بعد 18 عامًا من المفاوضات المتعثرة، ورغم أن حجم الصادرات الحالي محدود بحوالي 200 ألف برميل يوميًا، فإن هناك تفاؤلًا بزيادته إلى أكثر من 400 ألف برميل يوميًا، كما شدد عزيز على أهمية سن قانون وطني للطاقة لتوضيح الاختصاص القضائي على موارد النفط والغاز وتجنب النزاعات السابقة.
إقليم كردستان: انتعاش مقيد بالسيطرة الاتحادية
ألحق توقف خط كركوك–جيهان لمدة تتراوح بين سنتين وثلاث سنوات أضرارًا بالغة باقتصاد إقليم كردستان، وانعكس ذلك مباشرة على قدرة الإقليم على دفع الرواتب وتمويل مؤسساته، وأدى إلى تراجع النشاط الاقتصادي في قطاعات متنوعة تشمل الزراعة والصناعة والسياحة، كما ساهم في تفاقم تهريب النفط.
مع استئناف تشغيل الخط، أصبح بالإمكان دعم الرواتب المتأخرة وضمان انتظام التمويل للعمليات الاقتصادية في الإقليم، يتيح الاستئناف للإقليم الحفاظ على متنفس مالي مهم، مع تعزيز قدرة الحكومة الاتحادية على ضبط الإنفاق العام ومراقبة الصادرات النفطية.
على الصعيد السياسي، لم يعد الإقليم قادرًا على إدارة صادراته النفطية بشكل شبه مستقل، وأصبح مرتبطًا بالإطار الاتحادي، كما أُلزم بتحويل العائدات إلى الخزينة الاتحادية، وهو ما يمثل خطوة تاريخية نحو توحيد السياسة النفطية بين بغداد وأربيل بعد أكثر من 20 سنة من الخلافات حول حصص الإنتاج والحقوق الدستورية.
المكاسب التركية: من العوائد المالية إلى النفوذ الاستراتيجي
يشكل استئناف تشغيل خط أنابيب كركوك–جيهان مكسبًا مزدوجًا لتركيا اقتصاديًا واستراتيجيًا، على الصعيد الاقتصادي، تستفيد أنقرة مباشرة من رسوم العبور وتشغيل البنية التحتية، إضافة إلى نشاط ميناء جيهان. كما يدعم استئناف الخط آلاف الوظائف غير المباشرة، ما يضاعف الأهمية الاقتصادية للممر ويجعل تركيا حريصة على الحفاظ عليه واستثماره بأقصى فعالية.
وقد استثمرت تركيا مليارات الدولارات لإعادة تأهيل البنية التحتية للخط داخل أراضيها، وتجني حاليًا نحو 1.5 دولار كرسوم عبور لكل برميل، ما يعادل بين 250 و300 مليون دولار سنويًا، إلى جانب إيرادات إضافية من خدمات ميناء جيهان تُقدر بنحو 365 مليون دولار، وتسعى تركيا لإعادة التفاوض على اتفاقية أكثر شمولية وربحية.
على الصعيد الاستراتيجي، يعزز خط كركوك–جيهان موقع تركيا كمركز ترانزيت رئيسي يربط بين منتجي النفط في الشرق الأوسط والأسواق الأوروبية، ويمنحها نفوذًا تفاوضيًا مع الاتحاد الأوروبي وشركات الطاقة الدولية، كما يوسع قدرتها على المناورة في الملفات السياسية والاقتصادية المعقدة. يُغذي الخط بشكل أساسي دولًا أوروبية مثل إيطاليا وإسبانيا واليونان، في حين تستهلك تركيا جزءًا محدودًا من نفط كركوك.
ووفقًا لعدة باحثين أتراك، يبرز اهتمام أنقرة الكبير بإعادة تشغيل الخط الذي ظل مغلقًا لمدة عامين نتيجة الخلافات بين بغداد وأربيل حول حصص الإنتاج والحقوق الدستورية، كدليل على أهمية الروابط الاستراتيجية واللوجستية بين تركيا وأوروبا.
التفاعلات الإقليمية والدولية
يكتسب استئناف تشغيل خط كركوك–جيهان بُعدًا إقليميًا ودوليًا أوسع في ظل تقلبات أسعار النفط والمنافسة على طرق التصدير الآمنة، حيث يؤثر تشغيله على موازين الطاقة لكل من تركيا والعراق وإيران، يتضمن الخط خطين رئيسيين بقطر 40 و46 بوصة، بسعة إجمالية تتراوح بين 1.4 و1.5 مليون برميل يوميًا، أي نحو 2.5% من الطلب العالمي على النفط.
وتنظر طهران إلى إعادة تشغيل الخط بحذر تكتيكي، فهي لا تعارض زيادة صادرات العراق ما دام ذلك لا يهدد نفوذها الداخلي، لكنها تتحفظ على أي ترتيبات قد توسع الدور التركي في المنطقة.
في المقابل، أعربت واشنطن عن دعمها لاستئناف تشغيل الخط للحد من استفادة إيران من نفط كردستان الذي كانت تحصل عليه بأسعار منخفضة وتبيعه بأسعار مضاعفة. كما يوفر الإطار الاتحادي العراقي بيئة قانونية وتنظيمية مناسبة لعمل الشركات الدولية دون الحاجة للانخراط المباشر في الصراعات الداخلية.
وقد رحبت وزارة الخارجية الأمريكية بالاتفاق بين الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان وشركات النفط العالمية لإعادة فتح خط الأنابيب، مشيرةً إلى أن الاتفاق يسرته الولايات المتحدة.
أما موسكو، فتتبنى موقفًا يركز على تعزيز حضورها في قطاع الطاقة العراقي من خلال استئناف الشركات الروسية لأنشطتها في إقليم كردستان والمشاركة في المشاريع النفطية هناك.
ويوضح الباحث حمزة حداد الدوافع الأمريكية لاستئناف تشغيل الخط، كالحد من تهريب النفط غير المشروع من إقليم كردستان إلى إيران، وإعادة تنشيط شركات النفط المتوقفة في الإقليم الكردي، وبالتالي، ترى واشنطن في تشغيل الخط أداةً للحد من النفوذ الإيراني.
ومع ذلك، يواجه استئناف تشغيل الخط تحديات مالية وإدارية وقانونية، بما في ذلك الحاجة إلى وضع آلية شاملة لتنظيم إنتاج النفط وتصديره من شمال العراق، كما أن التحديات الأمنية ما زالت قائمة، إذ أدت هجمات الطائرات المسيرة على حقول النفط في كردستان – والتي يُعتقد أن ميليشيات موالية لإيران نفذتها – إلى تعليق بعض المنشآت مؤقتًا.
بجانب غياب إطار قانوني ملزم لتنظيم عقود النفط في كردستان، فقد طعنت المحاكم الاتحادية في شرعية العقود التي وقعتها حكومة الإقليم مع شركات أجنبية، مثل توتال، وقطر للطاقة، وبي بي، وهونغ كونغ، وشيفرون، والتي تبلغ قيمتها الإجمالية عشرات المليارات من الدولارات، وبالتالي تحتاج هذه الشركات إلى بيئة قانونية واضحة للعمل بفعالية.
في المجمل، يعكس استئناف تصدير نفط شمال العراق عبر خط كركوك–جيهان رغبة مشتركة بين الأطراف الأربعة الرئيسية، الحكومة الاتحادية، وحكومة إقليم كردستان، وشركات النفط العاملة، وتركيا، في المضي قدمًا نحو تنظيم صادرات النفط وضمان استقرار الإمدادات بعد سنوات من الخلافات. ويُتوقع أن تعيد هذه الخطوة بعض الثقة بين بغداد وأربيل، وتحد من من التدهور في قطاع النفط والاقتصاد العراقي.