مرة أخرى، تُضاف ثلاثون يومًا إلى “الاستثناء” الذي صار في تونس أقرب إلى القاعدة، فبمرسوم رئاسي جديد، مُدِّدت حالة الطوارئ شهرًا إضافيًا لتستمر حتى 30 يناير/كانون الثاني 2026، في حلقة تمديد لا تنتهي منذ سنوات.
لكن السؤال لم يعد: لماذا تُمدَّد الطوارئ؟ بل: كيف تحوّلت إلى طريقة حكم، يحاول رئيس النظام التونسي قيس سعيد عبرها إدارة الحكم وضبط الشوارع وإعادة صياغة المجال العام على مقاس السلطة؟
قصة حالة الطوارئ
بدأ هذا الوضع الاستثنائي في تونس غداة الثورة؛ فإثر الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي في يناير/كانون الثاني 2011، فُرضت الطوارئ لاحتواء الانفلات الأمني، واستمرت حتى مارس/آذار 2014 حين تم رفعها.
لكن بعد ذلك بعام، عادت لتفرض نفسها مجدّدًا في أعقاب هجمات كبيرة هزّت البلاد خلال عام 2015، منها هجوميْن مروّعين على متحف باردو وشاطئ سوسة استهدفا سياحًا أجانب، وتفجير انتحاري استهدف حافلة للأمن الرئاسي وأسفر عن مقتل 12 عنصرًا.
على إثر ذلك، أعلن الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي حالة الطوارئ مجددًا، ومنذ ذلك الحين باتت تُجدَّد بشكل شبه مستمر كل بضعة أشهر.
في الواقع، أصبحت تونس منذ أواخر 2015 تعيش ما يُشبه الطوارئ الدائمة، حيث لم تُرفع هذه الحالة الاستثنائية إطلاقًا خلال العقد الماضي إلا لفترات وجيزة. وقد وصفت تقارير إعلامية هذا الوضع بأنه الأطول في تاريخ تونس الحديث من حيث استمرار حكم الطوارئ دون انقطاع.
مبررات السلطات لتمديدها
رسميًا تبرّر السلطات التونسية إبقاء الطوارئ بحالة “الخطر الداهم” والتهديدات الأمنية المستمرّة. فالقانون (الأمر الرئاسي رقم 50 لسنة 1978) يُجيز إعلانها عند وجود ما يمكن أن يهدّد النظام العام أو كارثة كبرى لا يمكن مواجهتها بالوسائل العادية.
ففي كل مرّة يُصدر فيها سعيّد مرسوم التمديد، يؤكّد أن الإجراء ضروري بذريعة صون الأمن القومي ومنع الفوضى، دون أن تقدم السلطات شرحًا واضحًا للجمهور حول طبيعة الأخطار المحدقة التي تستدعي إبقاء البلاد في هذا الوضع الاستثنائي المزمن.
وتجاوز سعيّد حتى القيود الشكلية المنصوص عليها في قانون الطوارئ نفسه. فبموجب مرسوم 1978 المنظّم للطوارئ، يجوز تمديد الحالة لفترات أقصاها 30 يومًا قابلة للتجديد بحد أقصى ستة أشهر في المجمل.
لكن في يناير 2024، أصدر سعيّد مرسومًا بتمديد لمدة 11 شهرًا دفعة واحدة حتى نهاية ذلك العام، في سابقة هي الأولى من نوعها. كذلك تم تجديد الطوارئ لعام 2025 كاملًا دفعة واحدة تحت ذرائع استمرار مكافحة الإرهاب.
هذا التجاوز أثار جدلاً قانونيًا وسياسيًا في تونس، حيث اعتبر خبراء دستوريون أن مد الطوارئ لفترات طويلة كهذه يخرق روح القانون ويتطلب تبريرًا مقنعًا للرأي العام.
ومن المهم الإشارة هنا إلى أنّه في السنوات التي سبقت انقلاب سعيد الدستوري عام 2021، فشلت المجالس النيابية المتعاقبة في تمرير قانون جديد ينظّم حالة الطوارئ بشكل يوافق المعايير الديمقراطية الحديثة، رغم انتقادات ناشطين بأن الأمر الحالي لعام 1978 بالٍ ومتجاوز.

الطوارئ كآلية حكم
منذ انقلابه على الدستور في 25 يوليو/تموز 2021 وتولّيه سلطات واسعة، يستخدم قيس سعيّد الطوارئ كأداة لحكم البلاد بمراسيم وأوامر بعيدًا عن الرقابة المؤسساتية.
فقد جمّد البرلمان المنتخب ثم حلّه بالكامل، وعلّق أجزاءً من الدستور قبل أن يستبدله بآخر جديد ويفرز برلمانًا محدود الصلاحيات.
وضمن هذا المسار، حلّ أيضًا المجلس الأعلى للقضاء وهيئات رقابية أخرى، معتمدًا على منطق “الضرورة الاستثنائية” الذي أتاحته له حالة الطوارئ والأزمة السياسية.
واستند سعيّد في البداية إلى الفصل 80 من دستور 2014 لإعلان “الخطر الداهم”، لكن مناخ الطوارئ الدائم في البلاد سهّل عليه تمرير إجراءات غير مسبوقة وتركيز جميع السلطات في قبضته دون معارضة فعلية.
فغياب محكمة دستورية وانفراد الرئيس بإعلان وتمديد الطوارئ دون الرجوع لأي مؤسسة أخرى، جعلا السلطة التنفيذية الحالية مطلقة اليد في اتخاذ قرارات مصيرية.
ويشكّك المراقبون في المبررات الرسمية لتمديد هذه الحالة، لافتين إلى غياب شفافية السلطات في كشف طبيعة “الخطر الداهم” الذي يستدعي استمرار الطوارئ، لافتين إلى أن بعض قرارات التمديد تحكمها دوافع سياسية أكثر من كونها استجابة لمقتضيات أمنية.
ويذهب ناشطون حقوقيون أبعد من ذلك، إذ يرون أن استمرار الطوارئ بلا انقطاع لم يعد يستند إلى تهديد فعلي، بل إلى رغبة السلطة التنفيذية في تفادي الرقابة وتعزيز قبضتها على مفاصل الدولة.
تأثير الطوارئ على الحريات
تمنح حالة الطوارئ السلطات التنفيذية وقوات الأمن صلاحيات استثنائية واسعة تأتي غالبًا على حساب الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين.
فعندما تكون البلاد تحت الطوارئ، يحق لوزارة الداخلية (وبإذن من الرئيس أو الولاة في المناطق) إصدار أوامر تقيّد العديد من الأنشطة المدنية دون الحاجة لموافقة القضاء مسبقًا.
وتشمل هذه الصلاحيات:
- حظر التجمّعات العامة والاحتجاجات والإضرابات متى اعتُبرت مهدّدة للنظام أو الأمن.
- فرض حظر تجوّل ليلي على السكان في مناطق معينة.
- وتنفيذ مداهمات وتفتيشات للمنازل والمحال التجارية دون إذن قضائي.
- رقابة مشدّدة على وسائل الإعلام والإعلام الإلكتروني والعروض الثقافية.
- فرض الإقامة الجبرية على الأفراد وتقييد حريّة تنقلهم إذا اعتُبروا خطرًا محتملاً.
هذه الإجراءات الاستثنائية، وإن كان يُفترض أن تُستخدم لمواجهة الإرهاب والطوارئ الأمنية، تشكّل بطبيعتها انتقاصًا خطيرًا من الحقوق المدنية كالحق في التعبير والتجمّع والتنقّل، والأخطر أنها تتم بقرارات إدارية لا تمر عبر المحاكم.
وأدّت عقلية الطوارئ المستدامة إلى تراجع محسوس في منسوب الحرّيات العامة في تونس خلال السنوات الأخيرة. فمع تكريس حكم الأمر الواقع بيد الرئيس منذ 2021، أضحت حالات الاعتقال التعسفي ومنع السفر بلا أوامر قضائية أمورًا شائعة تطال المعارضين والنشطاء تحت ستار الإجراءات الأمنية.
ووثّقت منظمات حقوقية استخدام السلطات للإقامة الجبرية والمنع من السفر بحق شخصيات معارضة وصحفيين دون تهمة رسمية، مستفيدة من غياب الرقابة القضائية في أجواء الطوارئ.
وأكّد تقرير حديث لمنظمة هيومن رايتس ووتش أن سعيّد حوّل الاحتجاز التعسفي إلى “حجر زاوية في سياسته القمعية”، مشيرة إلى تنفيذه حملة اعتقالات شملت عشرات قادة المعارضة والصحفيين والمحامين منذ 2023، في انقلاب واضح على الديمقراطية التي انبثقت عن انتفاضة 2011.
وترافق ذلك مع تصعيد في لهجة التخوين؛ حيث يصف سعيّد معارضيه بأنهم “خونة وإرهابيون” لتبرير هذه الإجراءات.
وهكذا، فإن استمرار حالة الطوارئ وفّر مظلة قانونية مرنة لجملة من الانتهاكات والتضييقات التي طالت طيفًا واسعًا من الأصوات المنتقدة، من سياسيين وناشطين إلى قضاة وإعلاميين ورجال أعمال.
تداعيات اقتصادية وسياحية
حالة الطوارئ طاولت أيضًا ثقة المستثمرين وقطاعي الاقتصاد والسياحة الحيويين في البلاد. فقد أحجمت العديد من الجهات الدولية عن ضخ أموال جديدة في تونس خلال السنوات الماضية، خاصة مع تفاقم الأزمة السياسية وغياب خريطة طريق واضحة للعودة إلى الديمقراطية.
كما تأخرت برامج المساعدة والتمويل الخارجي مثل قرض صندوق النقد الدولي بسبب تحفظات المانحين على النهج السياسي الحالي وما يصاحبه من تراجع في سيادة القانون، مما فاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد التي تعاني من عجز مالي وديون ثقيلة وتضخم قياسي.
أما قطاع السياحة – عصب الاقتصاد التونسي – فقد كان الأكثر تأثرًا بالاضطرابات الأمنية وحالة الطوارئ المستمرة.
فالسياحة التي شكّلت نحو 7% من الناتج المحلي قبل 2011، شهدت انهيارًا حادًا عقب هجمات عام 2015 ليتراجع عدد السياح بشكل دراماتيكي وتتقلص الإيرادات إلى النصف تقريبًا مقارنة بما كانت عليه سابقًا.
وبالرغم من أن السلطات عزّزت إجراءات التأمين وحماية المواقع السياحية – حتى أن مشهد الحواجز والتفتيش الأمني صار اعتياديًا في المدن السياحية– فإن ذلك كرّس صورة بلد يعيش على وقع الخطر بما يكفي لفرض كل تلك التدابير.
هذه الصورة، مع استمرار حالة الطوارئ وغياب الاستقرار السياسي، جعلت الكثير من السياح المحتملين يترددون في اختيار تونس كوجهة، ودفعت شركات التأمين والسفر لفرض أقساط مخاطر أعلى على الرحلات إليها.
وبالتالي فإن الطوارئ المزمنة ساهمت في تأخير عودة قطاع السياحة إلى زخمه المعتاد، مما حرم الاقتصاد التونسي من مورد بالغ الأهمية للوظائف والعملات الأجنبية في ظرف هو الأحوج فيه لكل دعم.
وهكذا تبدو تونس اليوم عالقة في حلقة طوارئ مفرغة؛ إذ يستمر تجديد الحالة الاستثنائية بذريعة حماية الوطن، بينما يتم توظيفها سياسيًا لتعزيز سلطة الفرد وتقييد مكتسبات الديمقراطية.
وبينما يصرّ سعيّد على أنه تحرك لإنقاذ الدولة من الانهيار والفوضى، يرى منتقدوه أنه قاد البلاد إلى مسار تسلطي يقوّض منجزات عقد من الزمن ويقضي على كل مكتسبات الثورة.