ترجمة وتحرير: نون بوست
كان آخر الزوار الأجانب الذين التقوا نيكولاس مادورو في كاراكاس – قبل لقائه غير المتوقع مع القوات الأميركية – دبلوماسيين صينيين رفيعي المستوى؛ فقبل ساعات فقط من اقتياده من غرفة نومه، استقبل مادورو وفدًا يقوده المبعوث الخاص لشي جين بينغ لشؤون أميركا اللاتينية. وقال الرئيس الفنزويلي مبتسماً: “الصين وفنزويلا! متحدتان!” مشيدًا بقوة العلاقة الإستراتيجية بين بلاده والصين، لذلك ليس من الصعب فهم سبب صدمة الصين من التدخل المفاجئ لدونالد ترامب في فنزويلا، فلم تكتفِ أميركا بالقبض على أحد أقرب حلفاء الصين في أميركا الجنوبية، بل كشفت أيضًا حدود القوة الصينية.
وتساءل البعض عما إذا كانت أفعال أميركا في كاراكاس قد تمهد الطريق لشيء مشابه في تايبيه، فإذا أظهرت أميركا أنها تستطيع الاستهزاء بالقانون الدولي واختطاف زعيم أجنبي لا يعجبها، فما الذي يمنع الصين من أن تحذو حذوها عبر مضيق تايوان؟ لكن المقارنة هنا ليست دقيقة؛ فالعائق الذي يواجه الصين ليس احترام القانون الدولي، إذ ترى أن إعادة التوحيد مسألة داخلية بحتة. لكن القلق الرئيسي للصين هو مدى نجاح غزو تايوان، ومن هذه الزاوية، فإن حالة فنزويلا ليست ذات دلالة كبيرة. فالصين تهدف إلى ما هو أكبر بكثير من مجرد اقتلاع طاغية واحد؛ بل هدفها هو السيطرة الكاملة على ديمقراطية نابضة بالحياة، ومن شبه المؤكد أن دفاعات تايوان أقوى من دفاعات فنزويلا.
والسؤال الأكثر إثارة للاهتمام هو ما يعنيه القبض على مادورو بالنسبة لمكانة الصين لدى شركائها حول العالم؛ فقد كانت فنزويلا أكبر متلقٍ للقروض والمنح الرسمية الصينية في أميركا الجنوبية؛ حيث حصلت على نحو 106 مليارات دولار بين عامي 2000 و2023، وفقًا لمركز “إيد داتا” البحثي في كلية ويليام وماري بولاية فرجينيا. وقد ذهب معظم هذا المبلغ إلى مشاريع البنية التحتية الفنزويلية، خاصة في مجال إنتاج الطاقة.
وقد حولت الصين تركيزها في السنوات الأخيرة إلى إعادة هيكلة الديون بسبب المشاكل الاقتصادية لفنزويلا، كما أصبحت الصين دولة لا غنى عنها باعتبارها واحدة من الدول القليلة التي تتحدى العقوبات الأميركية. ورغم أن الصين تحصل على نحو 5 بالمائة فقط من وارداتها النفطية من فنزويلا، فإن ذلك يكفي ليشكل 80 بالمائة من الطلب الدولي على النفط الخام الفنزويلي.
وقد قربت هذه الروابط الاقتصادية بين البلدين على المستوى السياسي أيضًا؛ فالدفاع عن فنزويلا كان وسيلة تروج بها الصين لرؤيتها عن “تعددية الأقطاب” – أي عالم تكون فيه أميركا أقل هيمنة وتكون الصين أكثر حضورًا – وفي عام 2023، رفعت الصين مستوى علاقتها مع فنزويلا إلى “شراكة شاملة في جميع الظروف”، وهو توصيف دبلوماسي لا تمنحه إلا لقلة من الدول. كما كانت فنزويلا أكبر مشترٍ للأسلحة الصينية في أميركا الجنوبية، بما في ذلك الرادارات التي يبدو أنها لم تقدم الكثير من المساعدة لمادورو.
ولكن اتضح أن الدعم الإستراتيجي الصيني كان في النهاية مجرد دعم خطابي إلى حد كبير، وكان هذا درسًا تعلمته إيران عندما قصفت الطائرات الأميركية منشآتها النووية في يونيو/ حزيران الماضي، الأمر الذي أثار انتقادات من الصين ولكن لم يتبعه الكثير من الإجراءات العملية. وقد أدانت الصين خلال الأشهر الماضية الانتشار العسكري الأمريكي بالقرب من فنزويلا بشكل متكرر، كما نددت بانتهاك أميركا لسيادة فنزويلا في أعقاب الغارة على كاراكاس. لكن بخلاف الكلمات القوية، ماذا قدمت الصين لمادورو في وقت حاجته؟ لقد طورت الصين أنظمة أسلحة متقدمة يمكن أن توفر رادعًا أقوى ضد الهجمات الأمريكية، لكنها مترددة في تصديرها، وقد يبدأ شركاؤها الشاملون “في جميع الظروف” بالتساؤل عما إذا كانت الصين مستعدة حقاً لحمايتهم من العواصف العاتية، أم أنها ستكون مجرد صديق في أوقات الرخاء.
يمثل خطف مادورو أيضًا اختبارًا واقعيًا لصورة الصين عن نفسها كلاعب عالمي حقيقي. فقد نص “ملحق ترامب” لمبدأ مونرو، الوارد في استراتيجية الأمن القومي الأميركية الجديدة المنشورة في ديسمبر/ كانون الأول، على حرمان “المنافسين من خارج نصف الكرة الغربي” من القدرة على نشر قوات عسكرية أو السيطرة على أصول إستراتيجية في نصف الكرة الغربي. وكان الهدف واضحًا: الصين، التي أصدرت بعدها بأيام أول ورقة سياسات لها بشأن أميركا اللاتينية منذ نحو عقد من الزمان، معتبرة المنطقة جزءًا أساسيًا من النظام العالمي الذي يأمل شي في تشكيله، وكانت الصور الأكثر وضوحًا هي صور لعبة حرب محاكاة بالحاسوب بُثت في ديسمبر/ كانون الأول على التلفزيون الصيني الرسمي؛ حيث واجهت وحدات حمراء عدوًا أزرق قرب كوبا وخليج المكسيك.
أما في العالم الواقعي؛ فقد أثار توسع وجود الصين في أميركا الجنوبية قلق المسؤولين في واشنطن؛ حيث تشير صور الأقمار الصناعية إلى أنها بنت مواقع مراقبة إلكترونية في كوبا، وتدير في الأرجنتين محطة إذاعية للفضاء العميق، وأصبحت الشركات الصينية قوة اقتصادية في البرازيل تعمل في كثير من المجالات من تعدين النيكل إلى إنتاج السيارات الكهربائية، كما أن المستثمرين الصينيين يمتلكون الآن حصصًا في مجموعة واسعة من البُنى التحتية عبر المنطقة، وأكثرها إثارة للجدل هو ملكية تكتل شركات من هونغ كونغ لموانئ على طرفي قناة بنما، ورغم ضغط إدارة ترامب من أجل نقل ملكية تلك الموانئ إلى مستثمرين أمريكيين، إلا أن الصين متمسكة بموقفها.
التريث دون الاختباء
ومع ذلك، فقد دفعت الغارة على فنزويلا بعض المفكرين في بكين إلى الدعوة لإعادة معايرة السياسة الصينية؛ إذ يرى جين كانرونغ من جامعة رينمين أن على الصين مواجهة حقيقة أنه مهما فعلت في المنطقة، فإنها ستصطدم في النهاية بأميركا، ويرى أن الصين يجب عليها في الوقت الراهن أن تمضي بحذر في استثماراتها هناك وأن تركز بدلاً من ذلك على التجارة، وتتمثل فكرته في الحفاظ على الروابط الاقتصادية في أميركا الجنوبية ولكن توجيهها في مسار أقل إثارة من الناحية السياسية لتجنب تأجيج التوترات مع أميركا في فترة رئاسة ترامب.
وتقول مارغريت مايرز من كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز في واشنطن إن أكبر الخاسرين في كل هذا هم على الأرجح دول أميركا اللاتينية التي تسعى إلى استثمارات صينية في مجالات تتقاطع مع المصالح الإستراتيجية الأميركية، والمفارقة أن العرض الخطابي للصين – كبديل لأميركا المتغطرسة – نادرًا ما بدا جذابًا للغاية للكثيرين في المنطقة. لكن مصير مادورو يوضح أن الصين تفتقر في الوقت الراهن إلى القوة والإرادة لتوجيه مثل هذه الضربة المضادة لأميركا.
المصدر: إيكونوميست
