لم تولد فكرة سيادة الدولة الحديثة من فراغ، بل تبلورت من قلب أكثر الحروب الأوروبية دموية واضطرابًا، ففي عام 1648، جاءت معاهدات السلام الموقعة في مونستر وأوسنابروك الألمانيتين لتضع حدًا لثلاثين عامًا من الصراعات الدينية، ولتؤسس في الوقت ذاته لنظام جديد في العلاقات بين الدول، يقوم على مبدأ السيادة المطلقة للدولة على أراضيها وشؤونها الداخلية.
اليوم، تعتبر معظم الأدبيات صلح وستفاليا، اللحظة المؤسسة للقانون الدولي الحديث كمنظومة حاكمة بين الدول، تنظم علاقاتها، وتحفظ سيادتها، وتعتمد مبدأ الاتفاق والمعاهدات أساسًا لتعاملاتها، رغم أن هذه المنظومة ظلت حكرًا على الدول الأوروبية لردحٍ طويلٍ من الزمن، واستُخدمت لاحقًا لتبرير الاستعمار وتقسيم العالم إلى دول متحضرة وأخرى بربرية.
لذا، ونتيجة انتقال التنافس من قلب أوروبا إلى الجزء الجنوبي من العالم، لم يستطع صلح وستفاليا منع الحربين العالميتين الأولى والثانية، فكان الحل تحويله من منظومة “الحق بالقوة” إلى “القوة بالقانون”، فظهرت عصبة الأمم ومن ثم الأمم المتحدة.
قانون عند الحاجة
توالت الاكتشافات الحقوقية التي فرضها العالم المتحضر، من قبيل القانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وسلسلة من معاهدات واتفاقيات ممهورة بقوة مجلس الأمن، والفيتو، ومدعومة بإجماع الجمعية العامة، فأصبح القانون أكثر أخلاقية في الطرح، وأكثر انتقائية في التنفيذ.
من قيادة حافلة إلى قيادة فنزويلا في 3 فترات رئاسية شهدت عقوبات أمريكية وتدهورًا اقتصاديًا كبيرًا.. رحلة مثيرة لنيكولاس مادورو انتهت باختطافه على يد قوات أمريكية. pic.twitter.com/hvflXOoY3n
— نون بوست (@NoonPost) January 4, 2026
وهكذا، استطاع الجزء الشمالي التحكم بالجزء الجنوبي، فنُظمت صراعات الاستعمار وفق مبدأ القانون الدولي، وانسجمت مواده مع خرائط القوة وديناميكيات النظام الدولي، ليغدو شكلًا من أشكال السياسة، لا حُكمًا عليها، ففي لحظاتٍ مصيرية عالمية اكتسب صرامة وتشددًا وقدرة على الفعل والفرض بناءً على إجماع الدول الكبرى، وفي لحظاتٍ أخرى سُلبت مخالبه وأنيابه حتى غدت أقصى إمكانياته مشاعر القلق التي تنتاب الأمناء العامين للأمم المتحدة، واحدًا تلو الآخر، كأنما عُين لممارسة القلق لا لتطبيق القانون.
لحظة! لم يعد ذلك يقتصر على دول الشمال، بل أصبح يمتد إلى صراعات بين دول الجنوب تصب في صالح الدول الكبرى، فمثلًا بإمكانك عزيزي القارئ، اختزال فشل منظومة العدالة الدولية خلال العقد الأخير، بالنظر إلى الأمثلة التالية، بعضها منك قريب، والبعض الآخر سمعت عنه ولا ريب في نشرات الأخبار.
المثال الأول في اليمن، حين انطلقت الغارات تدك بيوت الآمنين من عام 2015، بدعمٍ وصمتٍ غربي، ورغم توثيق مقتل آلاف المدنيين، والأدلة العديدة على التجويع الممنهج والحصار البحري، والاستخدام المرخص للأسلحة الغربية، إلا أن القانون الدولي اكتفى بتقارير الإدانة فقط، بل إنه فكك لاحقًا فرق ولجان التحقيق تحت ضغطٍ سياسي.
مكانٌ آخر، ميانمار والإبادة الجماعية ضد الروهينغا عام 2017، هل تذكرها عزيزي القارئ؟، هل تعلم أنها تسببت في نزوح 700 ألف إنسانٍ ومحو قرى بأكملها عن وجه الأرض، ماذا فعل القانون الدولي؟ أحال الجريمة للمحاكم الدولية، وترك الضحايا في مخيمات لجوء، وتراجع عن فرض العدالة، لأن العدالة هناك لم تكن مهمة أصلًا في نظره.
فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي بنسبة تصل إلى 19.4% من الإجمالي العالمي.. تعرف على أبرز حقولها. pic.twitter.com/NLElFDbW8S
— نون بوست (@NoonPost) January 4, 2026
أفغانستان، سيتبادر إلى ذهنك الحرب الأمريكية عليها، لا عزيزي القارئ، ذاك ملفٌ آخر، إنما أقصد الانسحاب الأمريكي الفوضوي بعد 20 عامًا من الاحتلال، بدون محاسبة المجرم الأول المسؤول عن آلاف الضحايا المدنيين، ومع انهيار كامل للبنية الاقتصادية والإنسانية والمجتمعية.
وغزة؟ لا بُد وأنك تعرف غزة، الإبادة الجماعية، التهجير، التجويع، قصف المشافي وحرقها، إفناء عائلات بأكملها، استهداف ممنهج للمدنيين، خطاب سياسي وشعبي صريح وواضح يتبنى الإبادة ويدعو لها، استخدام أسلحة محرمة دوليًا، وغيرها.
ماذا فعل القانون الدولي؟ عامين من الشعور بالقلق، واجتماعات مشلولة لمجلس الأمن، وتهديدات تُلاحق الجنائية الدولية، وموتٌ لمسار محكمة العدل الدولية، وحين نطق أحدهما بالقول “إن الاحتلال غير شرعي” أو “إن هناك شبهة إبادة جماعية”، لم يتجاوز الصدى جدار القاعة، وفقد قوة تنفيذه على أعتابها.
الآن، وبعد هذا السرد، سيكون بإمكانك التنبؤ بأداء القانون والعدالة الدولية فيما يتعلق بواقعة اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من داخل ثكنة عسكرية في قلب دولته، وباستخدام القوة العسكرية، وباستخدام قليل من المواد والأعراف الدولية، ستضع يدك ببساطة على مكمن الخلل في مسار العدالة الدولية.
حين تتقدم القوة يتراجع القانون والمنطق
في الثالث من يناير 2026، شنت قوة دلتا التابعة لوزارة الحرب الأمريكية عملية عسكرية في قلب فنزويلا، قصفت خلالها ميناءً، والقصر الرئاسي، ومنزل وزير الدفاع الفنزويلي، واختطفت الرئيس الفنزويلي المنتخب نيكولاس مادورو وزوجته من قلب العاصمة، لتنقلهما إلى نيويورك وتخضع الرئيس لجلسات تحقيق ومحاكمة بتهمٍ تتعلق بالمخدرات والإرهاب.
خلال هذه العملية التي وُصفت بالجراحية لدقتها، ضربت الولايات المتحدة بعرض الحائط عددًا من الأعراف الدولية ومواد ميثاق الأمم المتحدة، بدءًا بنص المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، التي تُجرم انتهاك سيادة دولة ما، وتحظر التدخل العسكري في دولة أخرى إلى بموافقة صريحة أو تفويض من مجلس الأمن، ما يجعل العملية الأمريكية استخدامًا أحادي الجانب، غير مشروع، للقوة العسكرية داخل أراضي دولة أخرى، واعتداء على سيادتها.
أما اختطاف أو -اعتقال- مادورو، فهو تجاوز لمبدأ الحصانة الكاملة الذي يتمتع به رؤساء الدول وممثلوها الرسميون، داخليًا وخارجيًا، حتى لو كانوا متهمين بجرائم، حيث تُجمع المواثيق الدولية على أن الاختطاف يتعارض مع واجب الدول وأهمية احترامها لحصانة الرؤساء والإعتراف بهم.
اللافت أن الجرائم التي تلوح بها الإدارة الأمريكية في وجه مادورو، وهي الإتجار بالمخدرات وعنف العصابات وحتى تزويد أعداء الولايات المتحدة بالنفط، لا ترقى في المعيار الدولي المتعارف عليه لجرائم الحرب، أو الإبادة الجماعية، أو المشاركة في نزاع مسلح، وعليه فإن استخدام القوة والتعدي سيادة الدول وحصانة الرؤساء يعد انتهاكًا صرفًا.
ينسجم ذلك، مع غيابٍ كامل لمنظومة الإجراءات القانونية الدولية، وتفويض استخدام القوة، الذي تنص مواثيق مجلس الأمن على أنه مشروع تحت بند الدفاع على النفس، وهو النقيض تمامًا للعملية العسكرية التي لم تقترب من أي عملية متابعة أو تسليم جنائي معتمدٍ دوليًا.
– يمثل الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أمام محكمة فدرالية في نيويورك، بعدما أعلنت السلطات الأميركية اعتقاله في عملية عسكرية خاصة نُفّذت داخل فنزويلا.
– أبلغت المحكمة مادورو رسميًا بالتهم الموجّهة إليه، بينما أُسندت القضية إلى القاضي ألفين هيلرستاين في محكمة مانهاتن الفدرالية.… pic.twitter.com/JGAk2JhSCX
— نون بوست (@NoonPost) January 5, 2026
لا يتوقف ذلك عند العمل العسكري فقط، بل يمتد للسعي الأمريكي للتحكم بفنزويلا وإدارتها، وهو ما صرح به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ما يعد اعتداءً على حق الدول في تقرير مصيرها، وانتهاكًا للمواثيق الدولية التي تكفل للأمم والشعوب إدارة شؤونها وتقرير مصيرها.
إضافة إلى خرق قواعد حماية الأعيان المدنية بقصف الموانئ والمواقع الرئاسية، وانتهاك مبدأ التمييز في القانون الدولي الإنساني، وفق اتفاقيات جنيف، ومبدأ التناسب بقتل 32 فنزويليًا وإيقاع خسائر مدنية مفرطة، وفق البروتوكول الأول لاتفاقية جنيف.
يتداخل ذلك مع جريمة القتل التعسفي للمدنيين، التي تنتهك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وانتهاك الحق بالحياة خارج سياق القتال المشروع، ما يمس بمبادئ الأمم المتحدة بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية.
يتجاوز ذلك مخيلة الفاعلين الدوليين، باعتبار ما قامت به الإدارة الأمريكية مقياسًا جديدًا في العدالة الدولية، يسمح لدول أخرى بالتصرف بالطريقة نفسها ضد قادة دول أخرى بدون احترام القواعد القانونية الدولية، وبالاتكاء الكامل على فيتو في مجلس الأمن، يمنحها قدرة الإفلات بسهولة.
مثلًا، قد تلجأ روسيا لاختطاف الرئيس الأوكراني زيلينسكي، وقد تلجأ “إسرائيل” لمهاجمة خامنئي في عقر داره، أو اختطاف الرئيس السوري، أو قصف قصره الرئاسي، وقد تُقدم الصين على غزو تايوان، بالحجج نفسها التي تثيرها الولايات المتحدة فيما يخص فنزويلا، بينما تملك كل منها آلية إفلات من المحاسبة أو التجريم.
إيخمان أم نورييغا: كيف تبرر الولايات المتحدة انتهاكها؟
في واقعة اختطاف مادورو، تكررت الإشارة لها باعتبارها سابقة قانونية خطيرة، وفاتحة لفصلٍ جديد في منظومة العدالة الأممية، لكن هل كانت فعلًا سابقة؟
إن كان المنطلق هو انتهاك سيادة دولة أخرى، فعام 1960 أقدم عملاء جهاز المخابرات الإسرائيلية، الموساد، على اختطاف الضابط الألماني المسؤول في الرايخ الثالث، أدولف إيخمان من الأرجنتين، ونقله سرًا إلى “إسرائيل” لمحاكمته عن دوره في المحرقة النازية، وبينما احتجت الأرجنتين إلى مجلس الأمن لانتهاك سيادتها، تواصلت محاكمته دون توقف.
حينها اعُبر اختطاف إيخمان، تنفيذًا للأحكام القانونية الدولية بحقه، منها اتهامه بارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، أجمعت عليها دول العالم، واعترفت بها كجرائم دولية لا تسقط بالتقادم، وتحظى باستثناءات خاصة تُبيح لها استجابات غير عادية.
تتجلى الفائدة الأوسع للهجوم الأمريكي على فنزويلا، من منظور إسرائيلي، في بعده الإيحائي أكثر من نتائجه المباشرة، فـ”إسرائيل” رغم عدم مشاركتها في العملية، تُعد المستفيد الأول من الرسائل التي حملتها، خصوصًا في السياق المتصل بإيران والشرق الأوسط.
اقرأ التقرير كاملا… pic.twitter.com/weWB6LkImf
— نون بوست (@NoonPost) January 5, 2026
كما أنه لم يملك الحصانة القانونية التي يتمتع بها مادورو، ولم تسفر عملية اختطافه عن مقتل مواطنين أرجنتين، رغم ذلك ما زالت عملية اختطاف إيخمان مثار جدلٍ قانوني حتى اليوم.
على النقيض، لا تُصنف التهم الموجهة- أمريكيًا- لمادورو باعتبارها جناية داخلية يمكن الاحتكام لها وطنيًا، ولا تملك وضعًا خاصًا في القانون الدولي، أو تبرر استخدام القوة خارج نطاق القانون، حتى ولو بررتها الإدارة الأمريكية باعتبارها هجومًا.
كما فعل السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، حين استشهد بالمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تنص على أنه لا شيء “يجب أن يضر بالحق الكامن في الدفاع الفردي أو الجماعي عن النفس إذا وقع هجوم مسلح ضد عضو في الأمم المتحدة”.
إضافة إلى أن الحصانة الرئاسية والدبلوماسية للرئيس الفنزويلي -السابق- تظل قائمة، حتى لو قدمت الولايات المتحدة لائحة اتهامٍ بحقه منذ عام 2020، ولو اعتبرت هي والدول الأوروبية انتخابه ورئاسته غير شرعية، طالما أن دولًا أخرى تعترف به رئيسًا وتحظى بعلاقات مستقرة معه.
أما إن كان المنطلق هو الحصانة القانونية لشخصية رئاسية، أو انتهاك الحق بالحياة ومبادئ عدم التمييز والتناسب، فبالعودة إلى الغزو العسكري الكامل لبنما عام 1989، ومقتل آلاف المدنيين، وتدمير واسع للبنية التحتية، واختطاف رئيسها مانويل نورييغا ونقله للولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الإتجار بالمخدرات.
يظهر أن اختطاف مادورو ليس سابقة فعلًا، فحتى في حالة نورييغا سُحب الاعتراف الرسمي به وصُنف كدكتاتور ومجرم قبل الغزو، كما اتخذت واشنطن الدفاع عن النفس مبررًا وذريعةً لغزوها -رغم رفض مجلس الأمن لهذا المبرر- ورغم أن الحصانة في القانون الدولي لا تتأتى باعتراف دولة واحدة أو عدمه، وإنما باكتمال مقومات السيادة للدولة ذاتها.
المثير، أن الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أدانت الغزو والاختطاف بأغلبية ساحقة، واعتبرته انتهاكًا للمادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، لم تستطع إيقاف محاكمة نورييغا، أو إدانته، أو محاسبة الولايات المتحدة على انتهاكها، ما خلق سابقة واقعية، وخرقًا لم يتم إخضاع الجاني فيه للعقاب.
من غرينلاند إلى إيران.. ترامب يلوّح باستهداف دول جديدة على خطى فنزويلا. فما أبرزها؟ pic.twitter.com/SXH3RRoLiU
— نون بوست (@NoonPost) January 6, 2026
أما الجديد، فهو أن اختطاف مادورو، وباعتباره حلقة ثانية من سلسلة الانتهاك الغربي، لم يؤسس لسابقة قانونية بقدر ما أسس لسابقة قسرية، تتيح تكرار خرقٍ قديم لم يُحاسب، وتحوله لنمطٍ قابل للتبني، وفق ما بدا أن العالم يسير بمنطق القوة لا منطق القانون، ما يجعل إعادة إحياء نموذج نورييغا -باختطاف مادورو- أكثر خطرًا وحساسية، في وقت اكتمل فيه القانون الدولي وغدت معالمه معززة بنظام روما للمحكمة الجنائية، وبقواعد الحصانة السيادية والمسائلة الفردية وحماية المدنيين.
عمومًا، عزيزي القارئ، هذه الأفعوانية الممتدة من تاريخ منظومة العدالة الدولية ونماذج خروقاتها المنفلتة من الحساب والعقاب، تضيء في ذهنك مبادئ واقعية لعالمٍ حقيقي، عالم أرضي تسقط فيه كل المثاليات والقيم الخيالية، الثابت الوحيد فيه هو القوة.
القوة تصنع القوانين، وتُغير القوانين، ترفعها في الواجهة أو تخفيها إلى حين، والقوانين أدوات للسيطرة، يتم دعمها بالكثير من المال، وبعض وسائل الإعلام، والقوة مرة أخرى، وبها يُحكم الإنسان وتُدار الشعوب الضعيفة، وأما بغيرها فتروى القصص والحكايات، فقط.